جمهور ترامب في الانتخابات النصفية: «إنها الهوية يا غبي!»

أرنو ليبارمونتييه * |

عشية الانتخابات النصفية الأميركية، في 6 تشرين الثاني (نوفمبر)، وهي انتخابات تخسرها عادة الإدارة التي تتولى الحكم، يتكاتف الجمهوريون المحافظون، البيض والبروتستانتيون والمسنّون. وهم يكنّون الكراهية لليبراليين من النخب الديموقراطية، أو حتى اليسارية، أهل الساحلين الشرقي والغربي ومدنهما، الذين مثلتهم هيلاري كلينتون التي رجحت الاستطلاعات فوزها في 2016، ومثلهم باراك أوباما قبلها. ويقيم الناخبون الجمهوريون في الولايات التي تقع بين الساحل الشرقي وبين كاليفورنيا. وطوال عام التقت «لو موند» عمال مناجم مونتانا، والصناعات المنجمية في كانتاكي ومزارعي نبراسكا وإييووا، ومستخرجي النفط في أوكلاهوما، وأنصار تفوق العرق الأبيض في فيرجينيا. وينتسب هؤلاء إلى ولايات غير تلك التي تقع بين الساحل الشرقي وبين كاليفورنيا. وسألتهم رأيهم في الحرب التجارية التي يشنها دونالد ترامب، وفي وعوده بتجديد التصنيع الأميركي.


وفي أثناء التنقل في أرجاء هذه البلاد شبه الصحراوية، والاستماع طويلاً إلى محطات الإذاعة المحافظة، لاحظ المستمع استماتة إذاعات وييومينغ في مهاجمة هيلاري كلينتون، والدفاع عن استقبال الأطفال المصابين بمتلازمة داون trisomiques في ولاية كانتاكي، إحدى ولايات «حزام التوراة». وتسكت الإذاعات عن سياسة الرئيس الاقتصادية، وعن أحوال المواطنين المالية، وذلك في خضم الإصلاح الضريبي. وتؤيد ديانا موتز، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بنسيلفانيا ومؤلفة دراسة نشرت في نيسان (أبريل) عنوانها «تهديد المكانة وليس الصعوبات الاقتصادية هو تعليل الاقتراع الرئاسي في 2016». وعلى خلاف التأويل الذي ساد في آخر المطاف، لم يفز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة لأنه استمال مساكين البيض في ولايات «حزام الصدأ» التي خسرت منشآتها الصناعية، وهي بينسيلفانيا وويسكونسين وميتشيغن.

«لم يقترع المتساقطون على طريق الانتعاش الاقتصادي لترامب»، تقول السيدة موتز. فالعامل المرجح كان الهوية. وغذى هذا العامل خوف الرجل الأبيض من خسارة مكانته وغلبته، وتردي رتبته العددية إلى أقلية سكانية. ونظير «إنه الاقتصاد أيها الغبي!»، الشعار الذي كان السبب في فوز بيل كلينتون في 1992، شعار «إنها الهوية، أيها الغبي!» هو السبب في انتخاب دونالد ترامب في 2016. فـ «التهديد الثقافي» الذي شعر به البيض هو ما دعاهم إلى الاقتراع لترامب، على قول ديانا موتز. وانتخاب أوباما إلى ولايتين خلف أثراً فاق أثر الهجرة وصدمتها. «رئيس أفريقي- أميركي حائز تأهيل جامعي، ودرس الحقوق في هارفرد، تهديد لمكانة البيض، بينما المهاجرون الذين يبلغون الولايات المتحدة وعلى ظهر واحدهم قميصته ليسوا تهديداً».

واستمال شعار «أميركا أولاً» و «استئناف أميركا عظيمة» في وقت أول البيض. وهم ترجموا اللازمتين الترامبيتين إلى «أميركا (البيضاء) أولاً»، و «أعيدوا إلينا أميركا البيضاء». وفي أثناء مقابلاتنا لم يتجرأ أحد على الطعن في باراك أوباما، في مكانته وثقافته ومهابته. ويقول مزارع من نبراسكا جيم كارلسون: «إنه ذرب (فصيح) اللسان لكنه لم ينجز شيئاً»، غير أن ولايتيه قلبتا الأوضاع رأساً على عقب. ويجهر أندرو سولاري (71 عاماً)- وهو جمهوري على يقين من جمهوريته ومتقاعد من صناعة الطاقة في بيلينغز، ولاية مونتانا- خشيته من خسارة المكانة: «نعتت هيلاري كلينتون ناخبي ترامب بـ (المعترين)، وأمثال كلينتون لا يزالون ينعتوننا بهذا النعت المؤلم. فهم منقطعون من عامة الناس». والإحساس بالمهانة والقلق المصيري ظهر أثرهما في عدد من المواجهات. فأندرو سولاري يؤيد تعيين القاضي المحافظ بريت كافانو في المحكمة العليا، وهو اتهم باعتداء جنسي قبل 36 عاماً، ما أثار فيضاً من الكراهية بين نساء اليسار وبين المحافظين البيض. «أهل اليسار المتطرف مفرطون في تطرفهم! إنهم على يقين من خسارة النساء الحق في الإجهاض، إلا أن الامور لن تبلغ هذا الحد، يقول السيد سولاري.

