وقف النار في غزة والفصائل ترهن التزامها بالتزام إسرائيل

يلعبون الكرة أمام أنقاض مبنى مدمر في غزة (أ ب)
غزة - فتحي صبّاح |

أثمرت جهود مصرية مكثفة أمس، وقفاً للنار بين الفصائل المسلحة في قطاع غزة وإسرائيل بعد تصعيد للمواجهات في اليومين الأخيرين.


وأعلنت الغرفة المشتركة للفصائل الفلسطينية في قطاع غزة في بيان أمس، أن «جهوداً مصرية مقدّرة أسفرت عن تثبيت وقف النار بين المقاومة والعدو الصهيوني». وأن «المقاومة ستلتزم بهذا الإعلان طالما التزمه العدو الصهيوني»، فيما خلص اجتماع المجلس الوزاري الأمني المصغر في اٍسرائيل (الكابينت) الذي استمر لأكثر من 6 ساعات، إلى إصدار تعليماته للجيش للاستمرار بعملياته في غزة وفق الحاجة ومقتضيات التطورات الميدانية.

وتصاعدت حدة المواجهات العسكرية في قطاع غزة خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية، ووصلت ذروتها خلال ساعات ليل الإثنين - الثلثاء، إذ قصفت طائرات حربية إسرائيلية منازل ومنشآت مدنية، ما اضطر الفصائل المسلحة الفلسطينية إلى «توسيع رقعة النار» من 20 كيلومتراً في محيط القطاع إلى أكثر من 40 كيلومتراً.

ولم تكلل بالنجاح جهود التهدئة التي بذلها المسؤولون في الاستخبارات العامة المصرية، ومنسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف، ودول وجهات أخرى، إلا بعد محاولات عدة تخللها تبادل للقصف، حتى تم التوصل إلى تهدئة عند الخامسة من مساء أمس، بعدما سادت أنباء أنها كان من المفترض أن تبدأ عند الثالثة والنصف من عصر أمس، وأخرى قبلها عند التاسعة والنصف من ليل الإثنين - الثلثاء.

وقصفت طائرات ومروحيات إسرائيلية أكثر من 200 منشأة حكومية، وأخرى تعود للفصائل المسلحة، ونحو 80 مبنى ومنزلاً ومنشآة مدنية، من بينها مقر قناة «الأقصى» الفضائية التابعة لحركة «حماس».

وأسفر العدوان والقصف الإسرائيلي عن استشهاد سبعة فلسطينيين، وأكثر من 30 مصاباً، ما رفع عدد الشهداء منذ ليل الأحد - الإثنين إلى 17 شهيداً، وحوالى 50 جريحاً، من بينهم خمسة في حال الخطر.

وتم أمس تشييع الشهداء السبعة إلى مثواهم الأخير، وهم: محمد التتري (27 سنة)، ومحمد عودة (22 سنة)، وحمد النحال (23 سنة)، وموسى عبد العال (22 سنة)، وخالد السلطان (26 سنة)، ومصعب سعيد حواس(20 سنة)، وخالد معروف (29 سنة).

وفي المقابل، أطلقت الفصائل المسلحة نحو 400 صاروخ وقذيفة هاون (مورتر) على مدن ومستوطنات يهودية محاذية لقطاع غزة من الجهتين الشرقية والشمالية.

وتركز إطلاق الصواريخ والقذائف على مجمع «أشكول» الاستيطاني الواقع قبالة جنوب القطاع، وعلى مدينة المجدل (عسقلان)، التي تبعد نحو 15 كيلومتراً عن شمال القطاع، إذ سقط في أشكول نحو 80 قذيفة.

وبعدما اتضح للفصائل المسلحة أن طائرات الاحتلال شرعت في استهداف مبانٍ ومنشآت مدنية، ركزت صواريخها على مدينة المجدل عسقلان (أشكلون)، ما أسفر عن تدمير عدد من المنازل واحتراقها ومقتل أحد قاطنيها، تبين لاحقاً أنه عامل فلسطيني من مدينة حلحول قرب مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية.

وأصيب عشرات الإسرائيليين بجروح في عمليات إطلاق الصواريخ.

