عاشق الفنون السعودي وكتاب «عز الدين نجيب»

لوحة لعز الدين نجيب
طلعت رضوان |

أهداني الفنان عز الدين نجيب (1940) نسخة من الكتاب التوثيقي الذي تحمّـل رجل الأعمال السعودي الشيخ طلال زاهد طباعته على نفقته الخاصة. وبعد أن حكى لي عن عزم يعرفه عن هذا الإنسان/ الفنان، حرصتُ على جمع المزيد من المعلومات عنه، فعرفتُ أنه عاشق للفن المصري، لدرجة أنه جمع أعمال 650 فنانـاً مصرياً، وتنوّعت مقتنياته بين النحت والتصوير. ومن بين الفنانين المصريين الذين اقتنى أعمالهم (على سبيل المثال): محمود سعيد، عبدالهادي الجزار، تحية حليم، إنجي أفلاطون، آدم حنين وعزالدين نجيب. هذا الإنسان السعودي عاشق الفن، ذكَّـرني بعاشق آخر هو المصري محمد باشا محمود خليل (1877- 1953) الذي اقترح على الملك فؤاد ضرورة أنْ يكون في مصر متحف للفن الحديث، وسافر إلى أوروبا وجمع الكثير من لوحات مشاهير الفن، وفي فرنسا تعرّف على الفنانة إيميلين لوك وتزوجها، ولأنه توفيَّ قبلها، فإنّ تلك السيدة الجليلة أوصتْ بأن يتحول القصر الذي كانا يعيشان فيه إلى متحف للفنون باسم «متحف محمد محمود خليل وحرمه».


الكتاب الذي تحمّـل زاهد نفقات طباعته، يشي بذوق رفيع. وعندما أمسكتُ بالكتاب وهو بعنوان «عز الدين نجيب» لفتتني طباعته الفاخرة وطريقة إخراجه، وهو مِن 300 صفحة من الحجم الكبير (24 × 30سم) ويضم ملحقاً بالمقالات المكتوبة عن عزالدين نجيب، باللغة الإنكليزية. وأدهشني التبويب (بخاصة فى الجزء الأول المكتوب باللغة العربية) بين المقالات النقدية التي تناولت لوحات الفنان عزالدين نجيب، فمُـصمم الكتاب مزجها باللوحات التي جاءت كلها بالألوان الطبيعية. ولفتني كذلك في تبويب الكتاب أنّ عنوان كل قسم مأخوذ من عناوين معارض عزالدين نجيب وأعماله الأدبية مثل «همس الحيطان»، و»سحر الندّاهة»، و»سيوة تبوح بأسرارها»، و»أعياد ميلاد ضد الموت»، و»ماذا قالت لي الأطلال؟»، و»هكذا تقول الشجرة»، و»نداء الواحة»، و»المتاهة والملاذ». وفي افتتاحية الكتاب قصيدة كتبها الشاعر الراحل حلمي سالم عام 1974 جاء فيها: «تدور دورة الحياة/ النطفة، المخاض، رعشة وآه/ صرخة الولادة المشتهاه، فتى فتاه/ المباخر، المآذن، المصانع، الصلاه/ الملاءة، البراقع، الضفائر، الشفاه/ القهر في تجعد الجباه/ تصير صخرة مياه/ وتدور دورة الحياه». وفي كراسة زوار أحد معارض نجيب عام 1984 كتبتْ لطيفة الزيات: «أخذتني لوحاتك- يا عز- في رحلة ما بين الواقع والخيال، الواقع في جوهره وقد اتسم بالخيال، وقد أعطتني لوحاتك هذه اللحظة البهيجة النادرة، التي تنتشل الإنسان من الواقع بكل مراراته، إلى الواقع بكل جمالياته، الواقع الذي بقى على نقائه، الواقع وهو يتحرك إلى غدٍ أفضل». وفي الكراسة نفسها كتب الناقد إبراهيم فتحي: «شاركتْ عيني في مأدبة غنية بالخصب والخلق والتجدد، ما أقل اللحظات المليئة هذه الأيام. أنت- يا عز- تــُـفجر الصخور والأسلاك الشائكة والأحلام التي لم تتحقق، لقد أصبحتْ كل القيم الشكلية الرفيعة عندك، تجارب في الفعل والمقاومة والرسوخ». وهذا المعرض شاهدته الفنانة التشكيلية الفرنسية سلفي ريكا، وكتبتْ في كراسة الزوار: «إنّ هذا المعرض من دون شك هو أحد المعارض التي ستكون صدى لأرض مصر التي قلبتْ ألوانها القوية، في حساسيتها؛ حياتي. إننى لهذا أشكرك شخصيـاً للبساطة والقوة التي عرفتَ كيف تــُـعبـر فيها بصدق واتقان عن شعور هذا البلد في شكله ومضمونه». وكتب الفنان التشكيلي الجزائري بكري جيلالي: «إنني مـتأكد أنّ هذا الفنان يواصل مسيرة الفن الرفيع لبلده الرائع، فالألوان وخبرة الفنان وصلا إلى حلم يتجاوز حدود العالم العربي؛ لهذا نشكره على نجاحه في كونه همزة وصل في هذا العالم، بين العرب القريبين لبعضهم البعض، لولا المشاكل التي فرّقتهم وما تزال».

