«رؤية الأشياء كما هي» طبعة عربية لكتاب جون روجرز

غلاف الكتاب
القاهرة – خالد بيومي |

صدرت حديثاً عن سلسلة «عالم المعرفة»- المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت- الطبعة العربية لكتاب «رؤية الأشياء كما هي... نظرية للإدراك» للأميركي جون روجرز سيرل، بترجمة المصري إيهاب عبدالرحيم علي. يحتفي الكتاب بالتجربة البصرية التي تمثل جنباً إلى جنب – كما يرى الكاتب- مع الجنس والأطعمة والأشربة الجيدة؛ أحد الأشكال الجيدة للسرور والسعادة في الحياة.


وعن سبب تأليف كتاب عن الإدراك يقول الكاتب في المقدمة: «كانت العلاقة بين التجارب الحسية والعالم الحقيقي – الذي تُمثل فيه الرؤية أهم أنواع الخبرات، من أهم شواغل الفلسفة الغربية طوال القرون الثلاثة التي تلت ديكارت. حتى القرن العشرين كانت نظرية المعرفة (الإبستمولوجيا) هي محور الفلسفة، ولا تزال الأخطاء التي حددت ملامح هذا الحقل مستمرة حتى الوقت الحاضر». ويحاول هذا الكتاب إزالة الأخطاء سواء التقليدية أو المعاصرة، وطرح تفسير بديل لها، وتقديم تفسير موضوعي للعلاقة بين التجربة الحسية والإدراك.

فالموضوعات والظروف التي نراها في العالم لها وجود دائم تقريباً. أما التجارب البصرية الشخصانية التي تصور هذه الموضوعات والظروف، فهي أحداث وعمليات عابرة وموقتة؛ فنحن لا نتحدث عن كيانات موجودة على الدوام، بل عن عمليات مستمرة. ولا يمكن للتجربة البصرية أن تكون محددة تماماً؛ لأنها ليست الواقع نفسه، بل هي تصوير لبعض جوانب الواقع وليس كلها. فمثلاً لا يستطيع البشر رؤية الألوان تحت الحمراء وفوق البنفسجية للموضوع الذي ندركه بسبب القيود المفروضة على جهازنا الإدراكي.

ويناقش المؤلف فكرة ذات صلة جوهرية بالفلسفة وهي تخيل أن المرء قد يكون دماغاً في وعاء ويتساءل: هل العمليات الدماغية تكفي لإنتاج الفينومينولوجيا، وأن الجمجمة تمثل نوعاً من الأوعية؟ «بأحد المعاني نحن في الحقيقة أدمغة في أوعية؛ لأن الدماغ الفعلي يوجد في وعاء جمجمتي. الفرق بين الدماغ الحقيقي ووهم الدماغ في وعاء هو أن وعائي الحقيقي متصل ببقية جسدي، وأن المحفزات المتجهة إلى دماغي تأتي من تحفيز خصائص العالم الحقيقي لنهايات أعصابي الطرفية من خلال الإدراك وكذلك الأجزاء الأخرى من جهازي العصبي». وكما هي الحال في الحياة الحقيقية، فالحياة الحرة تعد احتمالاً على الأقل، ولكن بالنسبة إلى الدماغ في وعاء فيتم تقرير تجاربه كافة بما في ذلك «الفعل الحر». بيت القصيد - يقول المؤلف- هو أن تجربتي النوعية الشخصانية، قد تكون هي نفسها تماماً رغم أنني منقطع جذرياً عن العالم.

ويدهش المؤلف من مقدار الاهتمام المخصص للهلوسات في المناقشات الفلسفية الدائرة حول الإدراك، فالهلوسة الترفيهية كانت شائعة للغاية في العقود الأخيرة من القرن العشرين، عندما بدأ كثير من الناس يتعاطون عقاقير «الهلوسة». وتعد دراسة الهلوسة أداة مهمة في الفلسفة؛ لأنه عند تحليل الإدراك الواعي فمن الأهمية بمكان أن نتمكن من الفصل بين التجربة الإدراكية الشخصانية وجودياً وبين الظروف المدركة الموضوعية أنطولوجياً. ومن دون هذا التمييز الواضح فلن نتمكن من تفسير البيولوجيا الأساسية للتجربة الإدراكية التي هي القصدية الواعية في دماغ المُدرك والعلاقات السببية بين هذه القصدية وبين الظروف المُدركة. ويرى المؤلف أنه من المفيد فلسفياً مناقشة حالات الهلوسة؛ لأنه يشترط أن فينومونولوجيا الهلوسة وتلك الخاصة بالتجربة الحقيقية قد تكونان الشيء نفسه تحديداً.

ويشرح المؤلف معنى القصدية بأنها تلك السمة العقلية الموجهة إلى أو حول أو عن الموضوعات أو الظروف في العالم. إن الجوع، والعطش، والمعتقدات، والتجارب الإدراكية، والنيات والرغبات،والآمال، والمخاوف كلها قصدية؛ لأنها تتعلق بشيء ما. أما حالات القلق أو العصبية غير الموجهة فليست قصدية، على الأقل في الحالات التي يشعر فيها الشخص بمجرد قلق أو عصبية من دون أن يكون قلقاً أو عصبياً تجاه أي شيء. على وجه الخصوص، ليست للقصدية علاقة خاصة بالقصد بمعناه العادي، فأن تقصد التنزه مثلاً، يمثل نوعاً واحداً فقط من القصدية، ضمن أنواع أخرى. يمكن للحالات القصدية والرغبات أن تنجح أو تفشل، وإذا نجح الاعتقاد فهو صحيح؛ وإذا نجحت الرغبة فقد أشبعت.

يوضح التفسير النظري المحوري للكتاب كيف تحدد الفينومونولوجيا الخام للتجارب الإدراكية المضمون مِن طريق دمج السببية القصدية مع الخصائص الإدراكية الأساسية للعالم، والتي تسبب التجربة. يفسر المؤلف أيضاً كيف تؤدي بنية التجارب الإدراكية إلى مدركات رفيعة المستوى وشديدة التعقيد، ترتكز على القدرات الأساسية المفروضة بيولوجياً.