علاقة الرئيس المصري بوسائل الإعلام... بين التأييد والتوريط

الرئيس عبدالفتاح السيسي مع اعلاميين. (موقع المصري اليوم)
القاهرة – هبة ياسين |

أضحت عادة سنوية أن يلتقي الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بممثلي وكالات أنباء ووسائل إعلام عربية وأجنبية، إضافة إلى عدد من رؤساء تحرير مطبوعات مصرية قومية وخاصة. وأقيمت جلسة على هامش أعمال وفعاليات النسخة الثانية من «منتدى شباب العالم» الذي انعقد في مدينة شرم الشيخ (جنوب سيناء) في الفترة من 3-6 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، ليكون اللقاء الثاني بين الرئيس والإعلام الأجنبي، إذ انعقدت الجلسة ذاتها على هامش فعاليات النسخة الأولى من المنتدى.


وامتد اللقاء الذي أداره المذيع عمرو عبدالحميد نحو ساعتين، حرص خلالها الرئيس على تدوين الأسئلة والملاحظات ثم الإجابة عنها متطرقا إلى قضايا محلية وعربية ودولية والعلاقات العربية العربية والأمن القومي العربي والأزمات في المنطقة. اتسم الحوار بالشفافية وإفساح المجال أمام الأسئلة الشائكة، التي أجاب عنها الرئيس دون مواربة.

وحل «الإعلام» على رأس أبرز القضايا التي تناولتها الجلسة، كما تطرق النقاش إلى الإعلام الأجنبي وتناوله للأوضاع الداخلية المصرية. وأوضحت ردود الرئيس السيسي نظرته للإعلام الأجنبي والمحلي، كما كشفت عن متابعته لغالبيتها والفجوة بين السلطة والإعلام المحلي. وكانت المملكة العربية السعودية حاضرة خلال اللقاء بقوة، إذ استفاض السيسي في الحديث عن العلاقات الوثيقة بين مصر والمملكة، كما تطرق إلى أزمة مقتل جمال خاشقجي والدور السلبي الذي لعبه الإعلام في مسار القضية والتي استبقت التحقيقات.

السيسي والإعلام المصري

وأثارت تساؤلات مديرة مدير مكتب «بي بي سي» في القاهرة صفاء فيصل - حول وسائل الإعلام المصرية «التي خاصمت ثقافة التعددية» إشكالية علاقة الرئيس بالإعلام لاسيما المحلي الذي طالما وجهت له الاتهامات أنه «إعلام الصوت الواحد» الناطق باسم السلطة دون سواها، وجاءت المفاجأة حينما كشف الرئيس عدم رضاه عن المحتوى قائلا: «ليت كان هناك إعلام الصوت الواحد وليتهم ينقلون أحاديثي ويجعلونها محور نقاشهم، وتقديم الصوت المخلص والشريف والواعي». لافتا إلى أنه لا يريد إعلاما مؤيدا له بل مؤيد لمصر وأمنها واستقرارها.

لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يظهر خلالها الرئيس شكواه من الإعلام، بل سبقتها مرات عدة خلال لقاءات وكلمات مختلفة، بينها حين صرح بأن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر كان محظوظا بإعلامه الذي سانده». وأخرى عندما انتقد الرئيس الإعلام واتهمه بالإضرار بالمصالح المصرية من دون قصد عبر نشر معلومات مغلوطة، بينما ساهمت بعض وسائل الإعلام في إساءة علاقة مصر مع بعض الدول الصديقة. فيما وجه الرئيس خلال شهر كانون الثاني (يناير) الماضي رسالة للإعلاميين مطالبا إياهم بضرورة التحقق مما يقولونه ويذيعونه، كي ينقلوه إلى المواطن البسيط بلغة يفهمها.

السيسي والإعلام الأجنبي

وفي شأن الإعلام الأجنبي طالب السيسي خلال لقائه ممثلي الإعلام الأجنبي بضرورة الإنصاف في عرض القضايا المصرية، مشددا على أنه لا يطالب بتأييد سياساته بل العرض والمناقشة بموضوعية وفق وجهة نظر مصرية وليس أوروبية، والتي لا تتناسب أو تتوافق مع الظروف والحالة المصرية وما مرت به خلال السنوات الأخيرة، ودعا السيسي إلى استضافة خبراء ومسؤولين حكوميين لعرض معلومات وبيانات حقيقية.

