السيسي يدعم التنمية في إفريقيا ولكن ليس على حساب حياة المصريين

السيسي في منتدى الشباب العالمي في شرم الشيخ (اون نيوز)
القاهرة - محمد الشاذلي |

تتسارع التطورات في شأن ملف سد النهضة، إذ اعتبر الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أن إثيوبيا شهدت مع قياداتها الجديدة تغييرات إيجابية، وكشف في لقاء أخير في منتجع شرم الشيخ مع ممثلي وسائل الإعلام الأجنبية في مصر, عن أنه «جرى الاتفاق مع الدول الإفريقية بشكل عام على دعم مشاريع التنمية ولكن ألا يكون ذلك على حساب حياة المصريين التي تعتمد بشكل كامل على مياه النيل».


ودعا السيسي في اللقاء الذي تم ترتيبه على هامش منتدى شباب العالم إلى «تحويل النوايا الحسنة لإثيوبيا إلى اتفاقيات ملموسة»، وقال: «نحتاج مراعاة ألا تؤثر عملية ملء خزان سد النهضة على حصة مصر المائية من منظور فني»، ولفت إلى أن «اللجان الفنية لم تصل بعد إلى اتفاق»، و»نحتاج إلى ضمان ألا يستخدم السد لأهداف سياسية»، لكنه أكد «أن هناك مؤشرات إيجابية جاءت من القيادة الإثيوبية الجديدة».

ويتوقع مراقبون تحركات مصرية مكثفة في دعم إفريقيا وفتح ملفات الشراكة معها خصوصا مع تولي مصر رئاسة الاتحاد الإفريقي العام المقبل 2019, بعد أقل من شهرين, مما يدعم وجهة النظر الرسمية المصرية في أهمية الشراكة مع إفريقيا للتغلب على التحديات وعلى رأسها ملف المياه..

ويرصد وكيل لجنة الشؤون الإفريقية في مجلس النواب (البرلمان) ماجد أبو الخير تحديات كبيرة في القارة, مشاكلها وأزماتها, رؤاها التنموية وندرة التمويل للمشاريع, حيث يعتبرها ملفات ضخمة لا يمكن مواجهتها من دون تكاتف دول القارة, نحو تعاون مشترك صادق وفعال, ومن جهة أخرى إقناع مؤسسات التمويل الدولية بجدوى هذه المشاريع للحصول على دعهما.. ويقول أبو الخير إن مصر تترأس وشيكاً الاتحاد الإفريقي, وستنقل لدول القارة رؤيتها في التنمية عن طريق المشاريع الكبيرة في مجالات الطاقة والطرق والبنى التحتية والصحة, وهي منفتحة على التعاون مع القيادات الجديدة في إثيوبيا.. ويشدد على أن الوعود الإثيوبية بالتعاون في ملف المياه وسد النهضة وجدت صدى طيبا في مصر وعموم القارة الإفريقية, وأن العمل واللقاءات الثنائية وأيضا الثلاثية بالتعاون مع السودان تسعى إلى تحويل هذه الوعود إلى اتفاقات محددة.. لأن الرأي العام في مصر يريد أن يري اتفاقات محددة بإطار زمني لكي يكون سد النهضة مفيدا لإثيوبيا وغير ضار بالنسبة لمصر أو السودان كدولتي مصب لنهر النيل.. وأكد النائب البرلماني أن المفاوضات الفنية الثلاثية بدأت تعود من جديد, مشيرا إلى اجتماع اللجان الفنية الثلاثية في أديس أبابا قبل أيام, مضيفا أن هناك فهما متكاملا لكل الأطراف بشواغل الآخرين, مما قد يؤدي إلى انفراجة ستقود حتماً إلى تواصل سياسي أو درجة أعلى في المفاوضات, على المستوى الوزاري, ثم الرئاسي. وملف مياه النيل من صلب الأمن القومي بامتياز, كما يؤكد الخبير الأمني المصري العميد خالد عكاشة, ويقول إن ملف المياه يشغل بال العالم كله, وأن لدى مصر رؤية للحلول التي يفترض أن يواجه بها العالم مشكلة نقص المياه على المستوى الدولي. ولأنه يخصنا ملف مياه النيل فإن إحدى التوصيات المهمة التي صدرت عن منتدى الشباب الأخير للتوعية واستحداث إجراءات للتغلب على مشكلة المياه. فقد حذرت التوصية من الشح المائي الذي تعانيه بعض الدول الإفريقية, وتطرقت إلى ضرورة ترشيد الاستهلاك واستخدام طرق جديدة للري.. هذه المقاربات من الرئيس السيسي ومن منتدى الشباب والمخاوف التي تعتري الرأي العام, كلها تعكس القلق المصري من نقص المياه, وعدم كفايتها للأغراض المختلفة من زراعة وغيرها من فروع التنمية.

