مشاركة يابانية في الدراسات الحديثة عن الوقف

غلاف الكتاب
محمد م. الأرناؤوط |

في 2016 التقيتُ في ورشة عمل عن الوقف في جامعة جورج تاون بشخصية لم أرها من قبل في الندوات المختلفة عن الوقف ، والتي كشفت عن مدى امتداد خريطة المهتمين بالوقف وما هو شبيه بالوقف في اليابان : البروفسور تورو ميورا Miura Turo الذي يعمل أستاذا في جامعة اوشانوميزو بضاحية طوكيو وفي مركز الأبحاث في الدراسات الآسيوية في مكتبة تويو بونكو Toyo Bunko (المكتبة الشرقية) التي تُعتبر ضمن أكبر خمس مكتبات في العالم. في ورشة العمل المذكورة كشف د. ميورا عن مدى تعمّقه في العلاقة بين الوقف والعمران ، حيث تحدث في ورقته عن نشوء ضاحية الصالحية شمال دمشق نتيجة للأوقاف الكثيرة التي أنشأت فيها وتحولت معها من قرية إلى مدينة تعج بمراكز العلم.


في تلك المناسبة تحدث د. ميورا عن النشاط الممنهج الذي يقوم به بالتعاون مع عدة مؤسسات أوربية معنية بالوقف والذي أثمر عن عقد ندوة دولية عن الوقف في طوكيو خلال 5-6 كانون الأول/ ديسمبر 2015 شارك فيها علماء متخصصون بالوقف من ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة والجزائر والمغرب وفلسطين وغيرها بأبحاث متنوعة صدرت في صيف 2018 بالانكليزية في كتاب بعنوان "دراسات مقارنة عن الوقف من الشرق– دينامية النموذج الأصلي والممارسة في الأوقاف الدينية والذرية" ، وبتحرير من د. ميورا نفسه.

في مقدمة الكتاب يوضّح د. ميورا أن هذا الكتاب بصفحاته الـ 278 إنما هو حصيلة ست سنوات من التعاون بين جامعته و "المكتبة الشرقية" (تويو بونكو) في طوكيو والعديد من المؤسسات الأوربية المعروفة وعلى رأسها المركز الوطني للبحث العلمي في باريس CNRS في برنامج تشرف عليه الباحثة الأمريكية المعروفة في مجال الوقف راندي ديغليم . وقد تدرّج هذا البرنامج من ورشات عمل أقيمت في إكس دو بروفانس وتونس وبيرزيت وغيرها خلال 2012-2014 وصولا إلى الندوة الدولية التي عقدت في طوكيو في نهاية 2015 . وقد أعطي الباحثون المشاركون في هذه الندوة مهلة سنة لمراجعة أبحاثهم لتقديمها للنشر في الكتاب الذي أصبح بحق مرجعا للمعنيين بالوقف خاصة فيما يتعلق بمناطق أخرى خارج الشرق الأوسط ، الذي عادة تتمركز الأبحاث حوله.

ويوضّح هنا د. ميورا في تقديمه بأن الهدف من ندوة طوكيو، والكتاب الآن بطبيعة الحال، كان يتمركز حول توضيح الدور الاقتصادي- الاجتماعي للوقف وذلك من خلال مقارنات واقع الأوقاف ليس في الشرق الأوسط فقط ولكن في إطار أوسع يضمّ آسيا الوسطى وآسيا وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا وحتى اليابان والصين. وبعبارة أخرى كان الغرض ندوة طوكيو إيضاح الملامح الإقليمية والتحولات التاريخية للوقف وأشباه الوقف خلال التاريخ الإنساني، وذلك بتحليل المصادر التاريخية لكل إقليم والاستناد إلى المقاربة المقارنة للمواضيع المشتركة مثل هدف الوقف وإدارة الوقف وعوائد الوقف وأوجه الصرف واستبداله ومظاهر الفساد فيه ، وأخيرا البحث عن دينامية الوقف وأشباه الوقف وإمكانية استمراره وتطوره في العالم المعاصر. وكما هو الأمر في ندوة طوكيو فقد جاءت الأبحاث في الكتاب حسب الجلسات الثلاث التي استغرقتها الندوة. فقد تمحورت الجلسة الأولى عن عائدات الوقف وكيف تُصرف وتذهب إلى المستفيدين المفترضين من هذا الوقف ، وتركّزت الجلسة الثانية عن الشبكات الاجتماعية التي تتشكل مع الأوقاف وكيف كانت تعمل هذه الشبكات في المجتمعات من خلال نماذج تمتد من المغرب وإلى ماليزيا واليابان والصين ، بينما كانت الجلسة الثالثة عن التحولات التاريخية للوقف وخاصة خلال الحكم الاستعماري الأوربي في الشرق الأوسط وآسيا من خلال نماذج تمتد من المغرب وإلى الهند مرورا بسوريا.

