مايكل أنجلو ياكوبوتشي وتأملات في أسباب اللاتسامح ومظاهره

غلاف الكتاب
خالد عزب |

يطرح مايكل انجلو ياكوبوتشي؛ في كتابه «أعداء الحوار... أسباب اللاتسامح ومظاهره» السؤال التالي: كيف يمكن أن نقتل باسم الله؟ وياكوبوتشي عمل من قبل ناطقاً باسم رئيس الجمهورية في إيطاليا، وهو عضو المجلس التنفيذي لليونسكو، ورئيس المجلس التنفيذي للاتحاد اللاتيني. أما الكتب فصدر عن دار «شرقيات» في القاهرة بترجمة عبد الفتاح حسن وهو أستاذ اللغة الإيطالية في كلية الألسن في جامعة عين شمس، وبتقديم للروائي امبرتو ايكو. ويرى المؤلف أن هذا السؤال تنجم عنه، أسئلة أخرى؛ مثل ما هي دوافع الإنسان للتدين؟ ويذكر أن القدماء لم يكن يسألون قط ما هي ديانتك؟ ولكنه يؤكد أن للدين صلة وثيقة بالخوف من الموت والوحدة وألا يكون للحياة معنى، فضلاَ عن الخوف من الحرية. ويضيف أن الحيوانات لا تدفن موتاها، وأكثر العقول الإلكترونية تطوراً لا تصلي. ولكن الإنسان يتوجه إلى ذات عليا أيضاً ليجد جواباً لسؤاله عن أسرار الوجود، وليقلل من شعوره بأنه أعزل، ولكي يحصل على المحبة والعون.


هنا نرى معالجة جيدة حول تسييس الدين وتحويله إلى مؤسسة، ما أدى إلى ظهور ممارسات متعصبة ولا متسامحة. ويرى ياكوبوتشي أن تكوين المؤسسات الدينية وفق تنظيمات إدارية يؤدي حتماً إلى التسييس. وهنا نصل مع المؤلف إلى أكثر النقاط حساسية، والتي تقدم لنا شرحاً وإن لم يكن مستفيضاً، للسلوك اللامتسامح الذي يتسم به كل دين عبر مسار تطوره: حتمية الاتفاق مع السلطة، فقد رسخ قديماً مبدأ أن كل مرحلة من مراحل الحياة الاجتماعية تحتاج في شكل أساسي إلى البركة الإلهية. فلا يمكن اختيار مغارة لقضاء الليل، ولا يمكن تشييد مدينة، ولا يمكن أن تتحرك الجنود إلى الحرب، من دون نيل علامات الرضا من الآلهة أولاً، ومن ثم كان اتحاد العرش والمذبح لا غناء عنه. وكثيراً ما كانت تتمثل، وتتحد مهام الرئيس، والكاهن في الشخص ذاته، وإذا حدث غير ذلك كان يتم تحالف بينهما، يدعم كلا الطرفين، من جانب السلطة المدنية بواسطة إجراءات تشريعية تقوي مكانة الكاهن، ومن جانب السلطة الدينية من خلال تعاليم مقدسة تقدس مهمة القائد والزعيم. وبلغت هذه العملية ذروتها من خلال تطورين في الثقافات والحضارات كافة: تأليه الحاكم، وفكرة الحساب بعد الموت. إن أروع فقرات هذا الكتاب فقرة كتبها المؤلف تحت عنوان «عدو على المقاس أو تفصيل»؛ ويذكر فيه أن هذا العامل النفسي، الذي يعطي للأمر بعداً ثقافياً، يتم استثماره من جانب الرؤساء في المقام الأول، لتقوية التماسك الداخلي. فعندما تبدأ مشكلات داخلية في الظهور، وتلوح في الأفق علامات السخط، ويُخشى من العصيان والتمرد، فإن الدواء الشافي يكمن في التخويف من تهديد يأتي من الخارج. وكلما تمَّ تجسيد وتضخيم التهديد بفن وحرفية، دخل اللاتسامح الحقيقي في اللعبة، وتدخل فوبيا الخوف من الأجنبي الساحة، وتتم المبالغة في هذه الفوبيا كلما بدت الحاجة إلى الدفاع والنجاة واهية ومشكوكاً فيها.

