«التطوير»: حين يكون العالم الافتراضي أقل إيلاماً من الواقع

من الفيلم «التطوير»
القاهرة - شريف صالح |

تكشف مقدمة فيلم «التطوير» (UPGRADE) عن أصالة فنية واضحة، حيث جاءت معبرة عن طبيعة الحكاية، بصرياً ودرامياً، من خلال تلك الومضات الضوئية وتموجات الشاشة الإلكترونية، بمصاحبة تعليق نسائي آلي. كأن هذا العالم المعدني الوامض أصبح محيطاً بالبشر ومتحكماً في مصائرهم.


هكذا، تضع المقدمة المتفرج مباشرة في صلب السرد الفيلمي، وتوجه توقعه نحو سينما الخيال العلمي التي تبحث عن آفاق غير تقليدية يُعاد فيها زرع الإنسان وحكاياته في قالب فوق واقعي، في مواجهة كائنات غامضة في غالبية الأحيان. لكن كاتب الفيلم ومخرجه لي وانيل الذي شارك من قبل في الكتابة والتمثيل في تلك النوعية من الأفلام وأشهرها سلسلة Saw يأخذ الشريط أيضاً في اتجاه «الأكشن» وأجواء الرعب الدموية، في عدد لا بأس به من المشاهد. كأنه أراد لشريطه أن يقع في منطقة درامية برزخية، ما بين بريق وغموض فضاء الخيال العلمي، وجاذبية ووحشية المعارك ولعبة الانتقام.

وعود المستقبل

من الواضح أن المخرج اختار لفيلمه زمناً مستقبلياً، تركه مبهماً حسب تقدير المتلقي، حيث السيارات تُدير نفسها إلكترونياً، وشاشات اللمس في كل مكان، والعلاقات مع جغرافية الأماكن تبدلت جذرياً، فيكفي أن تكون في بيتك وتترك للآلة أن تحقق لك كل رغباتك، وتعطيك النصائح أيضاً. هذا التقدم التقني المذهل لا يشغل بال بطل الفيلم «غراي» (لوغان مارشيل غرين) فهو ميكانيكي سيارات تقليدي يعيش حياة رومانسية رائعة مع زوجته «آشا» (ميلاني فاليجو) التي تعمل في وظيفة مرموقة في إحدى تلك الشركات التكنولوجية المتطورة. كأن قصة الحب جمعت بين شريكين يتخذان موقفين متباينين من التطور التقني. وذات يوم يدعو «غراي» زوجته للذهاب إلى عميل يصلح سياراته لديه، يمتلك شركة تكنولوجية متطورة جداً، وهناك تبدي «آشا» انبهارها بعمل ذلك الرجل السابق عصره.

تصارع عالمين

من اللافت بصرياً تعبير الشريط عن التداخل والتمازج ما بين مستويين يتصارعان طوال الوقت... مستوى مشدود إلى ملاحقة كل تقدم تقني... ومستوى يقاوم ذلك ويستبقي حياته التقليدية الراهنة... فعلى سبيل المثل سيارة «آشا» متطورة جداً تدار ذاتياً عكس سيارة زوجها. وثمة مفارقة بين أدوات القتال التقليدية كالمسدسات، مقارنة ببث رذاذ قاتل يخرج مع عطسة بسيطة! وشاشات فائقة على بطن الأذرع بدلاً من الأوشام التقليدية، وطلقات رصاص يتم حقنها في عضلة الذراع من دون حاجة إلى بندقية آلية.

أيضاً، جاء منزل المبرمج العبقري «إروين» (هاريسون جلبيرتسون)، من على سطح الأرض كأنه خلاء قرب البحر لا يظهر منه سوى مدخل بسيط محاط بصخرتين، بينما من تحت الأرض كان قلعة للتكنولوجيا الفائقة.

جريمة غامضة

تبدأ الحبكة من لحظة عودة الزوجين المحبين من زيارة المبرمج وتعرضهما لإحدى العصابات ذات القدرات التقنية العالية جداً، حيث قتلت الزوجة وتركت الزوج مشلولاً في جريمة غامضة لم تحل نفسها إلا مع النهاية. وبينما تحاول الشرطية (بيتي غابريال) القبض على العصابة بالطريقة الروتينية التي لا تفضي إلى نتائج، يعرض المبرمج خدماته على الزوج من خلال زرع «صرصار» إلكتروني فائق القوة والذكاء، كي يعالجه من الشلل ويمنحه قوة خارقة للانتقام من قتلة زوجته.

