مظاهر امتهان المرأة داخل التنظيمات الإرهابية

نساء داعشيات (تويتر)
بشير عبد الفتاح |

سلطت عملية انتحارية نفذتها امرأة تونسية أخيراً، الضوء على علاقة المرأة بالتنظيمات الإرهابية. فبينما كشف تقرير أممي عام 2015 عن سفر550 امرأة غربية إلى سورية والعراق وانضمامهن إلى تنظيم «داعش»، أكدت مصادر أمنية تونسية أن 5500 تونسي بينهم عدد كبير من النساء؛ نزحوا إلى مناطق النزاع في سورية والعراق وليبيا، وانضموا إلى صفوف التنظيمات الإرهابية. وتتعاطى التنظيمات الإرهابية مع المرأة من منظور وظيفي بحت، فبادئ ذي بدء، عمد التكفيريون إلى شرعنة الاستعانة بالنساء في تنظيماتهم بعدما رفض بعض الفقهاء انخراطهن في القتال أو تنفيذهن لعمليات انتحارية بدعوى أنهن لسن من أهل الجهاد بالنفس بقدر ما تعتبرنه عورة وفتنة، حيث أجاز فقهاء تلك التنظيمات تجنيد النساء وفق ضوابط شرعية بعدما تنازلواعن شرط الذكورة وحرضوا النساء على النفير إلى سورية، وقبلوا أن تشارك المرأة في المهام القتالية علاوة على تخطيط وتنفيذ العمليات الإرهابية، معتبرين أن مشاركتها ترهب العدو وتشعره بأن الأمة التي يحاربها أمة مجاهدة بعنصريها. كما يرون أن النساء أكثر قدرة على تعبئة الحشود وإلهاب المشاعر من خلال توظيف قيم الشرف والعرض والعار ودعوة الرجال إلى حماية المستضعفات والذود عن حمى الأمة.وسعيا منه لتعزيز دور المرأة الجهادي، خصص لها تنظيم «داعش» قسطا من استراتيجيته الدعائية في مجلة «دابق» الخاصة بالدعاية للتنظيم عبر الإنترنت، والتي خصصت قسماً جديداً يخاطب المرأة بشكل مباشر.


وفى فئات ثلاث يمكن تصنيف النساء المنضويات تحت ألوية التنظيمات الجهادية: أولاها، زوجات العناصر المتطرفة اللاتي وُجدن قسرا داخل التنظيم وأجبِرن على إبداء الولاء والطاعة والقيام بمهام قتالية وغير قتالية. وثانيتها، المقتنعات بالفكر المتطرف والساعيات للانتماء إلى التنظيم.أما ثالثتها، فتتمثل فى المتعاطفات مع تلك التنظيمات .وبناءً عليه، تتنوع أسباب إقبال النساء على الانضمام للحركات الإرهابية ما بين أسباب أيديولوجية أو اجتماعية، اقتصادية، شخصية، نفسية أو عاطفية، فهناك نساء التحقن بها توخيا للعيش في كنف مجتمع يطبق الشريعة الإسلامية. وهناك من انضممن بغرض الزواج والارتباط برفقائهن المنتميات لهذه الحركات، أو الالتقاء بجهاديين تواصلن معهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي ويمثّلون في نظرهن الرجولة المثاليّة، ويظهر استخدام أخريات لكنى وأسماء حركية مستعارة على شاكلة «أمّ الزبير» أو «الخنساء» أو «نسيبة» رغبتهن الجامحة في التماهي مع نماذج لصحابيات وتابعيات ناضلن لنصرة الدين. وفي حين تأثرت بعض الفتيات بحياة البذخ التي تظهرها الصور ومقاطع الفيديو المتداولة على المواقع الجهادية، وتروج لما يسمى «جهاد الخمس نجوم» في سورية، تتملك قطاع آخر من النساء رغبة عارمة في إثبات الذات وتحدى المجتمع البطرياركى الذكورى من خلال تجاوز الأعمال الغير قتالية والقيام بعمليات انتحارية ومهام قتالية على غرار الرجال.