ولدعوة الشعب ليؤدي ضريبة الدم، ولإقناعه بأن «الموت من أجل الوطن شرف»، ولإعطاء مبرر قوي للحرب، يلزم رسم صورة بشعة للعدو قدر الإمكان. فالاستعداد للحرب عند القدماء كان يبدأ بإبراز مشروعيتها، التي تؤكدها الطقوس التي تتساوى مع اتهام يوجه إلى العدو. هكذا كانت طقوس الأعياد الرومانية التي تشبه صراعاً حقيقياً. فالكون كله، آلهة، ونباتات، وحيوانات، وبشراً، كان يُدعى ليكون شاهداً على أن العدو على خطأ، أي شرير، وكان الجزء الأخير من الطقوس يكمن في كسر غصن من نبات العناب، وعندما كان يتم كسره يصطبغ باللون الأحمر، ويتم قذفه نحو أرض العدو (رمز لإلقاء اللوم والذنب عليه) بالصيغة المقدسة: «إذا كان لجوئي إلى السلاح غير صحيح، فدعائي على نفسي أن لا أرى وطني ثانية». وفي ندوة نظمتها جامعة هارفارد حول موضوع «حل النزاع»، بدأ أحد المشاركين حديثه بهذه القصة: «سأل أحد المكتشفين عجوزاً من قبيلة إفريقية عن الخير والشر من وجهة نظره، فأجابه بقوله: إذا هاجمت قبيلتي القبيلة المعادية وسَبَت نساءها، وأنعامها، فهذا عمل خير، أما إذا هاجمت القبيلة المعادية قبيلتنا، وسبت نساءنا وأنعامنا، فهذا عمل شرير».

فالأنظمة الدكتاتورية هي أنظمة عسكرية، وتجعل من كره العدو، ومن ثم من الخصال الحربية، شغلها الشاغل وأساس شعبيتها. فبالنسبة إلى هتلر، لم يكن فقط اليهود أو الغجر، ولكن أيضاً السلاف، بالتالي الروس: «تحت مستوى البشر»، يجب قهرهم من دون هوادة. وفور بدء «عملية برباروسا» التي تخرق تحالف ريبنتروب- مولوتوف، التي كانت تجعل من الاتحاد السوفياتي «العدو البلشفي»، أسرع الفوهرر بإعلان أن هذه الشعوب كان يمكن أن تُستعبَد، أو يتم استئصالها بلا رحمة.

ولم تبتعد الفاشية «الأكثر إنسانية» عن هذه القاعدة، ففي أثناء الحرب العالمية الثانية - يقول المؤلف: «كنتُ أدرس في المدرسة الابتدائية في روما (بدأت كابن للذئبة التي أرضعت ريمو، ورومولو مؤسسي روما حسب الأسطورة، وترقيتُ في المؤسسة الفاشية)، وما زلتُ أذكر الرسوم الملوَّنة في كراساتي التي كانت تخصص لهذا العميل الإنكليزي أو ذاك (على سبيل المثال الأدميرال نيلسون الذي كان يعلق الوطنيين في نابولي على أعواد المشانق)، وتحت هذه الرسومات كُتبت واحدة من العبارات «التاريخية» لبينيتو موسوليني وبحروف جميلة: «لا يمكن خوض الحرب من دون كره العدو». ويصف إيتالو كالفينو، الذي يكبرني بنحو عشر سنوات، تجربته كطليعي في مدينة منتونة، وتقع في ما وراء الحدود، في أرض كان يطلق عليها قبل ذلك الشقيقة اللاتينية، والآن هي واحدة من الأعداء الجدد: «يا أولاد – يقول الضابط للشباب الذين ينتشرون عبر المدينة المهجورة التي تم غزوها فور إعلان الحرب، والتي تم نهبها من قبل القوات الفاشية- لا يجب أن ننسى، أن هذه مدينة مفتوحة، وأننا المنتصرون. فكل ما هو موجود ملكٌ لنا، ولا أحد يستطيع أن يقول لنا شيئاً».

أما حكومات البلاد الحرة والديموقراطية، فلها وسائل أقل وحشية، وأكثر نعومة وتطوراً، ولكنها لا تتردد هي الأخرى في وصف أي موقف متفاهم جداً تجاه «العدو» بأنه ضد الوطن، والذي ينسحب شيئاً فشيئاً على أي شخص لا يتقاسم معنا أسس طريقتنا في الحياة. ويضيف: «إن مسؤولية التعذيب في العراق، على يد العسكريين الأميركان والبريطانيين (كي أذكر فقط أوضح مثال في التاريخ الحديث) يمكن أن نرجعها تقريباً إلى أعلى درجة في سلم القيادة، ولكنها تعود في جزء منها على الأقل إلى الدعاية التي تهدف إلى تبشيع صورة الخصم، وتصويره على أنه شيطان، ومن ثم فلا يكفي فقط سجنه، بل التعذيب يصبح وسيلة مقدَّسة، مثل محاكم التفتيش تماماً. ولاختراع وتضخيم تهديد العدو بصورة ملائمة، وتعبئة الجماهير ضده عند النقطة الصحيحة، أي النقطة التي لا يكون فيها أي تردد في التضحية بالحياة، وانتهاك حرمة «لا تقتل»، فلا يكفي أن يكون لدى القادة كاريزما وأدوات دعاية ومهارة في تزييف المعلومات فحسب، بل يلزم أن تكون هناك شحنة أيديولوجية هائلة تستطيع أن تجعل الأوامر العسكرية بمثابة أوامر إلهية، أي يلزم أن يكون هناك دائماً يقينٌ مطلق!