شمال سيناء يقترب من وضع نهاية للإرهاب و الاستعداد لمعركة التنمية

جيش مصر في سيناء (روسيا اليوم)
القاهرة - رحاب عليوة |

قبل عام، نفذ تنظيم «داعش» الإرهابي هجوماً حصد فيه أكبر عدد من الضحايا، حين قتل أكثر من 300 مصل في مسجد الروضة في مدينة بئر العبد في شمال سيناء، وعلى رغم فجاعة العملية وصداها، لكنها كتبت مرحلة جديدة من المواجهة مع التنظيم المتطرف، بحيث يمكن الجزم أن تاريخ المواجهة مع «داعش» قبل «الروضة» ليس كما بعدها.


والفارق أنه، خلال ذلك الهجوم تحديداً، حسمت الدولة الجدلية بين «التنمية والإرهاب» وهي الجدلية التي عادة ما تجد أي دولة تواجه براثن الإرهاب نفسها منغمسة فيها، فتُعقد المؤتمرات وتُفتح النقاشات لمعرفة أيهما وُجد قبل الآخر الفقر أم الإرهاب، وبأيهما نبدأ مواجهة الفقر أم مواجهة الإرهاب، وماذا لو واجهنا الفقر فهدمت جهود البناء الإرهاب، وكيف إذا واجهنا الإرهاب فاستفحل الفقر ومن ثم خلق بذاته عناصر جديدة سهلة الاستقطاب.

قبل الهجوم، لم يكن أحد يذكر قرية الروضة أو مدينة بئر العبد إلا في هجمات نادرة وقعت عبر الطريق الدائري الرابط بين المدينة والعريش، بعدها كشفت الحالة الاجتماعية المتردية لأهالي القرية. أما الحسم الذي نقصده، والذي أوجد مرحلة جديدة من المواجهة كان تعليق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على الهجوم حيث أكد مواجهة الدولة الإرهاب الأسود (تعليق مستمر مع كل حادث)، وأضاف في تحدٍ، «سنجعل بئر العبد يشار لها بالبنان»، وهنا تماماً حسمت الجدلية بـ «مواجهة الإرهاب والتنمية» معاً.

عقب العام، تبدل وجه بئر العبد تماماً، واجتازت سيناء أول تحدياتها التنموية في بئر العبد، فيما تنتظر المحافظة خلال الشهور المقبلة ذروة العمل التنموي وفي الخلفية منها استمرار الاستنفار والاستعداد الأمني، بعد مرحلة كان الاستنفار الأمني في الذروة وفي الخلفية ظلت التنمية نصب الأعين والخطط والخلفية للعمل العسكري.

«العملية سيناء» من حصد العناصر إلى غرس التنمية

استطاعت العملية العسكرية الشاملة «سيناء 2018» خلال 10 شهور، منذ إطلاقها في 9 شباط (فبراير) الماضي، القضاء على المئات من العناصر الإرهابية وتوقيف المئات الآخرين، في نيل مباشر من العناصر البشرية الداعشية. وعلى الصعيد المادي، استطاعت القوات وفق تصريحات لمسؤولين عسكريين خلال مؤتمرات ذات صلة بسير العملية العسكرية، تدمير بنية أساسية ضخمة للإرهاب في سيناء، والتي وصفوها بأنها «كانت أكبر من التصورات المسبقة».

وأتاحت بيانات الجيش المستمرة عن العملية الكشف عن تلك البنية، حيث بؤر للإعاشة وتخزين الأسلحة والسولار وكلها «تحت الأرض»، وهي الأهداف التي يصعب اكتشافها، لذا مثلت مخزوناً استراتيجياً للتنظيم خلال السنوات الماضية.

وبالتزامن مع القضاء على العناصر والبنية المتمركزة في سيناء، استطاعت القوات قطع خطوط الإمداد بين عناصر التنظيم في الداخل السيناوي وخارجه، عبر استنفار حدودي في مختلف الجهات الاستراتيجية، فضلاً عن ضرب فتحات للأنفاق والتي مثلت في مرحلة وفق مراقبين شريان الحياة الرئيسي للتنظيم.

هل تنتهي «العملية سيناء» قريباً؟

لوحظ خلال تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، ظهوراً إعلامياً مكثفاً للناطق باسم الجيش العقيد تامر الرفاعي سواء عبر وسائل إعلام رسمية كالتلفزيون المصري الذي استضيف فيه خلال إحدى البرامج الحوارية في 14 تشرين الأول، أو قنوات إقليمية حيث استضيف على فضائية «سكاي نيوز» في 24 الشهر، أعقبه لقاء إذاعي على إحدى الإذاعات المصرية. الأحاديث الإعلامية غير المعهودة للناطق العسكري، حيث يحد الجيش من تواصله الإعلامي في البيانات الرسمية والمؤتمرات الصحافية، والأخيرة أيضاً كانت نادرة قبل إطلاق العملية سيناء، فُسرت على أنه تمهيد للإعلان عن تحقيق العملية العسكرية «سيناء 2018» أهدافها، ومن ثم ختامها، خصوصاً أن كل اللقاءات تمركزت حول حصاد العملية العسكرية والذي جاوز 400 إرهابي حتى الآن، وتدمير البنية الأساسية للإرهاب، وعودة الحياة إلى طبيعتها في سيناء.

