الهند بعد الحرب الباردة

القصر الرئاسي في نيودلهي (أ ف ب)
محمد سيد رصاص |

في 9 آب (أغسطس) 1971 وقعت رئيسة الوزراء الهندية أنديرا غاندي معاهدة الصداقة الهندية - السوفياتية. قبل شهر أنذرت زيارة هنري كيسنجر مستشار البيت الأبيض لشؤون الأمن القومي لبكين بأن واشنطن على وشك انفتاح استراتيجي على الصين التي دخلت قبل تسع سنوات في حرب مع الهند. زاد الطين بلة بالنسبة لنيودلهي أن الوسيط الذي مهد لزيارة كيسنجر كانت باكستان العدو اللدود الثاني للهند الذي كانت نذر الحرب الثالثة تقترب بينه وبين الهند على ضوء اضطراب باكستان الشرقية منذ فوز (حزب رابطة عوامي) بزعامة الشيخ مجيب الرحمان بغالبية مقاعد الجمعية الوطنية الباكستانية في انتخابات كانون الأول (ديسمبر) 1970 وهو ما دفع الحاكم العسكري لباكستان الجنرال يحيى خان إلى فرض الأحكام العرفية واعتقال الشيخ مجيب في آذار (مارس) مما قاد إلى اضطرابات مسلحة ومطالبة بالانفصال عن الجسم الباكستاني وتأسيس جمهورية بنغلادش في باكستان الشرقية.كان الدعم الهندي لانفصال الشرق الباكستاني يصطدم بتأييد أميركي – صيني لاسلام آباد. مع توقيع تلك المعاهدة مع موسكو تخلت أنديرا غاندي مضطرة عن تراث والدها جواهر لال نهرو في (عدم الإنحياز) الذي انتهجه مع عبدالناصر وتيتو منذ مؤتمر باندونغ عام 1955 في ذروة صراع العملاقين الأميركي والسوفياتي بالحرب الباردة. قاد انتصار نيودلهي على اسلام آباد في حرب كانون الأول 1971 إلى اقترابها من موسكو أكثر ، وقد ظهر هذا بوضوح في موقف الهند المؤيد لحكومة كابول التي أقامها السوفيات إثر غزو أفغانستان في 27 كانون الأول 1979 الذي زاد من الاقتراب الأميركي- الباكستاني.


أنتج انتصار واشنطن على موسكو في الحرب الباردة عام 1989 مشهداً جديداً للهند: لم تعد باكستان مهمة للأميركيين بعد هزيمة السوفيات في أفغانستان. لم تعد الأصولية الاسلامية، التي استخدم مخزنها المحلي الأفغاني والعالمي تحت رعاية المخابرات العسكرية الباكستانية، مفيدة لواشنطن بعد انتهاء وظيفتها ضد الكرملين، بل أصبحت عبئاً وعدواً محتملاً للأميركيين كما ظهر في اختبار أزمة الكويت وحرب خليج 1991. في تسعينات القرن العشرين تبلور اتجاه في إدارة بيل كلينتون (وهو ما زال المسيطر في واشنطن) بأن الخطر الصيني، الذي يحمله نمو الاقتصاد الصيني بكل ما يمكن أن يعنيه من ترجمات سياسية وعسكرية تماماً مثلما حصل مع ألمانيا ما بعد وحدة 1871 الذي قاد نموها الاقتصادي إلى ميول سياسية – عسكرية توسعية قادت إلى الحرب العالمية الأولى عام 1914، هو التحدي الرئيسي أمام القطب الواحد الأميركي للعالم. مع 11 أيلول (سبتمبر) 2001 وضرب برجي نيويورك ومبنى البنتاغون من قبل (تنظيم «القاعدة») المرعي والقاطن بأحضان حركة «طالبان» المدعومة من باكستان في كابول، أصبح هناك في واشنطن اتجاهاً واضحاً إلى تشكيل تحالف أميركي- هندي لتطويق الصين، عبر حزام يمتد من الهند لفيتنام وأوستراليا واليابان، ولدعم نيودلهي ضد اسلام آباد التي اتجهت لتمتين تحالفها مع بكين حتى وصلت الأمور عام 2013 لتوقيع اتفاق تأجير مرفأ غوادار الباكستاني على بحر العرب للصين وبناء مدينة تتسع لنصف مليون ساكن للصينيين قرب الميناء الذي سيربط بأنبوبي نفط وغاز وخطي سكك حديد وأتوستراد مع الصين من أجل تفادي مرور الصادرات والمستوردات الصينية بمضيق مالاقا الواصل بين المحيطين الهندي والهادئ والذي تسيطر عليه واشنطن عبر القاعدة العسكرية في سنغافورة. لا يمثل (غوادار) ضربة صينية للأميركيين وإنما أيضاً للهنود إذا أخذنا في الاعتبار استئجار الصين مرفأ كيابكيو في ميانمار على خليج البنغال ووصله بطريقة مماثلة بالبر الصيني واتجاه الصين للتقارب مع سريلانكا، حيث هناك أيضاً استئجار صيني لميناء هامبانتوتا في أقصى جنوب جزيرة سريلانكا من أجل تفادي المرور الصيني بخليج مانار بين سريلانكا وشبه القارة الهندية الذي تسيطر عليه نيودلهي. لم تكتف الصين بجذب ميانمار لحضنها وهي، تحت اسم بورما، التي كانت جزءاً من الهند البريطانية حتى عام 1937 وإنما نجحت في جذب بنغلادش التي ولدت على وقع حراب الجيش الهندي عام 1971. فتح الأتوسترادات وسكك الحديد بين نيبال والصين، إضافة الى اليد العاملة النيبالية (ثلاث ملايين ونصف المليون عام 2017) في الصين وتحول نيبال للاعتماد على المرافئ الصينية بدلاً من الهندية، جعل ممكناً وقوع كل جيران الهند في حضن الصين.