ويقاضي إدورد بلوم، الناشط المحافظ من ميتشيغن، جامعة هارفرد التي يتهمها بانتهاج سياسة تمييز في حق الأسيويين وميلها إلى السود والإسبانيين، لكنه يريد فعلاً الدفاع عن البيض. أما نظام التأمين الصحي الذي أنشأه أوباما (المعروف بـ «أوباما كير»)، فكان عرضةً في بعض الأحيان لرفض موصوف. «كنت مؤيداً للفكرة، إلا أنها أدت إلى كارثة، وانهارت تغطيتي وبلغت الأكلاف أرقاماً لا تحتمل»، يشكو مزارع غير متحزب من نبراسكا، يدعى راندي أورماشير. وإصلاح أوباما حمل على إجراء يخدم مصلحة الفقراء من الأقليات على الخصوص، بينما يقول البيض من ذوي الدخل المحدود إنهم يسددون ثمن الخدمات الصحية فوق ما يسدده أمثالهم لقاء تغطية أقل. وهذه المخاوف دعت إلى تأييد المرشح ترامب.

وتوجز ديانا موتز الحال بالقول: «الذين حسبوا أن المراتب انقلبت رأساً على عقب- ورجحت كفة السود على كفة البيض، وكفة المسلمين على المسيحيين والنساء على الرجال- مالوا إلى ترجيح الاقتراع لترامب». وتظهر دراسة السيدة موتز التغيير الذي أصاب ترتيب القيم والمعايير: فالإقبال على «الهرمية» المرتبية يتقدم على طلب «المساواة»، وهذا قرينة على رغبة الجماعة في التماسك والتعصب بإزاء تهديد من خارج. وخرج إلى العلن موقف مضمر يعادي النساء والأقليات والمسلمين. ويقتضي فهم الأمر الانتباه إلى اليمين المتطرف. فانبعاثه يشهد على قلق عميق يمثل عليه جايسن كيسْلر (35 عاماً)، الناشط المتعصب لتفوق الرجل الأبيض الذي دعا، في آب (أغسطس) 2017، إلى تظاهرات في شارلوتفيل (ولاية فرجينيا)، احتجاجاً على تقويض نصب للجنرال الجنوبي في الحرب الأهلية روبرت لي، وآلت إلى مقتل متظاهرة مضادة دهسها نازي جديد. وجايسن كيسْلر هو من هؤلاء البيض المتساقطين والزائغين: تركته زوجته فرجع إلى الإقامة في منزل أهله مع كلبه، ولا يطيق ارتقاء الجماعات الأخرى إلى مكانة يرى أنها حكر على جماعته.

وباكورة انخراطه في التصدي للأقليات كانت مشادة مع أفريقي- أميركي انتخب إلى مجلس شارلوتفيل البلدي، و «غرد» تغريدة كراهية للبيض وإزدراء للنساء. «البيض هم الجماعة الوحيدة التي يحق إجراء تمييز في حقها»، قال جايسن في آب 2017. وهو يزعم أنه اقترع لأوباما في 2008، ويعلق على الأمر قائلاً: «المشكلة هي ما حصل في ولايته الثانية حين استولى متطرفون على السلطة، ناشطون مثليون من النساء والرجال، لم يقنعوا بفرض زواج المثليين فجهروا على الملأ طريقة عيشهم، وقالوا: استولينا على السلطة وسنثأر من الذين سبقونا». وحسِب الرجل أن دور ثأره حان مع دخول ستيف بانون، منظم حملة ترامب، البيت الأبيض.