لكن في المقابل، يستبعد الخبير العسكري اللواء جمال مظلوم إعلاناً رسمياً قريباً كهذا، يجزم بانتهاء «الإرهاب في سيناء»، ويوضح مظلوم لـ»الحياة»: الأوضاع في سيناء ميدانياً مستقرة، وحجم عمليات الجيش والشرطة فيها تراجعت عن ذي قبل في ظل تراجع التحديات على الأرض، مستدلاً بذلك على تباعد النطاق الزمني بين البيانات الرسمية للجيش حول العملية لتتجاوز العشرين يوماً وأحياناً الشهر، بعدما كانت القوات تطلق بيانات يومية مع إطلاق العمليات ثم عدة بيانات في الأسبوع ثم بيان أسبوعي وهكذا، في وقت تمارس أسلحة القوات المسلحة كافة أدوارها في رصد العناصر الإرهابية والتصدي لها، خصوصاً محاولات التسلل، والتي وإن كانت في غالبيتها لعناصر هجرة غير شرعية لكنها تحمل بالتأكيد إرهابيين أو عناصر إرهابية محتملة. وأضاف: المقصود أن الأوضاع ميدانياً شهدت طفرة ونجاحات لافتة بالفعل، لكن ذلك لا يعني انتهاء خطر الإرهاب كلياً، ولا يمكن أن يتحمل الجيش كلفة الإعلان عن انتهاء العملية العسكرية أو نهاية الإرهاب تماماً في سيناء، ثم تحدث عملية، وأشار إلى أن خطر الإرهاب عالمي عابر للقارات وليس في مصر فقط، وحتى الولايات المتحدة الأميركية تعاني منه. وتابع: سيناء منطقة حدودية حيوية تواجد الجيش فيها والاستنفار الأمني يومي وطبيعي.

واختلف الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية منير أديب، إذ توقع إعلان الجيش رسمياً انتهاء العملية الشاملة خلال شهور قليلة، قائلاً لـ»الحياة»: ارتفعت احتمالات الإعلان عن نهاية العملية الشاملة في ذكرى انتصار أكتوبر الشهر الماضي، لكن تم التراجع لأسباب عدة، لكنني أتوقع أن يتم الإعلان قبل شباط (فبراير) المقبل، واتفق أن الإعلان نفسه ينتظر «تحديات»، لكنه لابد أن يحدث. وأضاف منير لـ»الحياة»: العملية الشاملة حققت نجاحات في مواجهة الإرهاب ما كانت لتتحقق لولا إطلاقها، حيث التنسيق الكامل بين أسلحة الجيش في مواجهة الإرهاب، وغياب التنسيق في السابق كان من الأسباب التي تعيق القضاء على البؤر الإرهابية، فإذا ما داهمت قوات المشاة بؤرة ما، كانت العناصر تفر إلى أخرى، لكن بالتنسيق يتم ملاحقتهم بالطائرات، ومن ثم تفتيت الخلايا، ومنع تمركزها في بؤرة أخرى.

وتابع: إعلان «سيناء خالية من الإرهاب» لا يعني أنها لن تشهد عمليات إرهابية أخرى، لكنه يقصد أن وتيرتها ستتراجع لتتسق مع كل المحافظات الأخرى، وأضاف: هنا تبرز التحديات، إذ إن سيناء محافظة حدودية ذات ظهير صحراوية، ومن ثم فهي مؤهلة أضعاف أي محافظة أخرى لتمركز بؤر جديدة، خصوصاً أننا لا نواجه جماعات إرهابية عابرة للقارات وليست جماعات محلية.

التنمية .. إعلان آخر لتقويض الإرهاب

فيما عد تسارع وتيرة العمل التنموي في سيناء، بالتزامن مع سير العملية العسكرية، إعلاناً غير رسمي عن انتهاء الإرهاب في سيناء، حيث لم تسجل أية عملية إرهابية تستهدف عملاً تنموياً في سيناء بعد إطلاق العملية، على خلاف الأوضاع قبلها، حيث هجمات إرهابية عدة تستهدف مقارات لشركات وسط سيناء، وعمليات قتل شبه يومية للمدنيين.

يقول الخبير العسكري مظلوم: الحياة بفضل العملية تحسنت كثيراً في سيناء، المدارس انتظمت في موعدها، عمليات استهداف المدنيين تراجعت، أهالي المحافظة كانوا يتنزهون على شواطئ العريش في أمان قبل شهرين. ويضيف الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية منير أديب: التنمية في سيناء والعملية سيناء مرتبطان، الإعلان عن نهاية العملية سيضع المحافظة أمام تحدي تراجع وتيرة العمليات فيها لتتسق مع كل المحافظات الأخرى، وهنا يصبح الظهير الصحراوي الشاسع عبئاً في تأمينه، لذا فإن تحركات الدولة في التنمية هي جزء أساسي من العملية سيناء، بحيث يتم ضخ مزيد من الأعداد السكانية، وفتح المشاريع التنموية فيها، والذي يعد تقويضاً للإرهاب، وقطع طريقه لفتح بؤر إرهابية جديدة.

