مصر تعتبر «الجماعة الإسلامية» إرهابية والتعامل مع عناصرها يحدده سلوكهم

الأقصر حيث ارتكبت الجماعة مذبحة في سياح.
القاهرة – أحمد رحيم |

باغتت السلطات المصرية التيار الإسلامي بإدارج «الجماعة الإسلامية» وقادتها في الخارج والداخل ضمن لوائح الإرهاب، وفقا لحكم قضائي صدر في تشرين الأول (نوفمبر) الجاري، بناء على طلب من النائب العام المستشار نبيل صادق، بعدما تلقى مذكرة من جهاز الأمن الوطني التابع لوزارة الداخلية تُشير إلى إحياء الجماعة نشاطها المُسلح.


القرار كان بمثابة الحجر الذي أُلقي في مياه الجماعة الراكدة، فمنذ عزل الرئيس السابق محمد مرسي وإطاحة جماعة «الإخوان المسلمين» عن الحكم في مصر في منتصف العام 2013، لم تطل الجماعة كتنظيم أي إجراءات عقابية من السلطة، رغم انخراطها في «تحالف دعم الشرعية» المؤيد لمرسي، الذي توارى منذ سنوات. وتعاملت الدولة مع قيادات في الجماعة فرت إلى الخارج ودعمت العنف بشكل منفرد، وعلى أساس شخصي.

وقادت «الجماعة الإسلامية» موجة من العنف والإرهاب ضرب مصر في الثمانينات والتسعينات، راح ضحيتها الرئيس السابق محمد أنور السادات ومئات السياح وأفراد الشرطة والمدنيين.

وفي منتصف التسعينات من القرن الماضي، أعلن قادة الجماعة الإسلامية في السجون مبادرة من جانب واحد لوقف العنف وتسليم سلاح الجناح العسكري للجماعة، وأقروا مراجعات فقهية لنبذ العنف، أثمرت عن وقف الهجمات الإرهابية والتخفيف على الموقوفين من الجماعة في السجون، الذين تم إطلاقهم تباعاً بعد تأكد أجهزة الأمن من تراجعهم عن العنف. وبعد ثورة 25 كانون الثاني (يناير) من العام 2011، أُطلق بقية قادة الجماعة الذين رفضوا «مبادرة وقف العنف» من السجون، وهؤلاء دعوا إلى ترك العنف بعد أن رأوا أن الطريق ممهد لاعتلاء الإسلاميين الحكم.

وبعد إقصاء جماعة «الإخوان المسلمين» عن الحكم تم توقيف أعضاء في الجماعة، ولكن على ذمة اتهامات بالتظاهر المصحوب بالعنف، وكلها كانت قضايا ضد جماعة «الإخوان المسلمين» بالأساس. وزاد إدراج الجماعة على لوائح الإرهاب تعقيد موقف حزب «البناء والتنمية»، الذراع السياسية للجماعة، الذي يواجه خطر الحل، بعدما أرجأت محكمة الشهر الماضي النظر في قضيته إلى شباط (فبراير) المقبل، بناء على طلب لجنة شؤون الأحزاب حله وتصفية أمواله، كونه يضم بين قياداته مُدانين بالإرهاب.

ونشرت الجريدة الرسمية في مصر حيثيات حكم محكمة جنايات القاهرة بإدراج الجماعة وعشرات من قياداتها على لوائح الإرهاب لمدة 5 سنوات، وشملت اللائحة 164 اسما أبرزهم طارق الزمر ومحمد شوقي الإسلامبولي ومصطفى حمزة (موقوف) ورفاعي طه (قُتل في سورية).