ومن «البيض الذين احمرت رقابهم من لفح الشمس» («ريدنكس»)، الجمهوريين الريفيين، الذين التقيناهم، قلة تطرقت إلى موضوع المهاجرين باستثناء تشارلز كينغ. فهذا الديموقراطي السابق هو عمدة هاوسفيل، البلدة الصغيرة في ولاية كنتاكي، التي ترى تباشير مستقبل زاهر تلوح لها مع فرض واشنطن تعرفة جمركية على الصلب المستورد، وحماية مصنعها المحلي. ويأسف كينغ على إحجام دونالد ترامب عن تشييد جدار على الحدود مع المكسيك: «السياسيون جبناء، ويخشون الدفاع علناً عن آرائهم خشيتهم وصفهم بعرقيين وبجنسيين». وينكر عمدة هاوسفيل على المهاجرين خلسة وتهريباً تمتعهم بحقوق تفوق حقوق الأميركيين، واجتياحهم النظام المدرسي: «هؤلاء الذين يأتون من المكسيك إلى الولايات المتحدة لا يأتون للأسباب التي دعت أجدادي إلى المجيء: هؤلاء هاجروا في سبيل الحرية وآمنوا بالعمل والتقدم. أما القادمون من أميركا الإسبانية فلا يؤمنون بالقانون».

والتهديد الخارجي المبهم الذي تشعر به هذه الجماعة من البيض، على رغم ندرة فرص التقائهم في ولاياتهم بمهاجرين، الباعث الفعلي عليه هو العولمة والصين. ويتقدم الخوف الثقافي العام الإخفاق الشخصي. «الناس يحتسبون الاقتصاد، إلا أن الاقتصاد ضعيف الصلة بوضعهم الشخصي»، تقول السيدة موتز. وتظهر عينة من الناخبين في دورتي 2012 و2016 الرئاسيتين، خسروا عملهم في هذا الوقت، أن هؤلاء لم يقدموا ترامب على غيره من المرشحين. وتصدق الملاحظة عينها على الذين ألحقت بهم قواعد التجارة الدولية ضرراً، أو يحسبون أن هذه القواعد عادت عليهم بالخسارة. أي أن انتفاضة ضحايا العولمة وتنقيل الصناعات، الترامبية والمفترضة، غير محققة ولا ملموسة. فالعولمة والتنقيل برزت آثارهما في أعوام عقد الألفين، والعمالة الصناعية استؤنفت مع 2010، وتجدد النمو والتوظيف في 2016، آن الانتخابات. «ذاكرة الناس قصيرة»، تلاحظ الكاتبة الجامعية. وبحثها يكذب المقالة في الخوف من المستقبل الاقتصادي التي يتوسل بها مراقبون إلى تعليل انتخاب ترامب.

ويثبت مزارعو آيوا ونبراسكا- وهم يؤيدون المواجهة الاقتصادية مع الصين على رغم استدراجها هذه إلى إجراءات رادعة تحرمهم موائد واسواق تصريف- أن المصير الشخصي والفردي ليس شاغلهم الأول. وهذه الولايات لا تزال على ميلها إلى ترامب. «في الحكم رجل ثقيل اليد قليلاً، وهذا قد يؤلم، إلا أن الصينيين يفتقرون إلى ذخيرة»، يأمل راندي أورماشير، مزارع نبراسكا غير الحزبي. «الناس يميلون هنا إلى التبادل الحر، والتبادل (مع الصين) لم يكن حراً. وثمة أمور ينبغي تقويمها، وعلى أحدهم الاضطلاع بذلك». وفي ولاية آيوا الحارة، توقع المزارع الجمهوري راي غايسير حرباً تجارية مديدة، ويخشى على موسم 2019 من ارتجال قرارات ترامب. ويأمل في عقد اتفاق إيجابي، شأن أندرو سولاري، من ولاية مونتانا، الذي يوجز رأيه في الوضع: «يقول ترامب أن التجارة لم تكن منصفة وهو يريد المساواة، وهذا ما لا يُلاحظ في الإعلام».

ومعنى هذا أن ناخبي ترامب لا يحسبون أنفسهم حمائيين ولا أحاديين، وجلّ همهم تصحيح قواعد يرونها «غير منصفة». ويقلقهم أشد القلق حصارهم، وإجماع العالم عليهم- الصين والمكسيك وكندا وألمانيا-، وكان القلق على هذا النحو من سمات الروس، وهو علامة فارقة وجسيمة على خسارة الولايات المتحدة ثقتها في نفسها.

* مراسل الصحيفة في الولايات المتحدة، عن «لو موند» الفرنسية، 28-29/10/2018، إعداد منال نحاس


الأكثر قراءة في الرأي