في ذكرى استقلال لبنان: متى يتوقف التدخل الإيراني؟

الجيش اللبناني: القوة الشرعية المجمع عليها (موقع وزارة الدفاع اللبنانية)
نجاح عبدالله سليمان |

استقلال لبنان يحتفل به في 22 تشرين الثاني (نوفمبر)، على رغم أنه لم يكتمل إلا بانسحاب القوات الفرنسية في 31 كانون الأول (ديسمبر) 1946. لكن الاحتفال تخليد لذكرى حكومة الاستقلال الوطنية التي حددت الاستقلال لدى إطلاق سراح رئيس الجمهورية بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح من الاعتقال صباح اليوم ذاته عام 1943 وتسليم فرنسا بمنح لبنان الاستقلال التام.


75 عاماً على الذكرى، لكن الصورة لا تخفى على أحد، من مساعٍ إيرانية إلى استنساخ تجربة «حزب الله» اللبناني في باقي العواصم، فقد استغلت مداخل الأزمات التي حصلت في المنطقة، ومعها استطاعت فرض نفوذها في كل من سورية والعراق، وكانت كارثة اليمن، من حيث التوقيت وزعزعة الجهود الدولية الرامية إلى وقف هذه المطامع التوسعية في المنطقة العربية. والحقيقة أن المساعي الإيرانية واضحة، فقد أعلن مسؤولون أنهم يحتلون أربع عواصم عربية، وبالتالي، برزت خطورة الهيمنة والاحتلال والسيطرة، في الوقت الذي تعاني المنطقة العربية من الأزمات.

في ذكرى الاستقلال، نعلم أن التدخل الإيراني في لبنان، تجربة متكررة ومستعادة منذ القرن السادس عشر، منذ كان المحقّق الكركي أول فقيه من جبل عامل يستجيب لدعوة الصفويين، بعدما تمّ رفضها من آخرين قبله. ذلك عندما التقى الكركي بالشاه إسماعيل الصفوي في هرات، وطلب منه الأخير أن ينتقل معه إلى إيران ليتولى شؤون الدولة بموجب المذهب الشيعي، فانتقل الكركي إلى إيران بصحبة شاهها واستغل هذه الفرصة أفضل استغلال، ونشط في تكريس ونشر فقه التشيّع في إيران السُنيّة في الأصل، كما تولّى تعيين العلماء وأئمة الجماعة والقضاة في أطراف البلاد بصورة منظمة، فكان أول من نظّم ارتباط العلماء بالمرجعية، وكذلك جباية الحقوق الشرعية بصورة ميدانية وواسعة في الدولة الصفوية. لاحقاً استطاع المحقق الكركي أن يقنع مجموعة أصدقائه وتلاميذه في جبل عامل بالهجرة إلى إيران والإفادة من هذه الفرصة السانحة لنشر المذهب الشيعي وبسط نفوذ الفقهاء في هذه الدولة الفتية.

كذلك بدأ تفكير رجالات الدين الإيرانيين بقيادة خُمينيّ بلبنان وجنوبه قبيل اندلاع الثَّورة الإيرانية في أثناء التحضير لإسقاط حكم الشاه الذي دام لنحو 40 عاماً (1941-1979) بتحديدهم موقعين استراتيجيين من حيث المبدأ بعد نجاحها، هما العراق ولبنان، فخُمينيّ كان في النجف خلال سنوات نفي الشاه له خارج إيران، بالتوازي مع فرار إيرانيين مقرَّبين منه إلى لبنان خوفاً من أن يلقوا حتفهم على أيدي قوات الشاه، وبالنسبة إلى العراق كان من الصعب اختراقه لقوَّة نظام صدام حسين، بينما انتفى ذلك في لبنان حيث لم يكُن آنذاك نظام قويّ يحول دون تحقيق الأهداف الإيرانية، بالإضافة إلى طبيعة العلاقة بين رجال الدين الإيرانيين ونظرائهم اللبنانيين ومن بينهم الإمام موسى الصدر الذي أسّس حركة أمل الشِيعيَّة عام 1975 لتكون الذراع العسكريَّة لحركة المحرومين التي أنشأها عام 1974.

تطورت الأحداث وصولاً للدعم الإيراني لـ «حزب الله» اللبناني بأشكال عدة، أبرزها الدعم النقدي الذي يقدر خبراء قيمته السنوية بـ300 مليون دولار، منذ تأسسه، وقد وفرت إيران للحزب مصدراً آخر للدعم قيمته أربعة بلايين دولار يديرها رجال أعمال وواجهات في دول كثيرة، يستفاد من أرباحها في تقوية حزب الله، وزيادة ما يمكن تسميته بـ «أوقاف الحزب المالية»، لاستقطاب عشرات آلاف العناصر في لبنان، ولتشغيلهم في مؤسسات وشركات، بالإضافة إلى النفقات العسكرية والمدنية لقطاعات مختلفة.

وتعتبر إيران الجناح الشرقي للعالم العربي نطاقاً استراتيجياً مهماً لأمنها القومي، وسنحت الفرصة لتحقيق هذا الحلم الإيراني بعد سقوط نظام صدام حسين وتعزز في شكل واضح بعد الانسحاب الأميركي من العراق، حيث سعت إيران إلى ملء الفراغ السياسي والأمني، ما جعل طهران صاحبة النفوذ الأبرز في العراق في الوقت الحاضر. وهي تحاول فعل الشيء نفسه في سورية تحسباً لسقوط نظام الأسد. وفي لبنان خلق دولة داخل الدولة، ما عزَّز الانقسام اللبناني وأضعف الوفاق الوطني، فأصبح لبنان بلا رئيس لشهور عدة. ولم يقتصر الأمر على ذلك بل أصبحت صنعاء العاصمة العربية الرابعة التي تقع في فلك النفوذ الإيراني، وتم ذلك في شكل مسرحي وغير متوقع.

سبق أن أشار تقرير بريطاني إلى أن إيران تمددت عبر استنساخ نموذج ميليشيا «حزب الله» داخل دول المنطقة، بذريعة الدفاع عن أمنها القومي، وتأمين حدودها. وأصبح الطريق من طهران إلى بيروت ليس معبراً لنقل الحرس الثوري وفيلق القدس والأسلحة والإمدادات فحسب، بل الأيديولوجية والنفوذ في عمق الأراضي العربية أيضاً. فإذا كان فيلق القدس أضحى دولة داخل دول، هنا تبدو النية الإيرانية واضحة بقوة، وذلك من خلال الدعم المتعدد الأوجه للحوثيين. وهذا التوجه في غاية الخطورة، فوجود حزب مسيطر على مفاتيح ومقدرات الدولة، كما هو حاصل في لبنان، يمس الدولة اليمنية ووجودها والسيادة التي تمارسها، وسيطيل من عمر الأزمة اليمنية، وقد نرى نموذج «حزب الله» اللبناني في اليمن؛ وهذا مرفوض جملة وتفصيلاً. وعليه، فنحن في حاجة إلى مواقف حازمة وجدية من العرب تجاه المطامع الإيرانية، فالمنطقة لا تحتمل المزيد من التصدعات، ولنا في أزمات إيران داخل لبنان نموذجاً سابقاً.

يبقى في ذكرى الاستقلال، استحضار الجواب على هذه الاشكالية، وهي: متى يتوقف هذا التدخل الإيراني في الشأن اللبناني؟

* كاتبة مصرية