وقالت مذكرة لقطاع الأمن الوطني في وزارة الداخلية قُدمت للمحكمة في أيلول (سبتمبر) الماضي إنه ورد إليه معلومات عن أنه في أعقاب ثورة 25 كانون الثاني (يناير) من العام 2011 قام العديد من قيادات وأعضاء الجماعة الإسلامية بالعدول عن مبادرة وقف العنف، وأعلنوا تمسكهم بأيديولوجية التنظيم التي تبرر أعمال العنف والإرهاب وتدعو إلى تكفير الحاكم بدعوى عدم تطبيقه الشريعة الإسلامية ووجوب الخروج عليه باستخدام القوة المسلحة وصولاً لإقامة الدولة الإسلامية، الأمر الذي دعا قيادات الجماعة وأعضاءها إلى معاودة نشاطهم التحريضي مستغلين الانفلات الأمني في البلاد خلال تلك الفترة، لافتة إلى أن الجماعة استقطبت عناصر جديدة لصالح أيديولوجييها، وأسست «ميليشيات عسكرية» في العام 2012 تحت مسمى «اللجان الشعبية» لمواجهة مؤسسات الدولة، فضلاً عن تسليح عدد من أعضاء الجماعة وتنظيم عروض عسكرية لهم في الوجه القبلي وخصوصا في محافظة أسيوط (جنوب مصر). وأكدت مذكرة قطاع الأمن الوطني ارتباط العديد من قيادات وأعضاء الجماعة بالتنظيمات الإرهابية في مختلف دول العالم ومنها تنظيم «القاعدة» الإرهابي فضلاً عن انضمام بعض كوادر الجماعة لـ «تحالف دعم الشرعية» الموالي لجماعة «الإخوان» الإرهابية في تركيا.

وأضافت أن الإجراءات التي طالت عدداً من كوادر وعناصر لجان العمليات النوعية التابعة لتنظيم «الإخوان الإرهابي» في محافظات مصر، والتي أدت إلى إجهاض مخططات الجماعة العدائية، تلاها اضطلاع كوادر «الجماعة الإسلامية» بعقد عدة لقاءات تنظيمية مع قيادات تنظيم الإخوان في تركيا اتفقوا خلالها على إعادة إحياء تنظيم «الجماعة الإسلامية» بأن وضعوا مخططاً مؤداه تصعيد نشاط الجماعة التحريضي والتخريبي ضد مؤسسات الدولة المهمة والحيوية ورموزها وصولاً للسيطرة على مقاليد الحكم بالقوة.

وقال القيادي السابق في الجماعة الإسلامية الدكتور ناجح إبراهيم لـ «الحياة» إن هذا الإدراج «توسع ضار وغير مفيد ويؤدي إلى اللبس في أذهان الناس في مفهوم الإرهاب. حين يجدوا آلافا من عناصر الجماعة التي صُنفت إرهابية يعيشون بينهم خصوصا في الصعيد، فهذا يُخل بمفهوم الإرهاب لديهم».

وأضاف إبراهيم: «جماعة الإخوان التي أدرجت على لائحة الإرهاب لم تتبن مبادرة لوقف العنف، ولا راجعوا أفكارهم، ولا أقروا بأخطائهم، لكن الجماعة الإسلامية نفذت أمورا غير مسبوقة. أقرت بعملياتها وكانت أول جماعة تسلم أسلحتها وتحل جناحها العسكري طواعية. أول جماعة تغير فكرها كاملا وتكافح من أجل ذلك».

لكن إبراهيم رأى أن الجماعة الإسلامية ارتكبت أخطاء بالتزامن وبعد عزل مرسي، لكن تلك الأخطاء لا تُبرر الإدراج على لوائح الإرهاب. وقال: «كان ينبغي ألا تنجر الجماعة إلى المشاركة في «تحالف دعم الشرعية» المؤيد لمرسي، ولا يشارك قادتها بخطب تحريضية على منصة اعتصام رابعة العدوية، لكن في النهاية من انجرف وراء الإخوان في الخارج بضع أفراد». وأضاف أن قائد الجماعة الآن الشيخ أسامة حافظ «تغلب عليه الكلاسيكية» في الأداء، ليس مُغامرا مثل قائد الجماعة السابق كرم زهدي الذي غامر في الحرب مع الدولة والسلم معها أيضا. وقال إبراهيم، الذي قاد فكر المراجعات في الجماعة: كان الأجدر بالجماعة عدم الانضمام لتحالف الإخوان أو على الأقل الانسحاب منه وفصل أعضاء الجماعة الذين يعارضون النظام بسراشة من خارج مصر.