فى مبتدأ الأمر، حصرت التنظيمات التكفيرية دور المرأة داخلها فى الأعمال غير القتالية كدعم أزواجهن المقاتلين في صفوف التنظيمات الإرهابية، وتنشئة جيل جديد من المتطرفين، علاوة على»الجهاد السيبرى» المتمثل فى نشر وترويج الأفكار والأيديولوجيات التكفيرية وتجنيد النساء باستخدام شبكات التواصل الاجتماعي بأسماء مستعارة، فبعد مجلة «الخنساء»، التي أنشأها تنظيم «القاعدة»، ظهرت المواقع الإلكترونية، وصفحات فايسبوك، والمدوّنات الرامية إلى استقطاب واستمالة رواد الشبكة العنكبوتية. وتؤكد دراسات أن 40 في المئة من مواقع أصحاب الفكر المتطرف كانت تُديرها نساء تتراوح أعمارهن ما بين 18 – 25 عاماً، ونجحن فى جذب المئات للانضمام إلى صفوف التنظيمات الجهادية. ولعبت المرأة كذلك دور حلقة الوصل بين التنظيمات المتطرفة المختلفة عبر الزواج والتواصل السيبري، كما استخدمت فيما يُعرف بـ»الحسكة» أوشرطة الأخلاق المعنية بمتابعة التزام الناس بالقوانين والقواعد الشرعيّة لجهة اللباس والمعاملات التجاريّة وغيرها من جوانب الحياة اليوميّة. ولاحقا، بدأت التنظيمات الإرهابية تستخدم النساء فى مهام لوجيستية حيوية كتهريب الأموال والأسلحة ونقل الرسائل وأجهزة الاتصال اللاسلكي إلى ذويهنّ المسجونين، وجمع التبرّعات، وإيواء اللائذين والمغرر بهم، فضلاً عن رعاية وتطبيب الجرحى والمصابين أثناء المهام القتالية.

وهناك فتيات آثرن لعب دور»مؤازرات الفراش» عبر دعم المقاتلين التكفيريين من خلال»جهاد النكاح» أو «الدعارة الحلال»،وكانت وزارة الداخلية التونسية أوّل من أقر بوجود شبكات تستقطب النساء التونسيات في المؤسسات التعليمية والجامعات والمساجد وغيرها بهدف تسفيرهم إلى سوريا لهذا الغرض،توخيا لشحذ همم الرجال، وقضاء حاجتهم الجنسيّة حتى يتفرغوا للقتال معتبرات تلك المهمة نشاطا لا يقل أهمية عن القتال نفسه.

غير أن خسارة التنظيمات التكفيرية لجل مقاتليها الرجال خلال مواجهاتها الشرسة مع الجيوش العراقية والسورية وقوات التحالف الدولى،بالتزامن مع تكاتف دول العالم لتجفيف منابع المتطوعين الجدد لصفوف تلك التنظيمات،قد شكلت دافعا قويا للجوئها إلى خطتها البديلة المتمثلة في الاستعانة بالنساء في القتال والعمليات الانتحارية،ومن ثم بدأت تدربهن وتزج بهن إلى ميادين القتال وتكلفهن بتنفيذ العمليّات الانتحارية،حتى أن عقود الزواج الخاصة بعناصر «داعش» باتت تلزم الزوج بالسماح لزوجته بالقتال وتنفيذ عمليات انتحارية.وعلى المستوى الميدانى أعلن»داعش»عن تشكيل كتيبتين نسائيتين،هما «كتيبة الخنساء»، و»أمّ الريان» في محافظة الرقة السورية،مستغلا ترمل النساء الثكلى للإرهابيين الهالكين وما يعتمل بداخلهن من مشاعر الغضب والرغبة في الانتقام لتحفيز أولئك النسوة على القتال ضمن صفوفه وتنفيذ عمليات انتحارية فى بلدان شتى،محاولا استثمار ما يحدثه الجهاد النسائى من دوى دعائى عالمى هائل،والمباهاة بعدد النساء اللواتي التحقن به من مختلف البلدان،مستعرضا بذلك قدرته علي استقطاب وتجنيد نساء تربين في بيئات غربية تشجع على التحرروإثبات الكينونة.

جدير بالذكر أن الجيوش النظامية قد سبقت التنظيمات الإرهابية فى ضم النساء إلى صفوفها،فمن بين عشرين دولة حول العالم تجند النساء فى جيوشها جبرا أواختيارا،قامت دول عربية وإسلامية كباكستان وتركيا والأردن وليبيا بتجنيد النساء والاعتماد عليهن فى مهام خاصة،كما عمد نظام بشار الأسد فى سوريا إلى تأسيس كتائب للنساء في مايو 2012 ضمّت قرابة خمسمائة امرأة سمّيت كتائب «اللبؤات» للدفاع الوطنيّ،اعتبرت ذراع النظام لمكافحة أى تمرد.

وبينما نأت بعض النساء بأنفسهن عن الانتماء لتنظيمات تكفيرية مؤثرة ممارسة النشاط الجهادى وتنفيذ العمليات الإرهابية على نحو فردى،تشكل المنشقات عن تلك التنظيمات أوالعائدات من صفوفها مصدر تهديد لا يستهان به،كون غالبيتهن قد بايعن قيادات هذه التنظيمات طوعا،وخضعن لعمليات الأدلجة وغسل الأدمغة، كما تلقين بها تدريبات عالية المستوى على استخدام الأسلحة وتنفيذ العمليات الانتحارية.الأمر الذى يبقيهن عرضة للاستقطاب والتجنيد مجددا،لاسيما وأن التنظيمات الجهادية لا تتوان عن الإلحاح على المنشقات والعائدات لأوطانهن بغية معاودة استغلالهن عبر حملهن على معاودة نشاطهن و مواصلة التعاون معها حيثما وجدن.

* كاتب مصري