«ما بعد الحداثة»... هيمنة مغايرة على دول العالم الثالث

فرنسوا ليوتار.
عبدالكريم الحِجراوي |

يسلط كتاب «ليوتار والوضع ما بعد الحداثي» (الهيئة العامة لقصور الثقافة- القاهرة)، الضوء على جان فرنسوا ليوتار؛ الذي يعد صاحب شأن كبير في الكشف عن أبعاد هذه الحركة الفكرية، بخاصة في كتابه «الاقتصاد الشهواني» (1971) وكتاب «حالة ما بعد الحداثة» (1979). وكتابه «الوضع ما بعد الحداثي» يعتبره الكثيرون البيان النظري الأول للحركة التي لا يجمعها اتجاه واحد، وإن كانت تنتظمها خصائص مشتركة. ويتناول كتاب «ليوتار والوضع ما بعد الحداثي»؛ وهو من تأليف نخبة من الباحثين بإشراف الدكتور أحمد عبدالحليم عطية، مشروع ليوتار ويفنده ويقارن طرحه مع أطروحات أخرى ظهرت في الغرب، استقاه منها؛ سواء الكانطية أو الهيغلية أو الماركسية أو النتشاوية...إلخ. ويبرز الكتاب في الوقت نفسه ما في فلسفة ليوتار من تناقضات أحياناً، وعنصرية في أحيان أخرى. كما يسعى للكشف عن جوانب هذه الفلسفة الساعية إلى تسليع كل شيء حتى الثقافة بمبدأ الأداء الذي يطرحه ليوتار رافضاً فيه تقييم المعلومة بمعايير الحقيقة والكذب، والعدل والظلم، وإنما على الفاعلية لجهة هل يمكن استخدام أو الاستفادة من المعلومة أم لا، وهل هي فعالة أم غير فعالة، وما مدى إمكانية جني الأرباح من ورائها.


ومن المعروف أن فلسفة ما بعد الحداثة نابعة من التجربة التي مرت بها دول الغرب، ومتبنوها أشغلوا بقضايا تخص واقعهم الغربي وثقافتهم وحماية مصالحهم الاجتماعية، والبحث عن سبل للحفاظ على تقدمهم على حساب دول العالم الثالث. وظلَّ «ما بعد الحداثة» مصطلحاً عصياً على التحديد الدقيق، فليوتار يستخدم «الوضع ما بعد الحداثي»، ويُنقَل عن إيهاب حسن قوله: «إذا وضعنا أهم المفكرين الذين ناقشوا المفهوم في غرفة واحدة، ثم أضفنا الإرباك الملازم للمفهوم، وأغلقنا الغرفة، وألقينا بالمفتاح بعيداً، فلن يحدث اتفاق بين المناقشين، بل سنجد خيطاً من الدماء يبدو أدنى عتبة الغرفة». وليوتار قال كذلك إن كتاب إيهاب حسن «أدب الصمت» نبَّهه إلى أهلية مفهوم ما بعد الحداثة. ويقول جينكس عنه أيضاً: «إيهاب حسن هو مَن جعل مفهوم ما بعد الحداثة أكثر استقراراً».

والأسبني فيدريكو دي أونيس هو أول مَن استخدم مصطلح «ما بعد الحداثة» في كتابه «مختارات من الشعر الإسباني والإسباني الأميركي» (1934). ومن ثم فإن هذا المصطلح نشأ في حضن النقد الأدبي، ثم وُظِفَ في حقول معرفية أخرى كالفلسفة والاجتماع والسياسة والتحليل النفسي واللغويات والدين. وفي سبعينات القرن الماضي استُخدم المصطلح في شكل أوسع، بخاصة بعد التغيرات السياسية التي طرأت على الساحة الفكرية الفرنسية نتيجة لانتفاضة الطلبة في أيار (مايو) 1968، والتي تعاطف معها ليوتار. وألَّف ليوتار في السبعينات عدداً من الكتب التي أسهمت في إرساء قواعد هذه الحركة. وفي الثمانينات استمر إنتاج مفكري هذه الحركة، فتنامى هذا المفهوم وتداخلت معه مصطلحات أخرى، مثل «ما بعد التصنيع»، و»ما بعد الاستعمار»... إلخ.

ويكشف كتاب «ليوتار والوضع ما بعد الحداثي» الاختلاف بين المفكرين في الغرب حول إذا ما كانت «ما بعد الحداثة» تمثل مرحلة قائمة بذاتها لها مقوماتها ومقتضياتها الخاصة؛ أم أنها مجرد استمرار لمرحلة الحداثة رغم ما طرأ عليها من تغيرات. فيصنف لميرت المفكرين من منطلق ما بعد الحداثة إلى ثلاث فئات؛ الأولى الراديكاليون ومنهم ليوتار وإيهاب حسن، وهم يعتبرون الحداثة شيئاً ينتمي إلى الماضي وأن الوضع الثقافي الراهن لا يحتمل مقولاتها. والفئة الثانية الاستراتيجيون مثل ميشيل فوكو وجاك دريدا؛ وهؤلاء يجعلون الخطاب أساساً لتحليلاتهم ويرفضون القيم الشمولية أو الكلية. والفئة الأخيرة وهم الحداثيون المتأخرون؛ مثل هابر ماس وجيمسون، وهم يتخذون موقفاً نقدياً من الأنساق الشمولية الكبرى، ولكنهم لا يرفضون الحداثة.