أما ما وصفه الرئيس السيسي بـ»تغييرات إيجابية» مع القيادات الإثيوبية الجديدة, فيري عكاشة أنها تغييرات حقيقية مؤكدا أن القاهرة تدعم هذه التغييرات وتقدم كل المساندة للقادة الجدد في أديس أبابا, في الجهاز الرئاسي والتنفيذي. وتميل مصر إلى أن القيادات الجديدة تشتغل بشكل إيجابي أفضل مما كان في السنوات الأخيرة, ما يساعد في حل الكثير من التعقيدات الموجودة, وبالتالي فإن مصر من على ضفة التفاؤل تنتظر أن تسير الأمور في الاتجاه الصحيح وأن تكون هناك إجراءات ملموسة, خصوصا أن مصر تمد يدها بالتعاون الصريح مع إثيوبيا وعديد من دول القارة خصوصا في حوض النيل والقرن الإفريقي. ويشدد عكاشة على ضرورة التعاطي مع الرؤية المصرية التي تستند إلى مبدأ الفائدة للجميع, وأن تكون الخطط التنموية لهذه الدول نافعة لهم من دون الإضرار بالآخرين, إن لم يكن انتفاعهم المباشر أو غير المباشر.

وقال عكاشة: ننظر بنظرة تفاؤل على المستوى الرسمي تجاه ما يحدث في إثيوبيا من تغيرات, ربما الوقت لم يفصح عنها بالكامل والمتابعون يرون خطوات إيجابية, ولكن الأساس هو أن القاهرة تريد شراكة حقيقية في التنمية, ولديها الكثير الذي يمكن أن تقدمه لإثيوبيا ودول حوض النيل, حتى لا ندخل في متاهة الشعارات من دون أفعال على أرض الواقع.. ورغم ذلك يؤكد الخبير الأمني أن مصر جاهزة بكل السيناريوهات الممكنة للتعامل مع ملف مياه نهر النيل باعتباره ملف حياة أو موت, ولن تسمح بأن يكون ملف تهديد لها بأي صورة من الصور. ورغم دعم خبراء ومختصين للنظرة الحكومية المتفائلة تجاه التغيرات في إثيوبيا وإمكانية انعكاسها إيجابيا على ملف سد النهضة, فإن البعض يرفض الإدارة الحكومية للملف على قاعدة «النوايا الحسنة».. واعتبر أستاذ العلوم السياسية في جامعة قناة السويس الدكتور جمال زهران تغير القيادة في إثيوبيا ليس ذا صدى, قائلا: الأشخاص زائلون، ما يبقى فقط الاتفاقات، لذا لابد من إيقاف أي تحرك في خصوص سد النهضة لحين وصول تقرير المكتب الفني الفرنسي.

ويذهب زهران إلى ضرورة تعديل وجهة الموقف المصري نحو التصعيد، حيث «المهادنة» و»الأحاديث الطيبة» لن تجني شيئا، في ظل تقدم الجانب الأثيوبي على أرض الواقع في خطوات استكمال بناء السد. ويشير إلى أن «الأوراق» التصعيدية تكمن في إمكانية اللجوء إلى المحكمة الدولية أو مجلس الأمن، مع وضع نهج تصعيدي تدريجي في إدارة الأزمة، مع وضع حد زمني للمفاوضات, لأن بقاءها مفتوحة يفاقم من خطورة الأزمة أو عدم القدرة على السيطرة عليها مع مرور الوقت.. وحول التوجه المصري لدعم مشاريع تنموية في إفريقيا، قال زهران، مصر بعيدة من إفريقيا منذ عهد الرئيس الراحل أنور السادات والرئيس السابق حسني مبارك، والرهان الآن على دعم المشاريع التنموية في دول إفريقية وتقديم مساعدات لكسب مساندين للموقف المصري في ملف سد النهضة، لا يمكن التعويل عليه، فيجب التصعيد ثم الاعتماد على شبكة العلاقات.