أي أن الحبكة تمزج خط الانتقام بخط الذكاء الاصطناعي ومدى قدرته في المستقبل القريب على منح الإنسان قدرات لا حدود لها بدنياً وعقلياً. ونجح الممثل لوغان مارشيل غرين في تجسيد حالة التحول من شخصيته البشرية العادية المسالمة والعاجزة عن مواجهة مشاهد العنف، إلى شخصيته بالغة العنف كـ «سوبر مان» يفتك بلا رحمة. وكان الأكثر تميزاً ما بين عناصر التمثيل التي جاءت شخصياتها وحواراتها باهتة ونمطية، ولم تخدم الفيلم عموماً.

عوالم خارج السيطرة

في أحد المشاهد، تظهر شخصيات «مسرنمة» تحيا في عوالم، ومعارك، لا علاقة لها بالواقع، في إشارة إلى هيمنة العالم الافتراضي وإدمانه، فهذه الشخصيات الشبحية على الدوام متصلة بأسلاك وأجهزة وأنظمة معقدة، لقناعتها بأن العالم الافتراضي أقل ألماً من الواقع. كما أنه يوفر لها فرص الانتقام، على عكس الواقع الذي يحول دون ذلك.

وهنا تجدر الإشارة إلى تنوع الأنظمة، وما يرتبط بذلك من خروجها عن السيطرة، والفوضى الهائلة، على النقيض من النظام البشري المعتاد والمحدود. لذلك، تبدو الشرطية، ممثلة النظام التقليدي، عاجزة عن استيعاب ما يدور حولها، وعن ضبط الأمن. وعلى رغم نجاح البطل في الانتقام من الأشرار، وهو ما يرضي عاطفة الجمهور، لكن «ستام» الصرصار فائق التطور أوضح براعته في الهيمنة على البشر وتوظيفهم لخدمة طموحه، حيث بات الجميع عبيداً لأوامره، وتلاشي ذلك الفارق الحيوي بين الإنسان و «الربوت».

نهاية تبدو مرضية ومنطقية للطرفين «غراي» و «ستام»، لكنها من ناحية أخرى تنذر بالخطر وتثير المخاوف من فوضى التقدم العلمي، وخروجه عن سيطرة الإنسان، وربما تؤدي في نهاية المطاف إلى تدمير الكرة الأرضية بضغطة زر.

فالتكنولوجيا الرقمية، والذكاء الاصطناعي، مثلما يحملان وعوداً عظيمة للبشر، فإنهما ينذران بهلاك ماحق. ما يعني نقد فكرة الحداثة، ووهم «التطوير» الذي يسعى إليه البشر على الدوام، مشدودين إلى تخيّل أن المستقبل سيكون أفضل وأجمل بالضرورة، لكنه تطوير سيجعل معضلة الوجود أكثر تعقيدًا، فالأنظمة لا نهائية، والوحوش نصف البشرية ونصف الآلية لا حدود لدمويتها وذكائها.

وإذا كانت هذه هي الاحتمالات المستقبلية لعملية انتقام محدودة بين حفنة من البشر، فما هي احتمالات الحرب السبرانية لو نشأت يوماً ما بين الدول العظمى في العالم؟!

موازنة منخفضة

ثمة في سياق الفيلم إشارات متعددة أقرب إلى تحية أفلام سابقة اشتغلت على الثيمات نفسها تقريباً مثل سلسلة «ماتركس»، و «استهلال» Inception لكريستوفر نولان. مع الفارق أن هذا الشريط الذي تبلغ مدته مئة دقيقة، لا يتمتع بنجوم كبار مثلما هي الحال في تلك الأفلام الشهيرة، كما جاءت موازنته محدودة جداً لا تتجاوز خمسة ملايين دولار.

ما يعطي درساً في إمكانية إنتاج أفلام خيال علمي شديدة الجاذبية، ولا تستلزم بالضرورة موازنات خرافية. فالفيلم اعتمد على جاذبية الحبكة، ورشاقة النقلات الدرامية، وكذلك الأداء اللافت للبطل، مع موسيقى جيدة. والأهم ذلك التميز في التصوير وحركة الكاميرا والتوظيف الذكي للإضاءة والظلال. وربما بشيء من التأني في المعالجة، كان في إمكان الفيلم أن يصبح واحداً من أفضل الأفلام التي مزجت الإثارة والخيال العلمي معاً.