ساق اصطناعية وعين ذات بصيرة وهمم أكيدة تدمج نفسها في المجتمع

من جلسات منتدى شباب العالم 2018. (الحياة)
شرم الشيخ – أمينة خيري |

المسألة ليست في تحويلهم من «معوقين» إلى «متحدي إعاقة» أو «ذوي احتياجات خاصة» أو حتى أصحاب قدرات خاصة. كما أن المعضلة ليست في تكريم لأحدهم أصيب بشلل في أطرافه فتحول إلى بطل سباحة، أو تبجيل إحداهن بعدما ضربها مرض أفقدها القدرة على السيطرة على عضلات جسدها، فإذ بها تتبوأ مكانة مهنية وخدمية رفيعة، لكن القصة كلها تكمن في أن تتعرف المجتمعات إلى هؤلاء الأشخاص، يتحدثون معهم، يستمعون إلى تجاربهم، والأهم من هذا وذاك يقبلونهم مواطنين كاملي الأهلية متكاملي الشخصية ملهمين لغيرهم من ليس فقط من أصحاب القدرات الخاصة، لكن لأصحاب التفكير المحدود الذي يصور لهم أن صاحب القدرة الخاصة محدود القدرة.


قدرات متفجرة وحالات ملهمة وقصص نجاح لا تسير بالضرورة على قدمين، لكنها قد تأتي إلى «منتدى شباب العالم 2018» جالسة على مقعد متحرك أو يساعدها رفيق للتعرف إلى الطريق أو متكئة على جهاز يساعد على السير، أو حتى رقصاً على ساق اصطناعية.

ساق اصطناعية والأخرى طبيعية، وشخصية متحدية مرضاً أصابها في صميم عملها. إيفان راجيرو (28 عاماً) جاء من الولايات المتحدة الأميركية إلى «منتىدى شباب العالم 2018» الذي أقيم في مدينة شرم الشيخ المصرية الأسبوع الماضي، متحدثاً عن مايكل جاكسون ملهمه الأول، ومن دفعه للتخصص في دراسة الرقص، وتحديداً «هيب هوب». وبعد ما اختار أن يكون «هيب هوب» مسار حياته المهنية، اكتشف إصابته بسرطان العظم في سن الـ16 عاماً. سلسلة طويلة من العمليات الجراحية والعلاج الكيماوي ونقل عضلة من هذا الساق إلى تلك وتشبيك أوردة من هنا إلى هناك، اضطر الأطباء إلى بتر الساق اليمنى. وعلى رغم ذلك لم يتوقف، وقرر أن يدرب نفسه على رقص الـ«تاب» بمساعدة ساق اصطناعية جديدة عملت زوجته على تطويرها بإدخال تقنيات حديثة إليها. ونجح في الرقص، لكن فوجئ مجدداً بوصول المرض إلى الرئة، فخضع لعلاجات وجراحات متتالية، وكلما أنهى مرحلة علاجية عاد إلى الرقص مجدداً.

قرار آخر بالعودة إلى الحياة مجدداً اتخذه الشاب المصري إسلام أبو علي، الذي تحدى الشلل الذي أصابه في ساقيه عقب تعرضه لحادث سيارة وعاد إلى الحياة بشكل مختلف، بعدما أصبح بطلاً عالمياً في السباحة لذوي القدرات الخاصة، أو كما يفضل هو تسميتهم بـ«أصحاب الهمم».

همة من نوع آخر فريد، وهي اسم على ما مسمى حيث مهندسة البرمجيات الشابة فريدة بدوية المقبلة من غانا التي تم رفضها في عدد من الوظائف، لأنها مصابة بمرض يعيق حركتها وقدرتها على النطق بطريقة واضحة، لكنه لم يؤثر على قدراتها الإبداعية والابتكارية لتصنع قصة نجاح من رفض المجتمع لها ولطموحها. أسست شركة برمجيات متخصصة في ابتكار حلول تكنولوجية للدمج المالي للأشخاص غير المشمولين في النظام المالي. واليوم هي علم من أعلام الحلول التقنية في مجال الشمول المالي.

ومن الشمول المالي إلى الإعلامي والشابة المصرية رضوى حسن التي أذهلت ملايين المشاهدين في مصر والعالم العربي حين أطلت عبر شاشة تلفزيون «دي إم سي»، وتحديداً برنامج «السفيرة عزيزة» لتكون أول مذيعة كفيفة في مصر. حسن التي فقدت البصر بعد ولادتها بأيام بسبب خطأ طبي، تلقت تعليمها في مدرسة خاصة بالمكفوفين، وحصلت على مجموع 98.2 في المئة، وكانت من أوائل الجمهورية. التحقت في كلية الإعلام اقتفاء لحلم العمل في مجال الإعلام.

الإعلام والاقتصاد والسياسة والمجتمع بصدد تغيير جذري في الفكر وتحويل حقيقي في المفهوم. فأصحاب القدرات الخاصة ليسوا مجرد أشخاص يلفتون الانتباه لمظهر مختلف، أو أسلوب مغاير، أو احتياجات غير تقليدية، أو حتى قدرات فائقة لم يعتدها أصحاب القدرات العادية. وفي المحافل والمنتديات الدولية وعندما يشارك هؤلاء مكوناً رئيساً شأنهم شأن غيرهم، ويتحدثون عن تجاربهم بالغة الإلهام ويختلطون بمن يخشى الاختلاط بهم أو ينظر إليهم نظرة عطف أو يعتبرهم عبئاً، فإن النتيجة تكون دمجاً حقيقياً واستفادة فعلية ومواطنة كاملة طال انتظارها.

ختام منتدى شباب العالم 2018 حمل عدداً من التوصيات في هذا الشأن، أبرزها إنشاء أكاديمية للتدريب، وتأسيس مركز التضامن الإفريقي لذوي الاحتياجات الخاصة في مجال الصناعات اليدوية، وإنشاء وكالة الاعتماد والجودة ومركز للرعاية والتوعية للوقاية من أجل منع حدوث المزيد من الإعاقات القابلة الناجمة عن الحوادث والأخطاء الطبية، وبناء مدن متكاملة دولية لتقديم الرعاية والخدمات لهم، إضافة إلى رفع الوعي المجتمعي.

تكريم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لعدد كبير من أصحاب القدرات الخاصة في ختام المنتدى، إضافة إلى تخصيص عدد من الجلسات لمناقشة دمجهم في المجتمعات والإقبال الكبير من الحضور سواء الوزراء أو المسؤولين أو الشباب المشارك لحضورها والتفاعل واستلهام الإرادة والقوة والتفوق وصناعة أمل وطريق نجاح من معاناة حقيقية هو أقصر طريق للتوعية المجتمعية وأسلم وسيلة لدمج أصحاب الهمم.