هجرة واندماج وتناقضات اجتماعية في أفلام مغاربية

من الفيلم المغربي «صوفيا»
مونتريال - «الحياة» |

يستمر مهرجان «سينامانيا» في مونتريال في تقديم فعالياته (نحو 80 عرضاً) حتى11 من الشهر الجاري. وهو يعتبر منذ تأسيسه عام 1990، أول مهرجان مخصص للأفلام الفرانكوفونية في الشمال الأميركي. وشارك فيه هذا العام أربعة أفلام مغاربية عرضت في الصالات الكائنة في محيط الجاليات المغربية والتونسية والجزائرية.


هيمنة ذكورية

استهل العروض المغاربية فيلم «صوفيا» للمخرجة المغربية الفرنسية مريم بن مبارك. وتمحورت أحداثه حول الشابة صفية (مها العلمي) التي تعيش مع والديها في الدار البيضاء. وهي غير متزوجة. إلا أنها أخفت حملها غير المشروع عن أهلها. فساعدتها قريبتها (لينا)، وهي طالبة في الطب على الولادة في مستشفى في شكل غير قانوني، إلا أن إدارة المستشفى أنذرتها بالكشف عن هوية الأب وإلا اضطرت للاتصال بالسلطات المعنية. هنا، تتدخل والدة لينا، وهي من خلفية ثرية، لتتبنى الطفل منقذة صوفيا من دخول السجن.

أثار الفيلم الكثير من المواقف المثيرة للجدل. فهو عبّر عن واقع حقيقي لشريحة ما من الفتيات العازبات.

وطرح بجرأة غير مألوفة قضية المرأة المغربية التي تلد خارج المستشفيات العمومية أو في غرف مغلقة أو على على أيدي نساء غير قابلات قانونية. كما قضية ولادة الطفل من أب مجهول أو من علاقة جنسية غير مشروعة تعتبر جريمة قانونية ويصنف المولود، دينياً واجتماعياً، ابن حرام.

وخارج هذا الإطار ثمة من حاول تلميع صورة المرأة المغربية المتورطة بزواج غير شرعي، ودافع عن حريتها الجنسية وعن علاقتها خارج الزواج التي يمكن أن تكون بدافع الحاجة المادية أو في إطار البحث عن هوية لطفلها.

ومن ناحية أخرى، نوه الناقد الكندي روبير أوليفيه بكيف أن نهاية الفيلم كشفت أن مغتصب صفية الفقيرة هو رجل أعمال أغراها بتحسين وضعها المادي، لافتاً إلى عمق التناقضات الاجتماعية والطبقية السائدة في المجتمع المغربي.

وفي السياق المغربي، قدم المخرج الفرنسي جون فيليب كود فيلم «تازيكا» المتحدث عن إحدى القرى المغربية التي نشأ فيها مهدي بيليم (الياس بطل الفيلم). فاحتضنته جدته وعلمته أسرار المطبخ المغربي ووجباته التقليدية.

وبعد سنوات، تعرف إلى «شيف» باريسي ذائع الشهرة ووقع في حب سلمى (هويدا علمي)، فقرر الانتقال إلى باريس لكنه واجه مشكلات مؤلمة: متاعب مالية وحاجته إلى أوراق ثبوتية وصعوبة إيجاد عمل من دونها.

الفيلم روائي طويل. وينتمي إلى الأعمال السينمائية الخيالية ويتمحور حول مسألة المنفى والحياة المؤلمة للمهاجرين غير الشرعيين في فرنسا. ومسألة احتكاك الحضارات واختلاف ثقافة فنون الطبخ بين فرنسا والمغرب.

باختصار، ينطلق الفيلم كما يقول الناقد الكيبيكي فرانسوا ماتييه في جريدة (لو ديفوار) من «رؤية سينمائية مزدوجة تتصدى لتحديات الاندماج في المجتمع الفرنسي مع تمسك المغاربة بعاداتهم وقيمهم وتقاليدهم».

أثمان الغربة

وفي المقلب الجزائري، هناك رحلة مأسوية من نوع آخر. مهاجر جزائري يبحث عبثًا عن ابنته في شوارع باريس. تنتابه هواجس وأفكار مقلقة خشية العودة من دونها.

هذه المشاعر عاشتها عائلة جزائرية مكونة من حكيم رب الأسرة وزوجته لطيفة وابنتهما نجمة، في فيلم «ليلى» للمخرجة الكوميدية نادرة عيادي، حيث تحكي هذه الأخيرة قصة تلك العائلة الجزائرية التي كانت تعيش في قرية صغيرة براحة واطمئنان، حتى أطلت الحرب الأهلية عام 1990 فاضطرت للهجرة إلى فرنسا.

وذهبت ابنتها الكبرى ليلى إلى باريس لدراسة فن تسريح الشعر.

وقبيل عيد الميلاد، تتلقى أختها نجمة رسالة قصيرة مفادها أنها لا تستطيع العودة ومشاركة أهلها بأفراح الميلاد.

هذا الخبر وقع على الجميع كالصاعقة. ودب الخوف والتأويلات والتفسيرات المقلقة في أذهان الجميع. وطلبت لطيفة من زوجها حكيم أن يغادر إلى باريس ليعثر على ابنته. إلّا أنه لا يجد اي أثر لصالون التسريحات كما أن ليلى لم تترك أي أثر ينبئ بوجهتها المجهولة، ما جعل رحلة الأب والعائلة تتحول إلى كابوس محير.

سلط هذا الفيلم، وهو روائي طويل، الضوء على قصة عائلية درامية بامتياز. اختصرتها جريدة «أونيون» بالقول «إن قرار هجرة العائلة الجزائرية إلى باريس كان خيار الضرورة.

وإن علاقة الأب بابنته كانت ملتبسة، لا سيما أن كلًّا منهما ينتمي إلى جيل مختلف عن الآخر، بقيمه وسلوكه وأفكاره وقدرته على التأقلم والاندماج»، مشيرة إلى أن «الأب ينتمي إلى عالم محافظ فيما ابنته عاشت أجواء الحرية المتغلغة في مفاصل الحياة الباريسية».

«حب الرجال»

اختتمت السينما المغاربية أعمالها بعرض «حب الرجال» وهو فيلم تونسي طويل يتمحور حول قصة امرأة (حفيصة حرزي) أمسكت الكاميرا لتجوب، مصورة بها شوارع العاصمة تونس وأحياءها. والتقت برجال واصطحبتهم إلى منزلها وقامت بتصوريهم شبه عراة، جاعلة من أجسادهم فنوناً للغواية وإثارة للغرائز والشهوات الجنسية. ولفت الناقد السينمائي في مجلة «24» بيار ديبوا إلى أن «تلك المشاهد المثيرة للشهوات تشكل سابقة سينمائية جريئة لم تطرح من قبل على الشاشات التونسية»، مشيراً إلى أنها «تشوه صورة المرأة وتروج للإباحية والتحرر الجنسي وتكسر المحرمات الدينية والاجتماعية».