الفئة الأخيرة ترى كل ما أنتجه فكر ما بعد الحداثة خطاباً فلسفياً حول الحداثة، فهابرماس مثلاً يشير إلى أن نقد تيار ما بعد الحداثة للحداثة الغربية ليس هو الأول من نوعه، بل سبقته خطابات كثيرة حولها ترجع إلى هيغل الذي قدم أول تشخيص فلسفي للحداثة، فتفرع منه اتجاه يميني وآخر يساري. أما نيتشه، فهو أول من بدأ هذا النوع من النقد الشامل للحداثة، وبالتالي يعد المفكر الأساسي الذي اقتدى به هذا التيار.

وتقدم الباحثة منى طلبة في الكتاب الذي يتألف من 300 صفحة، نقداً واعياً لما بعد الحداثة، مقارنةً ليوتار بريكور؛ وهو أحد أهم المنتمين إلى تيار «الفلسفة التأويلية». وهنا تكشف طلبة النزعة العنصرية في مشروع ليوتار الذي يسعى بمقتضاها إلى تقسيم العالم الجديد إلى ثنائية البلاد الأكثر تطوراً تكنولوجياً في مقابل العالم النامي الحكائي الأقل تطوراً والحفاظ على هذه الثنائية، بعدم السماح لهذه الدول بأن تكون في مصاف الدول المتطورة، وجعلها سوقاً لما تنتجه الدول المتقدمة من تكنولوجيا، بأخذ أموالها، واستقطاب المبتكرين من الدول النامية إليها. وبناء على ذلك لم يعد المشروع الحداثي الاستعماري في حاجة للانتقال إلى بلدان العالم الثالث للاستفادة من ثرواتها الخام، بل امتصاص عقولها وأموالها لصالح مشروعه التكنولوجي المعلوماتي، ليعيد بيعه من جديد، بالإضافة إلى استعمار للاوعي من خلال تصنيع الثقافة وتقديمها كسلعة لا فيزيقية غير قابلة للقياس من طراز الوحدات المعلوماتية أو منتجات التسلية أو سائل الإعلام.

ورغم أن المشروع الما بعد حداثي يرفض الحكايات أو الأيديولوجيات الكبرى قائماً على ما هو علمي وليس حكائياً؛ إلا أن مشروع ليوتار الما بعد حداثي؛ كما ترى طلبة، يناقض نفسه حين يصفه بأنه إنتاج لحكايات براغماتية مبعثرة، أي أنه يمتلك حكاية كبرى مثل مشروع الحداثة إلا أنها مبعثرة. كما أن ليوتار يناقض نفسه حين يقول أن الما بعد حداثة ليست لها هوية، لكنه حين يتحدث عن المجتمعات الأكثر تطوراً يتبناها بصيغة المتكلم: «نحن أنفسنا في الغرب»، مثبتة بذلك أن الذات الما بعد حداثية لها هوية وليس كما ادعى ليوتار أنها براغماتية لا تحدها غايات كبرى، أو أنها ذاتٌ تضع حدود فلسفتها وغاياتها في إطار هوية الغرب ككل، الذي يميزه لفظ التفضيل «الأكثر تطوراً». وتلفت طلبة إلى أن ليوتار يؤسس بحكاياته المبعثرة في الما بعد حداثة لسياسة الكيل بمكالين، محرراً البلاد «الأكثر تطوراً»، من أي التزام مبدئي بقضايا ومشكلات البلاد «الأقل تطوراً» التي كانت مستعمراتها في الماضي، إلا في إطار نفعي يتوافق مع مصالحها، وجعلها زبوناً دائماً لما تنتجه من تكنولوجيا، سعياً إلى تفريغ هذه البلاد من حكاياتها بالقدر الذي يسمح للنفوذ الغربي المعلوماتي من النفاذ إليها لملء الفراغ الثقافي من دون وعد بنقلها إلى «الأكثر تطوراً، وإنما بالتلويح الدائم لها بهذا الإمكان، ما يجعل هذه البلاد المتخلفة في حالة ثابتة معلقة بين تخلخل الهوية والتطلع للنموذج الغربي الذي لن تسمح لها بنيله. وترى طلبة أن مشروع ليوتار في النهاية هو برنامج تعليمي وكأنه تقرير استراتيجي لصانعي القرار السياسي في الغرب من أجل تفادي أزمة الحداثة.