أما الرأي الفني فيتحدث فيه رئيس قسم الموارد الطبيعية في معهد البحوث والدراسات الإفريقية جامعة القاهرة الدكتور عباس شراقي, فيطالب بضرورة الوصول إلى اتفاق مع أديس أبابا واضح وصريح, ويشير إلى إعلان المبادئ الموقع بين قادة الدول الثلاث في آذار (مارس) 2015, وإلى البند الخامس في الإعلان الذي ينص على التعاون في الملء الأول للخزان وإدارة السد, وفي نفس البند أنه سيتم الاتفاق على «آلية» لتنفيذ هذا الأمر.. ويلاحظ شراقي أنه إلى الآن لم تتشكل هذه «الآلية», ويتساءل: كيف سيتم التعاون في غياب الآلية المطلوبة.. ويحيلنا شراقي إلى اتفاق مماثل بين مصر وأوغندا في سد أوين على بحيرة فيكتوريا, حيث تمت دراسة فنية للسد أكدت عدم وجود تأثير ضار للسد على مصر وتم الاتفاق على التعاون الدائم مع أوغندا في بناء وتشغيل السد, ويوجد بشكل دائم ثلاثة مهندسين مصريين في منطقة السد منذ إنشائه وحتى الآن.. ويقول: إن وجود المهندسين المصريين ليس للإشراف ولا الرقابة وإنما للتنسيق مع نظرائهم الأوغنديين والتعاون في الأعمال الفنية والبحثية والدراسات والتطوير لصالح الدولتين. ودعا شراقي إلى «آلية» مماثلة مع إثيوبيا لتنفيذ ملء وتشغيل السد تستلهم روح الاتفاقية المصرية الأوغندية وعمرها الآن نحو 60 عاما.

ويقترح شراقي وجود مهندسين مصريين في منطقة سد النهضة للتنسيق والتعاون مع نظرائهم الإثيوبيين ويقومون بالتشاور فيما بينهم فيما له مصلحة للدول الثلاث, إثيوبيا والسودان ومصر, ومما لا يضر أي طرف خلال أي عمليات تخص التخزين والفتح والإغلاق لبوابات السد وأي طارئ, وهذا التعاون سيكون مفيدا لإثيوبيا ولا يضر مصر والسودان.

وأكد شراقي ضرورة التوصل إلى اتفاق واضح وصريح بضمن عملية التشغيل وفي وجود مهندسين مصريين وبالتالي لو لدى إثيوبيا حسن نوايا فإنه عليها إثباتها عمليا, أما الكلام الطيب فهو ديبلوماسي ووقت الجد لا قيمة له. ويطالب شراقي الحكومة المصرية بالاتفاق الشامل مع إثيوبيا حتى لا يتكرر سيناريو سد النهضة لأن لدى إثيوبيا خطة لبناء عشرات السدود ولا يجب التعثر مرة أخرى في سيناريو مشابه لما جري في سد النهضة, إعلان مفاجئ ووضع حجر أساس من دون استشارة الدول المتشاركة في النهر, ثم البدء في البناء ومعارك إعلامية بين الجانبين. وشرح بأن الاتفاق الشامل يعني التوافق على تنظيم العمل في المشاريع المائية بين مصر واثيوبيا. وأشار إلى وجود اتفاقات سابقة بين البلدين أعوام 1891 و1902 و1906 وأخيرا 1993 والذي وقعه الرئيس حسني مبارك ورئيس الوزراء الإثيوبي ميليس زيناوي ولم يكن هناك استعمار لا هنا ولا هناك في الاتفاق الأخير. ونصت كل هذه الاتفاقيات التاريخية على عدم إقامة أي مشاريع تؤثر في كمية المياه أو نوعيتها أو زمن وصولها إلا بعد التشاور.. ثم بعد ثورة كانون ثاني (يناير) عام 2011 ضربت إثيوبيا عرض الحائط بهذه الاتفاقيات وألغتها من طرف واحد, وبدأت في بناء سد النهضة. ويؤكد شراقي أنه على الحكومة المصرية تفعيل الاتفاقيات القديمة أو الوصول إلى اتفاق مماثل لها حتى ننتهي من مشكلة سد النهضة ونتحسب للسدود الأخرى المحتملة. واعتبر إثيوبيا دولة عنيدة وأن أي اتفاق لن يتم بسهولة حتى تعترف بيسر بحقوق مصر في المياه ولكن لابد أن نصر على «اتفاق شامل».

ويلاحظ شراقي أن العمل في سد النهضة بطيء هندسيا إلى أن يتم الانتهاء من تركيب التوربينات (وتتكلف بليونا ونصف البليون دولار) والحكومة هناك لديها مشاكل مالية, حيث كان من المفترض افتتاح سد النهضة العام الماضي.

وقال: كان البناء سريعا والمفاوضات بطيئة, أما الآن فإن البناء أصبح بطيئا مع استمرار بطء المفاوضات, مما أعطى راحة للمفاوضي, والمفترض أن تسعى مصر للتسريع بالمفاوضات وكأن السد ماض بسرعة.