رئيس جمعية مصارف لبنان لـ"الحياة": نقارب تداعيات العقوبات الأميركية على إيران و"حزب الله" بوعي

مصرف لبنان. (تويتر)
بيروت – دانيال الضاهر |

ينظر القطاع المصرفي اللبناني إلى العقوبات الأميركية ضد إيران و"حزب الله"، بـ "أعلى درجات المسؤولية"، وفق ما أكد رئيس جمعية مصارف لبنان جوزف طربيه في حديث إلى "الحياة"، وقال "نقارب تداعياته وانعكاساته بكل وعي وإدراك". وذكّر بأن على رأس الهرم المصرفي "تقف سلطة نقدية وضعت تعاميم وتعليمات وإجراءات لتأمين الانضباط المالي بما يحصّن القطاع المصرفي، من خلال مراقبة أدائه وكيفية ممارسة مهماته".


وشدد على أن المصارف "تلتزم في الأساس عدم التعامل مع لوائح الأسماء والجهات المدرجة في لوائح العقوبات الأميركية، وآخرها مندرجات قانون HIFPA، لحماية أموال المودعين وتجنيب القطاع أية خضات". وأعلن أن الجمعية "تواكب باستمرار التطورات على هذا الصعيد، حفاظاً على سلامة المصارف واستمرار سلاسة تعاطيها مع الأسواق الدولية".

ويزور وفد من الجمعية نيويورك نهاية هذا الشهر في إطار تحرّكها الخارجي القائم منذ سنوات، وأوضح طربيه أن هذه الزيارة "لا ترتبط بأي أحداث أو تطورات آنية، فهي مبرمجة سابقاً وذات طبيعة دورية، وتجري بالتعاون مع مكاتب استشارية ومجموعة دعم أميركية في مراكز القرار التشريعي والتنفيذي والمالي". وأكد "أهمية وضع المسؤولين الأميركيين في أجواء التطورات المهمة، التي يشهدها لبنان بالنسبة إلى التشريعات المالية والمصرفية والتعاميم التنظيمية الصادرة عن مصرف لبنان، فضلاً عن التزام منظومة شفافية البيانات وجبه التهرّب الضريبي حول العالم".

وأشار إلى أن "هذه الزيارة المهمة تندرج في إطار التحرّك الخارجي للجمعية منذ سنوات، لتعزيز التواصل مع أهم المراجع والهيئات المالية والمصرفية في العواصم الدولية، والمصارف الأجنبية المراسلة للبنوك اللبنانية، لا سيّما لجهة إبراز جهود الجهاز المصرفي ممثلاً بالسلطات النقدية والرقابية والبنوك، لتفعيل أداء القطاع المالي والمصرفي في مكافحة الجرائم المالية والإرهاب والحدّ من التهرّب الضريبي".

وأكد أن مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب بتطبيق القواعد والأنظمة الدولية واحترام سيادة القرارات الدولية وقوائم العقوبات، "كانت وستظلّ التزاماً راسخاً من جانب مصارفنا، لأن الأولوية المطلقة عندنا هي لسمعة مصارفنا ولحماية زبائننا وخدمة اقتصادنا". ولفت إلى أن الجمعية "بادرت الى تطوير حملات تواصل في الأسواق الدولية الرئيسة، وتحديداً في واشنطن ولندن وباريس وغيرها، تهدف إلى كسب التأييد والدعم لحماية النظام المالي اللبناني وتعزيز العلاقات السليمة والنزيهة مع المصارف المراسلة، لأن للعلاقات مع البنوك المراسلة أهمية حيوية، بالنسبة الى صناعتنا المصرفية المحلية واقتصادنا".

