يانيس ريتسوس الشاعر أيضاً في كتابته الروائيّة

باريس - أنطوان جوكي |

نعرف اليوناني يانيس ريتسوس (1909 - 1990) واحداً من أكبر شعراء القرن العشرين. ترك بقصائده ومسيرته النضالية أثراً بليغاً على عدد مهم من الشعراء الأوروبيين والعرب، وفي مقدّمهم الشاعر الفلسطيني محمود درويش. لكن ما لا يعرفه معظمنا عنه، أنه أيضاً ناثر وقاص من الطراز الأول، كما تشهد على ذلك روايته «أريوست اليَقِظ»، التي أصبح في إمكاننا اليوم قراءتها بلغة موليير بعدما صدرت ترجمتها الفرنسية حديثاً عن دار «زمن الكرز» الباريسية.


وتجدر الإشارة بدايةً، إلى أن ريتسوس كتب هذه الرواية في أثينا عام 1942، أي في تلك المرحلة الصعبة التي اختبرت العاصمة اليونانية خلالها المجاعة. وفي هذا السياق، يشكّل نصّها محاولة ناجحة لتعزيم أهوال الحرب والبؤس الناتج منها. وحين نعرف أن كلمة «أريوست» هي في الواقع جناس تصحيفي مستقى من كلمة «أرويست» اليونانية التي تعني «الضبابي»، نفهم الطباق المقصود في عنوان الرواية ومعه طبيعة شخصيتها الرئيسة التي تشبه شخصية ريتسوس وتشكّل إلى حدٍّ ما صنواً له.

وفعلاً، على رغم جانبه الساذج، يظهر أريوست داخل النص كرجلٍ يتمتّع بحسٍّ نقدي عالٍ ومخيّلة جامحة، ويلقي على الحياة التي تحيط به نظرةً تتراوح بين سخريةٍ واندهاش، وبين رقّة وقسوة. رجلٌ يحزر بشفافيته ونقائه أسرار الكائنات والأشياء، وينحاز بإنسانيته إلى الفقراء. هكذا نراه على طول الرواية، يعلِّق على أحداث حياته وكل ما يراه حوله بحساسية مؤثّرة، ويحاكم أصحاب السلطة والنفوذ والمال على عنفهم أو فسادهم أو لا مبالاتهم، وبالتالي على مسؤوليتهم الكبيرة في ما يحدث من حروب ومآسٍ في العالم.

شخصية آسِرة إذاً لكنها لا تفسّر وحدها افتتاننا بهذه الرواية، الذي يعود أيضاً إلى طريقة تشييد ريتسوس صرحها على شكل نصوص مشهدية متتالية لا رابط ظاهر بينها سوى إطارها الجغرافي، أثينا، وبطلها أريوست الذي يؤدّي دور الراوي، وبعض الشخصيات الأخرى التي يتواتر حضورها من نصٍّ إلى آخر، كوالدته ووالده ومدير المكتب الذي يعمل فيه.

تفتننا الرواية أيضاً بخلط الشاعر الواقع والخرافة فيها، تماماً كما في شعره، وبصقله لكتابتها لغةً تستحضر في بعض جوانبها الكتابة الآلية، وصوراً ينطبق عليها بدقّة معنى الاستعارة باليونانية، أي وسيلة «نقل» تذهب بنا إلى أبعد من واقعنا. ولا عجب في هذه الخيارات، فتاريخ كتابة هذا العمل يتزامن مع المرحلة التي فتح الشاعر فيها شعره على مكتسبات الحركة السوريالية، واستكشف، مثل أندريه بروتون ورفاقه، طاقات الحلم. توجُّه تظهر آثاره بقوة في «أريوست اليقظ»، حيث تتأرجح عملية السرد بين يقظة وحلم من دون أن نتمكّن من التمييز بين ما يرويه أريوست من أحداث واقعية وما يعيشه أثناء نومه. ويعزّز هذا الالتباس تداعي الجُمَل والتعليقات والأحداث المنقولة بطريقة تفتقد المنطق، وقفز عملية السرد غالباً، وبطريقة مفاجئة، من موضوع إلى آخر لا علاقة به، من دون أن يفقدنا ذلك متعة القراءة. وهذا ما يقودنا إلى قيمة هذه الرواية التي تتجلّى فيها رؤية ريتسوس الشعرية كاملةً، ومعها هاجس الشهادة على غرابة الكون وأشياء الحياة اليومية.

من الرواية

«كانت لأمي سلّة من قصب مليئة ببكرات الخيطان والكشاتبين وإبَر الخياطة والأزرار والمشابِك. سلّة هي عبارة عن حديقة صغيرة حقيقية تتسكع فيها أحلام يقظتها. كان خيطٌ أزرق يفتح باباً على السماء. وعلى خيطٍ أخضر كان يسير مسرنمون وأوراق شجر وببغاوات صغيرة وعصفور يحمل شمسية حمراء وحزنٌ مسائي لا سبب له. يسيرون بقفزات صغيرة ومتكرّرة إلى أن يصلوا إلى حلقة التطريز. من جهتي، كنتُ أنتزع كل يوم قطعةً صغيرة من الأشجار والضوء والهواء وأضيفها إلى تطريزات أمّي. إلى أن يحدث تدريجاً تبادلٌ سرّي بين منزلنا والريف، فيحلّ مكان أثاثنا عصافير وينابيع وأدغال، ويفرغ الريف تدريجاً من خضرته ليمتلئ بالأرائك والخزائن والمرايا والستائر. لا أظنّ أن أبي كان يعي هذا التحوّل، لأنه كان يتابع نفض رماد سيجارته على الزنبقة، أي في المكان المحدَّد سابقاً للمنفضة. كنا، أنا وأمي، نتبادل النظرات خلسةً ونهزّ رأسينا مبتسمَين. في تلك الفترة، بدأتُ التدخين لإخفاء عينيّ خلف الدخان. في ما بعد، شاهدتُ طفلاً كان يحمل سلّة مماثلة يبيع فيها الكرز، فأحببته فوراً (...)».