وقبل افتتاح قرية الروضة، افتتحت القوات المسلحة تجمعاً حضارياً جديداً في وسط سيناء، حيث افتتحت المرحلة الأولى من قرية «الجوفة النموذجية» والتي تعد، وفق بيان للجيش، «نواة لتجمع حضاري متكامل في وسط سيناء بالتعاون مع محافظة شمال سيناء وجهاز تنمية وتعمير سيناء وعدد من مؤسسات المجتمع المدني».

ووسط سيناء على رغم أنها خارج بؤرة تمركز الإرهاب التقليدية في سيناء خلال السنوات الماضية من العريش وحتى الاتجاه شرقاً إلى الحدود الشرقية مع قطاع غزة، مثلت وسط سيناء منطقة بديلة لتمركز الجماعات مع التضييق الأمني على المناطق الملتهبة في سيناء، فسجلت عمليات عدة خلال العامين 2016 و2017 في وسط العريش، كما أن الوسط يضم جبل الحلال والذي عد مكمناً للعناصر الإرهابية، وداهمته القوات أكثر من مرة. ومن جهة أخرى لا تعد منطقة الوسط من المناطق المأهولة بالسكان، لذا فإنشاء الجيش تجمعات بشرية فيها، وضخ مناخ معيشي، يعد ضربة مباشرة للإرهاب.

أنفاق سيناء – الوادي

وعلى خلاف الخطط التنموية الضخمة التي أعلنت تفاصيلها قبل شهور من إنشاء تجمعات حضارية وشبكة للطرق ومصانع ومزارع سمكية واستصلاح آلاف الأفدنة، يظل مشروع أنفاق السويس التي ستربط شبه جزيرة سيناء بالوادي، النقلة التنموية الأهم. والأنفاق الأربعة التي تفقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي العمل فيها في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، يتوقع أن يتم افتتاحها نهاية العام الجاري.

وقبل الأنفاق المترقب افتتاحها، لم يربط سيناء بالوادي منذ اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل إلا نفق الشهيد أحمد حمدي عند مدينة السويس وجسر السلام في مدينة الإسماعيلية، حيث ظلت المحافظة في معزل، لا يمكن الانتقال منها سوى عبر ضفتي القناة عبر «المعديات».

مواجهة الإرهاب بالتنمية مسؤولية الجميع تتكاتف مؤسسات الدولة كافة لتحقيق طفرة تنموية في سيناء، فبخلاف الجيش تخصص كل الوزارات والمؤسسات الرسمية كالأزهر مخصصات لمشاريع بعينها، هي جزء من النقلة المرتقبة خلال شهور في المحافظة، وتخصص وزارة الموارد المائية والرى 182 مليوناً و150 ألف جنيه (الدولار نحو 18 جنيهاً) لمشروعات في المحافظة، بالإضافة إلى مشروعات وزارة النقل بكلفة 100 مليون جنيه، ومشروعات وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية بكلفة 652 مليوناً و174 ألف جنيه، مشروعات وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني بكلفة 83 مليوناً و669 ألف جنيه، مشروعات وزارة التعليم العالي بكلفة 163 مليون جنيه، مشروعات وزارة التموين والتجارة الداخلية بكلفة مليونين و950 ألف جنيه.

كما يساهم الأزهر في المشروعات التنموية في سيناء بكلفة 32 مليوناً و10 آلاف جنيه، ووزارة الصحة والسكان خصصت مشروعات بكلفة 55 مليون جنيه، ومشروعات لوزارة الأوقاف بكلفة 5 ملايين و710 آلاف جنيه، مشروعات وزارة الثقافة بكلفة 9 ملايين و500 ألف جنيه، ومشروعات وزارة التضامن الاجتماعي بكلفة مليون و855 ألف جنيه، مشروعات وزارة الشباب والرياضة بكلفة مليونين و200 ألف جنيه، مشروعات وزارة البترول والثروة المعدنية بكلفة 5 ملايين و500 ألف جنيه، مشروعات وزارة الطيران المدني بكلفة 5 ملايين جنيه، مشروعات وزارة القوى العاملة بكلفة 80 ألف جنيه، ومشروعات وزارة الآثار والتراث بكلفة 7 ملايين و290 ألف جنيه، مشروعات وزارة السياحة بكلفة 800 ألف جنيه، مشروعات وزارة الداخلية بكلفة 150 مليون جنيه، مشروعات وزارة التنمية المحلية بكلفة 205 ملايين و575 ألف جنيه، ومشروعات رئاسة مجلس الوزراء بكلفة 5 ملايين جنيه.