واعتبر أن "الأهم بالنسبة إلى لبنان تكرار المرجعيات الدولية المعنية بما يشمل المؤسسات المالية الدولية ووكالات التصنيف والبنوك المراسلة، التنويه بأداء القطاع لجهة التزامه الكامل والدقيق بأصول العمل المصرفي السليم، وبآليات الامتثال وتطبيق القواعد والعقوبات المتعلّقة بمكافحة تبييض الأموال والإرهاب والتهرّب الضريبي". ولم يغفل أيضاً أنها "تثني على الحِرفية المهنية العالية التي أظهرتها المصارف في هذا المجال، وأمّنت استمرار اندماج القطاع المصرفي اللبناني بسلاسة في النظام المالي العالمي وانسياب تعاملاته في شكل طبيعي مع الأسواق المالية الإقليمية والدولية".

وعن قراءته لما ورد في التقرير الأخير للبنك الدولي الذي تحدث عن "تحديات متزايدة وارتفاع إطار الأخطار، وعدم فائدة بعض اﻷدوات اﻟﺘﻲ ﻳﺴﺘخدﻣﻬﺎ اﻟﻤﺼﺮف المركزي التي ستنفذ بعد سنوات من التطبيق، وما مدى خطورة الوضع الاقتصادي والمالي كرئيس لجمعية المصارف، قال طربيه "لا يمكن تجاهل التحديات والأخطار التي يواجهها لبنان منذ سبعينات القرن الماضي، والتي لا تزال تتمثل حتى اليوم بتراكم الأخطار السياسية والاقتصادية والمالية ناهيك عن اهتزاز الأمن الاقليمي". ورأى أن "تقارير البنك الدولي تندرج ضمن هذه المناخات، وتعبّر عن اهتماماته بالوضع اللبناني، من خلال وجوده المباشر في بيروت وشراكته التواصلية مع لبنان واقتصاده، والتي توجّها أخيراً خلال مؤتمر "سيدر 1"، بالتزامه تقديم 4 بلايين دولار لفترة خمس سنوات". وأشار إلى أن المجتمع الدولي "توافق مع الحكومة على استراتيجية تنشد الفاعلية المتوخاة عبر التوأمة بين خطة الاستثمار والإصلاحات الهيكلية الضرورية". لذا شدد على ضرورة أن "تتقدم الاستثمارات والإصلاحات في شكل متواز، وتحديداً ما يعود منها إلى الإصلاح المالي والشروع في تنفيذ التزام الدولة خفض عجز الموازنة العامة من 10 في المئة إلى 5 في المئة خلال 5 سنوات".

وضمن موجبات هذه الشراكة، "نفهم البُعد الإيجابي في عمليات رصد الاقتصاد الذي تصدر نتائجه دورياً عن البنك الدولي وصندوق النقد وأبرز وكالات التصنيف". ولم يغفل أن هذه المؤسسات تمثل "مرجعية تسلط الضوء على نقاط القوة، وتنبه في الوقت ذاته الى المشاكل القائمة وامكان تحولها إلى معوقات، تؤثر مباشرة في ارتفاع مستويات الأخطار". وأوضح أن هذا التقويم "غالباً ما يتفق مع رؤى القيادات الاقتصادية وتحليلات الخبراء ومؤسسات الأبحاث المحلية، خصوصاً لجهة الضغوط المتولدة عن عدم انتظام أعمال المؤسسات والتأخير المتمادي في بدء ورشة الإصلاح من خلال المرجعيات التشريعية والحكومية، والأهم ما يتعلق بالمالية العامة لجهة تفاقم عجز الموازنة وازدياد كلفة القطاع العام، بالتوازي مع التداعيات الناجمة عن سوء تقدير المفاعيل الناتجة عن الزيادات الضريبية المستجدة، والتي ساهمت في كبح النشاطات الاقتصادية في فترة ركود متواصلة".