وتعطلت كل مناحي الحياة في القطاع أمس، ولم يتوجه طلاب الجامعات ولا تلامذة المدارس إلى قاعات الدراسة، فيما أغلقت معظم المؤسسات، باستثناء الصحية والخدمية، أبوابها، وامتنع الناس عن الخروج من منازلهم.

وبات عشرات آلاف المستوطنين في ملاجئ محصنة، فرّ مئات آخرون إلى مدينة إيلات ومناطق أخرى بعيدة، فيما بات الفلسطينيون تحت النار والقصف والرعب المتواصل.

وشهد مليونا فلسطيني في القطاع واحدة من أكثر أيامهم رعباً، إذ صعّدت إسرائيل من هجماتها خلال ساعات ليل الإثنين - الثلثاء وفجر الثلثاء، واستهدفت منشآت وسط الأحياء السكنية المكتظة في طول القطاع وعرضه.

ولم تغمض أعين الفلسطينيين وهم يتابعون بخوف مجريات الأحداث وتطورها من خلال وسائل الإعلام المختلفة، خصوصاً الإذاعات المحلية وشبكات التواصل الاجتماعي.

ومع ذلك، وجد نشطاء فلسطينيون متسعاً من الوقت للسخرية على شبكات التواصل الاجتماعي، خصوصاً في ما يتعلق بشريط فيديو قصير بثته «كتائب القسام» الذراع العسكرية لحركة «حماس» يوثّق استهداف حافلة كانت تقل 50 جندياً إسرائيلياً دفعت بهم السلطات إلى حدود القطاع في إطار تعزيز قواتها.

وأظهر الفيديو استهداف الحافلة في مستوطنة «كفار عزه» شرق مخيم جباليا للاجئين شمال القطاع بصاروخ «كورنيت» مضاد للدروع والدبابات، بعدما نزل جميع الجنود منها في رسالة من حركة «حماس» مفادها أنها لا تريد إشعال الحرب في المنطقة، وأنها لو أرادت لقصفت الحافلة قبل ترجّل الجنود؛ كما أظهر الفيديو وجود أكثر من عشرة جنود قرب سياراتهم، ومع ذلك لم يتم قتلهم، خصوصاً أنهم كانوا يظهرون بوضوح وفي مرمى نيران الفصائل المسلحة.

وبثّت «ألوية الناصر صلاح الدين» الذراع العسكرية لـ «لجان المقاومة الشعبية» فيديو آخر يوثق عملية تفخيخ سارية علم فلسطيني وزرعه على السياج الفاصل شرق القطاع وتفجيره نم بُعد، وسط ستة جنود، قبل نحو ثمانية أشهر.

وأكدت «غرفة العمليات المشتركة للمقاومة الفلسطينية» صباح أمس، أن قصفها مدينة المجدل بـ»رشقات صاروخية» أتى «رداً على استهداف الاحتلال المباني السكنية في قطاع غزة».

وأشار الناطق باسم «كتاب القسام» «أبو عبيدة» في تغريدة على «تويتر» إلى أن «المجدل المحتلة دخلت دائرة النار رداً على قصف المباني المدنية في غزة». وأكد «أبو عبيدة» أن مدينتي «أسدود وبئر السبع (تبعدان نحو 40 كيلومتراً من القطاع) هما الهدف التالي، إذا تمادى العدو في قصف المباني المدنية الآمنة». وشدد «أبو عبيدة» في تغريداته على أن «عسقلان (المجدل) البداية، ونحو مليون صهيوني سيكونون في انتظار الدخول في دائرة صواريخنا، حال واصل الاحتلال عدوانه».

إلى ذلك، استنكرت مؤسسات وهيئات أهلية وحقوقية وإعلامية جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل في حق الفلسطينيين خلال اليومين الماضيين. وطالبت المؤسسات والهيئات الأمم المتحدة ودول العالم بإدانة الجرائم الإسرائيلية والتدخل والضغط على الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة لوقف العدوان على القطاع.

وندّدت المؤسسات والهيئات الدولية، في شكل خاص بتدمير مقر قناة «الأقصى» الفضائية، التي استأنفت بثها بعد تدميرها بدقائق معدودة، من مكان آخر.

ووصف المكتب الإعلامي الحكومي استهداف الاحتلال الإسرائيلي المنشآت المدنية بأنه جريمة حرب تستوجب محاكمة قادة الاحتلال.