ومن المفيد هنا أن نشير إلى بعض عناوين الأبحاث من المكان الذي يوحي بها عنوان الكتاب (دراسة مقارنة للوقف من الشرق) أي اليابان، حيث لدينا بحث للأستاذ في جامعة طوكيو نوبواكي كوندو Nobuaki Kondo عن "الدولة والمزار المقدس في ايران : إدارة وقف مزار الشاه عبد العظيم تحت حكم القاجار" والأستاذ والباحث في "المكتبة الشرقية" (تويو بونكو) كن إيتشي اسوغاي Isagai Ken'ichi المعنون "الوقف كأداة لتأسيس وترويج التعليم : حالة من آسيا الوسطى ما قبل الحداثة"، وبحث الأستاذ في جامعة موساشي في طوكيو عن ما يشبه الوقف أو التوصية بالأرض "التوصية بالأرض في اليابان خلال القرون الوسطى ووظيفتها الاجتماعية"، بينما جاء بحث المحرّر د. ميورا بعنوان "مقارنة عابرة للأقاليم للوقف في عصور قبل الحداثة: نماذج من اليابان والصين وسورية".

ومن الباحثين العرب في ندوة طوكيو الذين وردت أبحاثهم في الكتاب تجدر الإشارة إلى بحث د. اودين بوغفله من جامعة بسكرة الجزائرية عن "أوقاف المرأة ودورها الاجتماعي في الجزائر العثمانية" وبحث د. ناصر الدين سعيدوني من جامعة الجزائر "أوقاف المغاربة في القدس: التواصل الروحي والتبادل الثقافي والعوز الاقتصادي"، وبحث د. موسى سرور من جامعة بير زيت "الوقف وبناء المدن: القدس القديمة كحالة دراسية".

ولكن ما يُؤخذ على الكتاب أنه مسّ أوربا بشكل خفيف وغابت فيه تماما تجربة البلقان التي لا يمكن تجاهلها في الدراسات المتعلقة بالوقف، سواء لغنى تجربته التاريخية التي لا تزال ملموسة في الحاضر أو للإسهامات القيمة للمتخصصين فيه في الدراسات الحديثة عن الوقف . ويكفي القول هنا أن وقف النقود، الذي اُعتبر "ثورة في الفقه الإسلامي المتعلق بالوقف" ، انطلق من البلقان في النصف الأول للقرن الخامس عشر عندما كانت أدرنة عاصمة الدولة العثمانية ومنها انطلق غربا وشرقا حتى وصل إلى بلاد الشام.

ومع ذلك لا بدّ من القول إن الكتاب مهم للمعنيين بالوقف لأنه لا يستثني من اهتماماته ومقارناته أشباه الوقف في آسيا وأوربا ومدى ما تعنيه بالنسبة لتلك المجتمعات، ومن هنا فإن ترجمته للعربية مفيدة مع هذا الاهتمام المتزايد في الفترة الأخيرة بالوقف في المنطقة، وهي خطوة مناسبة للتعرف على هذا الجهد المشكور للباحثين اليابانيين في مجال الوقف.