أزمة التعليم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وكيفية معالجتها

فريد بلحاج |

يستثمر الشباب حول العالم في تعليمهم إيماناً بأنه سيتيح لهم فرص عمل أفضل. ولكن، في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أصبح التعليم مصدراً للشعور بالإحباط وخيبة الأمل، لأنه لا يُقدِّم المهارات التي يحتاج إليها الشباب في عالمنا اليوم. فبدلاً من أن يؤدي الحصول على الشهادة الجامعية في تلك المناطق إلى وظائف جيدة وإلى المزيد من الرخاء، فإنه يؤدي إلى انضمام أعداد كبيرة من الخريجين إلى طوابير البطالة.


وتحتاج منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى توفير 300 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2050 لمجرد استيعاب الشباب الذين سيدخلون سوق العمل. وما لم تتحرَّك الحكومات الآن، وتستثمر في التعليم الجيد، فإن الكثيرين من هؤلاء الشباب سيواجهون حياة مليئة بالإحباط وخيبة الأمل، وما يتبع ذلك من وتداعيات لا على المنطقة وحدها، وإنما أيضاً على العالم.

يشكل ملايين الخريجين العاطلين في بلدان المنطقة من المغرب وتونس إلى مصر ولبنان، إهداراً لموارد بشرية قيمة. ويصدق ذلك بالأخص على الشابات اللاتي يُحقِّقن نتائج أفضل بدرجة ملموسة من الشبان في تقييمات التعلُّم، ويتفوقن عليهم عددياً في الجامعات، لكن يبلغ معدل البطالة في صفوفهن ضعف عدد الذكور.

وفي حين يرى البعض الطفرة الهائلة في أعداد الشباب في المنطقة خطراً، علينا أن نعتبرها فرصة سانحة. فإذا أعطت الحكومات الأولوية لعملية التعلُّم، فإن التعليم قد يساعد في دفع عجلة النمو الاقتصادي الطويل الأمد إلى الأمام، وتحفيز الابتكار، وتدعيم المؤسسات، وترسيخ التماسك الاجتماعي. وسيُتيح تزويد الشباب بالمهارات ازدهار الاقتصادات الحديثة الصاعدة وستُصبح تطلعاتهم وجهودهم مُحرِّكات للنمو.

ومما يبعث على التفاؤل أن الأمور بدأت تتغيَّر نحو الأفضل. فتسعة بلدان من المنطقة اختارت الانضمام إلى «مشروع رأس المال البشري» الذي أطلقه البنك الدولي، ويهدف إلى تشجيع الحكومات على الاستثمار في مواطنيها بوصفهم أغلى ما يملك أي بلد. ويكشف «مؤشر رأس المال البشري» عن مقدار ما تخسر البلدان من حيث النمو والإنتاجية إذا تقاعست عن توفير خدمات جيدة للرعاية الصحية والتعليم للشباب.

ويشكل القرار الجريء بالخضوع لهذا الفحص والتمحيص مؤشراً على أن حكومات بلدان المنطقة مستعدة لمواجهة الحقائق الصعبة، والتحرُّك بمقتضاها، والالتزام بمساندة شباب المنطقة والأجيال القادمة بالبدء في إصلاحات واسعة النطاق للتعليم.

وأظهرت بلدان العالم ما الذي يمكن تحقيقه بصرف النظر عن مستويات دخلها. ففي عام 2012، أدهشت فيتنام العالم بنتائجها في اختبارات برنامج التقييم الدولي للطلاب (PISA)، إذ كانت تضاهي النتائج التي حقَّقتها ألمانيا. ومن خلال إجراءات مُتضافرة على صعيد السياسات، استطاعت بيرو تحقيق بعض من أسرع معدلات النمو لنتاجات التعلُّم الكلية بين عامي 2009 و2015. وبلدان المنطقة قادرة حقاً على تحقيق تقدم مماثل.

ويرصد تقرير جديد للبنك الدولي أُطلِق هذا الأسبوع في القاهرة بعنوان «توقعات وتطلعات: إطار جديد للتعليم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» العقبات والقيود التي تعوق الاستفادة من إمكانات التعليم في المنطقة، ويُقدِّم إرشادات وحلولا لإطلاق هذه الإمكانات. وفي مقدور بلدان المنطقة أن تنهض لتحقيق مرتبة عالية. ولبلوغ تلك الغاية، عليها بذل جهود متضافرة «للدفع» بطرق حديثة للتعلُّم والابتعاد عن الطرق التقليدية، والسعي الى تحقيق أهداف طموحة. ومع ذلك ينبغي لها «الجذب» بصورة أقوى للمهارات اللازمة لخلق اقتصاد المستقبل، كما تحتاج إلى «ميثاق» جديد بين كل الأطراف من أجل #تعليم-أفضل والالتزام بمساندته.