وفي السياق ذاته، أكد تفهمه "الاستنتاج الأحدث لإحدى وكالات التصنيف الدولية، وفيه أن لبنان بين الدول التي تواجه ضغوطاً سوقيّة وعجزاً في الموازنة والميزان التجاري"، لافتاً إلى "تمركز معظم شرائح الديْن لدى مكتتبين محليين، ما يساعد في احتواء الأخطار". لكن لاحظ أنها "اعتبرت أيضاً اندراج لبنان ضمن الدول ذات الوضع الإئتماني الذي سيتأثر أكثر بزيادة كلفة الاقتراض نظراً إلى مستوى الدين العام المرتفع، والقدرة الضعيفة على تحمّل كلفة الاستدانة الباهظة". وذكر أنها صنّفته أيضاً "ضمن الدول الأكثر عرضة لارتفاع علاوات الأخطار وتلك التي سجّلت النمو الأكبر في الهوامش".

وعن تأثر الاقتصاد بمعدلات الفوائد المرتفعة على الليرة، وعن فترة استمرار هذه السياسة، شدد طربيه على "ضرورة التنبه أولاً إلى أن الفوائد المدينة والدائنة بأي عملة وفي أي بلد يعتمد حرية القطع والتحويل، تتوّلد من معطيات سوقية بحتة، يدخل في احتسابها التصنيف السيادي والنظرة المستقبلية والوضع الداخلي العام، ونشاط الاقتصاد ووفرة الموارد والاستثمارات الوافدة. يُضاف إلى ذلك مرجعيات الفوائد المعتمدة في الأسواق الدولية، وفي مقدمها ليبور وفوائد العملات الأساسية وعائدات سندات الديْن الأميركية، وعوامل أخرى". وقال "في حالة لبنان، تداخلت استراتيجية الاستقرار النقدي مع العوامل السوقية، وأصبحت جزءاً منها، وحكماً يزيد الثقل النوعي لهذا العامل في حالات التوتر الداخلي وفي أجواء "الغموض" مثل التي سادت في مقاربة الملف الحكومي وما رافقه من تعقيدات". ولم يغفل أيضاً "تزامن المشاكل ذات البعد الداخلي، مع ارتفاع مطرد في منظومة الفوائد على العملات الكبيرة وفي سوق السندات الأميركية، وأيضاً مع تشديد العقوبات السيادية على ايران، بما ينتحه من ارباكات في مجمل الأسواق وعلى اسعار السلع والمواد الأولية والنفط والذهب".

وأفاد بأن متوسطات الفوائد المرجعية التي تعممها جمعية المصارف "سجلت تغييرات جزئية تتماشى مع التطورات في الأسواق الناشئة والعالمية، بل تقلّ أحياناً عما هو سائد في أسواق مجاورة وأكثر استقراراً على الصعيد السياسي". أما بالنسبة إلى بعض البرامج الادخارية ذات العائدات الأعلى، فهي "تعتمد معادلات خاصة بكل منها، والأساس فيها اطالة آجال جزء من شرائح الودائع من "تحت الطلب" والشهري لتصبح موزعة بمتوسط يزيد على 5 أشهر، مع ربط مساهمتها بتخفيف الضغوط السوقية عن النقد الوطني عبر اشتراط تحويلها من وديعة محررة بالدولار".

وأضاف "هكذا نحن نتحدث أيضاً عن أوضاع استثنائية ناتجة عن التأخر في تأليف الحكومة اللبنانية، في ظل مناخ ضاغط بسبب المخاوف من تأثيرات قانون العقوبات الأميركية الجديد على "حزب الله"، والخلافات السياسية الداخلية وتأثيرها على الحركة الاقتصادية بما يكبح تدفق الاستثمارات الخارجية". وهذا "يعني ببساطة، أن تبدل المعطيات بدءاً من الملف الحكومي وانسياب أموال "سيدر1 " والشروع بالاصلاحات المطلوبة، سيكفل إعادة تصحيح منظومة الفوائد الدائنة والمدينة، كما سيعيد الاعتبار الى أسعار الأوراق المالية العائدة إلى السندات الحكومية والخاصة".