وأضاف إبراهيم: «البعض ارتكب أخطاء تُدخله دائرة التطرف في الفكر والخصومة، لكن ليس الإرهاب ... لا أحد في الجماعة شارك ولا رفع سلاحا منذ تبني المبادرة في العام 1998».

وأوضح أن هناك حيرة واستغرابا بين قيادات وعناصر الجماعة بعد الإدراج على لوائح الإرهاب، لكن حتى بعد القرار كل قادة الجماعة الإسلامية يقولون إنه لن يثنينا عن فكر مبادرة وقف العنف، مضيفا: «هناك تساؤلات عن تبعات القرار، خصوصا أن عشرات من بين المدرجين على قائمة الإرهابيين مقيمون حتى الآن في منازلهم، ولم يفروا، لكن هناك قلقا... هؤلاء الناس معروفون للأهالي وللأمن أيضا»، لافتا إلى أن عناصر في الجماعة تتلقى استدعاءات للجهات الأمنية كل فترة وتُلبيها دائما. وسأل: «هل يؤدي القرار إلى ملاحقة عناصر في الجماعة فيفر الباقون؟... خلاصة تجربتي أن الفرار هو بداية العنف والإرهاب. حين يفر المرأ قد يُقدم على ما لم يكن يقبله وهو في منزله. الفرار معناه العودة للعمل السري».

لكن إبراهيم يتوقع ألا يترتب على هذا الإدراج إجراءات. وقال: «المواءمة الأمنية دقيقة. الأمن المصري دقيق وماهر جدا ويحفظ الجماعة عن ظهر قلب، ولن ينزلق إلى أية خطوة تُكدر الوضع الحالي. هذا القرار سيُدخر لدى الدولة، إذا حدث أي تطور سلبي من الجماعة الإسلامية». وأوضح أن الجهات الأمنية لم توقف المدرجين على اللائحة التي أعلنت ومن بينهم مسؤولو الجماعة في محافظات في الصعيد. وقال: «أرى أن الأمن المصري لديه خبرات كبيرة جدا للتعامل مع القرار».

واستدعى إبراهيم مواقف نائب رئيس أمن الدولة السابق اللواء الراحل أحمد رأفت، الذي تولى ترتيبات إدماج الجماعة في المجتمع بعد إعلان مبادرتها في التسعينيات. وقال إبراهيم، وهو مُنظر فكر المبادرة، «قال لي اللواء أحمد رأفت إنه لابد من مشاركة 3 أجيال من الأمن والجماعة في تلك المهمة. قيادات من مباحث أمن الدولة ورتب وسطى في وزارة الداخلية وضباط من رتب صغيرة في مباحث أمن الدولة وفي الجانب الآخر قادة الجماعة المركزيين وقادة الصف الثاني الميدانيين وبعض من عناصر الجماعة... كان هدفه ترسيخ فكر مبادرة وقف العنف بين تلك الأجيال لضمان بقائها حتى لو رحل أصحاب فكرها».

وأضاف إبراهيم: «قرار إدراج الجماعة على لوائح الإرهاب لن يُفعل إلا إذا أخذت خطوة سلبية وهذا لن يحدث لأنها تملك تجارب وإدراكات تحول بينها وبين العنف... الجماعة تكره العنف وفكر التكفير الآن».