فالدفع للتعلُّم يتطلَّب الاستثمار في السنوات المبكرة للأطفال والصفوف الدراسية الأولى. وثمة شواهد علمية قوية تُظهِر أن أكبر آثار الاستثمارات العامة في التعليم وأفضلها عائداً، يُمكِن تحقيقه في المراحل المبكرة من العمر التي يشهد فيها المخ أغلب مراحل نموه.

ويزداد إدراك حكومات بلدان المنطقة لأهمية تنمية الطفولة المبكرة. وعلى سبيل المثال، أخذت دولة الإمارات العربية المتحدة على عاتقها مساندة تنمية الطفولة المبكرة بهدف الوصول إلى مستوى تعميم الالتحاق برياض الأطفال بحلول عام 2021.

ومن الأمور البالغة الأهمية أن تصل النظم التعليمية إلى جميع الأطفال بصرف النظر عن الجنس أو العرق أو القدرة أو الخلفية، لا من خلال إتاحة الالتحاق بالمدارس فحسب، وإنما أيضا من خلال التعلُّم الجيد. ومن الضروري أيضاً أن تحرص النظم التعليمية على توظيف وتدريب ودعم الرجال والنساء الذين يتمتعون بأفضل الإمكانات التي تؤهلهم أن يصبحوا معلمين ومديرين تربويين أكفاء. فالمعلمون ومديرو المدارس الذين يتمتعون بعلو الهمة هم أساس النظم التعليمية التي تؤدي عملها بنجاح، وهم يحتاجون إلى الفرص التي تتيح لهم التطوير المهني المتواصل.

وأطلقت مصر برنامجاً لتعزيز مهارات المعلمين، إذ تم تسجيل عشرة آلاف مُعلِّم في برنامجها «المُعلِّمون أولا»، وتعمل الآن لتوسيع نطاق تطبيقه في أنحاء البلاد. ومن المهم أيضاً استخدام المعلمين للممارسات التربوية الحديثة، وقياس نتاجات التعلُّم من خلال تقييمات منتظمة. وتعد التكنولوجيا أداة فاعلة تنطوي على إمكانات كبيرة لم تُستغَل في مجال التعليم، ويمكن الاستفادة منها في تقديم خدمات التعلُّم ودعمها وقياسها وإدارتها.

ويجب أن يأتي تعزيز الجذب للمهارات من القطاع الخاص. فإذا عملت المؤسسات التعليمية مع مؤسسات القطاع الخاص جنباً إلى جنب، تتكوَّن لدى الطلاب فكرة أوضح عن المهارات المطلوبة في أسواق العمل. ويستطيع الطلاب عندئذ الضغط على نظام التعليم لاعتماد توجُّه جديد بالابتعاد عن تأهيل الشباب لشهادات لوظائف حكومية، والتركيز على تأهيلهم على المهارات الموائمة لاحتياجات الاقتصاد الحديث وسوق العمل. وعلى الحكومات أن تُؤدِّي دورها بتهيئة الظروف المواتية للقطاع الخاص للنمو وإتاحة الفرص.

ويتطلَّب تعزيز الجذب للمهارات أيضا تحديث المناهج لتُركِّز على تقديم المهارات التي يحتاج إليها الطلاب في حياتهم الاجتماعية والاقتصادية. وينبغي أن تكون المناهج حلقة وصل بين الأطراف المتعددة في المجتمع وسوق العمل والنظام التعليمي، بحيث تمثل المهارات التي تدرس تلك التي تشتد الحاجة إليها.

وأخيراً، فإن المسؤولية عن تحسين التعليم لا تقع على النظام التعليمي فقط. فهي تتطلب ميثاقاً جديداً وطنياً يشمل الجميع لدعم تعليم جديد.

ويستلزم هذا قيادة قوية للمواءمة بين مصالح مختلف الفئات في إطار رؤية مشتركة للتعليم والمسؤولية المشتركة والمساءلة.

في عام 1963، سطرت تونس صفحة في التاريخ حينما أقنعت البنك الدولي بمساعدتها في تمويل نظامها التعليمي وتطويره والنهوض به. وخلق هذا اتجاها عالمياً في بلدان العالم النامية نحو الاستثمار في التعليم. وبعد مضي 55 عاما، تحظى المنطقة بفرصة لاستئناف دورها القيادي، ذلك إن هدف إصلاح التعليم لم يعد يقتصر على مجرد اللحاق بالآخرين، إنما يتضمن أيضا استغلال التكنولوجيات الجديدة والإمكانات الهائلة للشباب لتحقيق قفزة كبيرة في اقتصاد المستقبل الرقمي.

* نائب رئيس البنك الدولي لشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.