وفي أحد معارض عام 1992 فإنّ الناقد محمد حافظ دياب جمع بين عز الفنان التشكيلى وعز كاتب الرواية والقصة، فكتب: «ها أنت- يا عز- على مدار الليالي والأعوام، ملأتَ عيونك بأحزان القلب المصري وحضنتَ في رئتيك البشر الطيبين، وسوّحتَ في البراري والمدن، وسبحتَ في التيار وضده، بينما رؤوس كثيرة حولك قد ثقلتْ موازينها، لكنك مازلتَ تملأ عينيك، وتسبح وتستأنف المسيرة. مازلت تعطي القصة والرسم والحياة حرقة أسئلتك، وتغترف إبداعاتها، واسمح لي أنْ أسألك: في أى زمان تلح عليك القصة؟ وفي أيها تتنادى اللوحة؟ من أي مدى تسمع صهيل الأولى وحمحمة الأخرى؟ لماذا تعلو بسمتك بين طبول الزيف؟ لمَ توشوش بالكلمة واللون؟ بينما الخراب يقيم في (طيبة) وها أنت مرة أخرى تخوض العالم وتستنهض دواخلنا وتشير علينا بالخروج».

وفي كراسة الزوار نفسها (نيسان- إبريل 1992) كان تعليق الفنان عز بعنوان «أعياد ميلاد ضد الموت»، وقال فيه: «تجتاح عالمنا هوج العواصف، تختل الثوابت، وتتساقط الرايات. في كل يوم تنهار حقيقة ويولد زيف، فماذا بوسع الفنان أنْ يفعل؟ في بحار العواصف أرى اللوحة قاربي، أبحث به عن منابع البراءة وشواطئ اليقين، لكنه بدلاً من أنْ يحملني إليها يدفعني إلى قلب العاصفة، أتماسك حيناً، مستوحياً الرسوخ من الموروث، ولو كان أطلالاً. تأخذني العاصفة أو التمرد إلى الشواطئ الصخرية. أتلاطم بقاربي بين أمواجها وصخورها. من موت إلى موت. ماذا أعطانى الفن؟ أعطاني أعياد ميلاد ضد الموت، بعدد اللوحات التي رسمتُها». وعن معرضه في العام 2005 بعنوان «همس الحيطان» كتب نجيب: «نعم تهمس الحيطان لبعضها البعض، ولي. إنها تتحاور وتتعاطف وتتكاتف وتئن وتشكو، وتتذكر ما كان يدور بداخلها في الماضي، حين كانت عامرة بالبشر والحياة ومرتعاً للحواديت واللهو، للفرح وللأحزان، للعشق والأسرار، للسحروالأسطورة. اليوم أصبحتْ خالية من البشر، بعد أنْ هجروا بيوت الطين، وسكنوا مكعبات الأسمنت، لكن حيطان الطين ليست خالية من الحياة، لأنها ماتزال عامرة بأنفاس البشر وذكرياتهم. إنّ مساحات الضوء لا تسقط عليها من الخارج، بل تبدو كأنما تشع من داخلها، وتتحوّل إلى نور أو إلى ضى يسري في نعومة، كنعومة الجدران الطينية ذات الاستدارات والانحناءات والأقواس والفراغات والالتواءات والانكسارات».

وفي تقديمه للكتاب تحدث هشام قنديل (مؤسس ورئيس مجلس إدارة غاليري «ضي») عن علاقته بالفنان عزالدين نجيب منذ أن كان الأخير يشغل منصب مدير قصر ثقافة كفر الشيخ (في ستينات القرن الماضي). وبعد الإطلالة المهمة والبديعة عن ذكريات كفر الشيخ، أضاف قنديل: «لقد اكتشفتُ مبكراً أنّ عزالدين نجيب يتوحد أحياناً بالفن، فيصعب التحاور البسيط معه، لأنه يتوحد باللون حتى يخفي فيه آلامه وهمومه. لقد ظل عِز في فترة من فترات عمره، يحاول أنْ يرسم أو يتوسم حقولاً من الورد والياسمين، لكنه لم يجد غير شوك وغير طين، يحاول أنْ يـُقرّب بين ريشته والنهر فلا يجد غير حفنة ماء، يـُـقرّب ما بين عينيه والوطن والحلم، فلا يجد غير ظلٍ يتهاوى على جسد من دماء». واختتم كلمته قائلاً: «أخيراً أقر هنا في هذه اللحظة التي أتاحتها لنا تلك الأسرة السعودية العاشقة لمصر ولفن مصر؛ أسرة (الزاهدية) لقد فهمتُ الآن من الفنان عزالدين نجيب ومن الناشر الشيخ طلال زاهد، كوني جاهلاً بخفايا الفن التشكيلي، لكن الإحساس بالجمال لا يتطلب ثقافة وخبرة».

ومن جانبي؛ لا يسعني إلاّ أنْ أرسل تحية تقدير للإنسان طلال زاهد؛ عاشق الفن المصري ومُـبدعيه.