لكن مذكرة قطاع الأمن الوطني التي دفعت في اتجاه صدور حكم قضائي بتصنيف الجماعة الإسلامية تنظيما إرهابيا أشارت إلى أن تكليفات نُقلت من قيادات الجماعة في الخارج إلى الداخل بإعادة النشاط المُسلح، ودمج كل الخلايا المتطرفة تحت راية «الجماعة الإسلامية»، وتم تكوين 7 خلايا عنقودية في محافظات في الصعيد بهدف تصعيد الهجمات العدائية، لافتة إلى أن قيادات في الجماعة فارة في قطر وتركيا تولت توفير الدعم المالي لشراء الأسلحة والمتفجرات بهدف تنفيذ هذا المُخطط، على أن تتولى قيادات في الجماعة إلحاق عناصرها في معسكرات القتال في خارج مصر بهدف التدريب ثم العودة لتنفيذ هجمات.

وقال مصدر مسؤول مُطلع على ملف الجماعة الإسلامية لـ «الحياة» إن التحرك الأخير في مواجهتها لم يأت من فراغ ولا هو وليد الساعة، لكن الأمر استغرق متابعة مستمرة منذ عامين رُصدت فيها توجهات ناحية التطرف من قبل عناصر في الجماعة الإسلامية، لافتا إلى تشكيل خلايا متطرفة في الصعيد، فضلا عن أن السعي إلى إحياء نشاط الجماعة المُسلح، والتخطيط لتنفيذ هجمات إرهابية تستهدف قوات الأمن رُصد منذ العام 2016، إذ تم تحديد 18 شخصا بينهم 3 من قيادات الجماعة في محافظة المنوفية في الدلتا و 11 عضوا في الجماعة و 4 جنائيين سعوا إلى «إنشاء تنظيم سري يتخذ من أفكار تنظيم الجماعة الإسلامية التي تبرر أعمال العنف والإرهاب أيديولوجية له». وأوضحت أن التنظيم يتزعمه قيادي في «الجماعة الإسلامية» في المنوفية يُدعى إبراهيم علي السيد (فار)، وهو محامٍ. وموقوف من عناصر هذ التحرك 6 متهمين.

وذكرت تحريات قطاع الأمن الوطني التابع لوزارة الداخلية عن القضية، التي أطلعت عليها «الحياة»، أن «تلك الخلية من خلايا «الجماعة الإسلامية»، وتم إنشاؤها كـ «تنظيم سري إرهابي» بتكليف من القيادي في الجماعة الإسلامية إبراهيم علي، وهي نوع من تفعيل لنشاط «الجماعة الإسلامية» السابق منذ السبعينات». وأوضحت أن «الغرض من تأسيس تلك الخلية هو العمل على إحياء نشاط «الجماعة الإسلامية» المُسلح، وارتكاب أعمال عنف وأعمال إرهابية ضد النظام.

وقالت تحريات قطاع الأمن الوطني إن المتهمين من مركز قويسنا في محافظة المنوفية وهم «انضموا إلى «تنظيم الجماعة الإسلامية». وأفادت التحريات بـ «استمرار قناعة القيادي في الجماعة الإسلامية إبراهيم علي السيد إبراهيم بالعديد من الأفكار الجهادية والتكفيرية المتمثلة في تكفير الحاكم ووجوب الخروج عليه، وتكفير العاملين بالقوات المسلحة والشرطة، وتكفير المسيحيين، ووجوب المشاركة في حقول الجهاد في الداخل والخارح». وأكدت التحريات أن تلك العناصر «أخفت بمحال إقامتهم كميات من الأسلحة والذخائر والمواد المتفجرة لتنفيذ مخططهم العدائي». وذكرت أن القيادي في الجماعة الإسلامية طارق الزمر الفار في الخارج هو من كلف إبراهيم علي بتشكيل تلك الخلية بهدف تنفيذ هجمات تستهدف قوات الأمن، على أن تتولى قيادات الإخوان في الخارج تمويل نشاطها.