هنا، يمكن القول إن الحراك الأميركي ضد الصين، واتجاه الصين لتطويق الهند وعزلها، جعلا التحالف الأميركي- الهندي حتمياً ويملك أسساً متينة. من خلال الخلاف الهندي- الصيني البادئ مع حرب 1962 بسبب الحدود المشتركة، والتناقض الجيو- سياسي بينهما، ومن خلال مشكلة ولاية كشمير التي يقود تمردها ضد نيودلهي اسلاميون أصوليون وسلفيون جهاديون تدعمهم باكستان، تجد الهند نفسها في تحالف طبيعي مع واشنطن ضد الصين وضد الاسلاميين. نيودلهي ذات قيمة استراتيجية كبرى للأميركيين ما دامت الهند هي القوة الاقتصادية السادسة في العالم وهي القوة العسكرية الرابعة عالمياً. هناك عملاقان آسيويان وفي العالم في الاقتصاد، هما اليابان والهند، متحالفتان مع أميركا ضد الصين. لا تتردد بكين في استخدام الديكتاتور الكوري الشمالي كفزاعة ضد اليابانيين، فيما هي عملياً وضعت الهند في حالة تطويق محكم من جيرانها الذين هم كلهم عملياً تحت نفوذ الصين.

على رغم كل ما سبق، تحافظ الهند على علاقات جيدة مع موسكو وهي في تشرين الأول (أكتوبر) 2018 أغضبت واشنطن بتوقيعها على صفقة شراء منظومة الصواريخ الروسية المضادة للطيران: (س 400). حاولت نيودلهي عام 2009 أن تكون جزءاً من منظومة (البريكس) مع موسكو وبكين (مع البرازيل أيضاً ثم انضمت جنوب افريقيا عام 2010)، لكن هذا المشروع فشل على صخرة التناقضات الصينية- الهندية وعدم وصول العلاقات الصينية- الروسية إلى مرتبة التحالف حيث كل تقاربهما الثنائي من أجل استخدام كل طرف لتحسين وضعه الخاص مع واشنطن. على الأرجح أن التحالف الهندي- الأميركي يملك أسس البقاء والاستمرار في المدى المتوسط والبعيد، ومن غير المرجح أن توازنه نيودلهي بأي خيار آخر على طراز (البريكس) الذي شبع موتاً.

* كاتب سوري