وأسفر ذلك عن إعلان رئيس الهيئة العامة للاستعلامات ضياء رشوان عن عقد لقاء أسبوعي مع ممثلي وسائل الإعلام الأجنبية، ما يعد بادرة إيجابية.

واعتبرت مدير مكتب «بي بي سي» في القاهرة صفاء فيصل أن لقاء الرئيس السيسي ممثلي الإعلام الأجنبي فكرة جيدة للغاية ومؤشر على الاهتمام بالتواصل مع هذا القطاع. وأضافت في تصريحات إلى «الحياة»: «كانت المرة الأولى التي ألتقي بها الرئيس واتسمت ردوده بالصراحة والتناول الإيجابي، ما سمح لي بالتعليق أكثر من مرة على إجاباته. رغم أن السؤالين اللذين قمت بطرحهما سببا قدرا من التوتر لدى البعض بسبب صراحتي في طرحهما، فالحديث عن قيود مفروضة على الإعلام تحول دون القيام بمهمته أو الحديث عن أن المراقب للمشهد الإعلامي المصري يشعر أنه صوت واحد هو صوت السلطة لم يرق للكثيرين بالتأكيد. ومع ذلك أظن أن خلق حوار حول هذه القضايا مهم جدا ويصب في مصلحة الجميع».

وحول توقعاتها في شأن أن يثمر هذه اللقاء عن تقارب وتنسيق مع الإعلام الأجنبي أوضحت «أتصور أنه سيكون هناك الكثير من التحرك في الفترة المقبلة ويتم التعاطي بشكل أكثر جدية مع الإعلام الأجنبي. لاسيما أن الرئيس قال إنه يتابع وبشكل دقيق وسيلة إعلامية دولية مثل بي بي سي وهي إشارة إيجابية. وعقب اللقاء تم التجاوب معي شخصيا مع عدد من الوزراء والمسؤولين المصريين الذين أبدوا استعدادا للتواصل مع BBC والرد على تساؤلاتنا وهو ما اعتبرته بادرة إيجابية وإشارة على تعامل بناء مع وسائل الإعلام الأجنبية العاملة في مصر خلال المرحلة المقبلة.

وحول اتهام الإعلام الأجنبي من قبل بعض الأصوات المحلية نوهت «اعتدنا على مثل هذه الاتهامات سنوات طويلة وأفضل رد عليها هو التمسك بالمهنية والحياد، وهي المبادئ التي بنت عليها «بي بي سي» تاريخها في الصحافة. وعندما ألتقي الزملاء العاملين في حقل الإعلام المحلي في جلسات خاصة لا أسمع منهم سوى الاشادة والاحترام وهذا يعني أن ما يخرج في العلن ليس بالضرورة عن قناعة. ومع ذلك لا أخفي أنني أشعر بالألم عندما يتهمني البعض أو يتهم أحدا من زملائي بالخيانة أو العمالة. وهذا ما تحدثت عنه إلى الرئيس في سؤالي الثاني لأن الاختلاف في الرأي مع الأسف يقابل بالتشكيك والتخوين، وأتمنى أن يكون الانتقاد للإعلام الدولي مهنيا وليس سياسيا».

ولفتت إلى أن «الرئيس المصري قال في معرض رده على أسئلتي أنه يتوقع من الوزارات والدوائر الرسمية أن تخصص مستشاريين إعلاميين للتحاور مع الإعلام المحلي والخارجي. هذه بداية جيدة ومبشرة، إذ نسعى في «بي بي سي» دوما للحصول على الصورة الكاملة ومن المفيد أن يكون لدينا حوار مثمر مع جميع الأطراف حتى يكون المحتوى متكاملا. وأتمنى أيضا أن يترفع الزملاء في الإعلام المحلي عن الهجوم على زملائهم في الإعلام الدولي ويتعاملوا مع الاختلاف في الرؤى بشكل ناضج ومهني.

ومن جانبه اعتبر مدير مكتب سكاي نيوز عربية في القاهرة سمير عمر (أحد حضور الجلسة) أن التزام الرئيس عبدالفتاح السيسي بلقاء ممثلي وسائل الإعلام الأجنبية في موعد دوري هو سُنة محمودة، إذ أجريت العام الماضي وتكررت هذا العام، وأضاف في تصريحات إلى «الحياة» نرجو أن تتكرر هذه العادة لتكون أكثر من مرة في العام، لافتا إلى أن الرئيس تحدث من دون خطوط حمراء وأجاب عن كل ما طرح من أسئلة من دون محاذير، وأعطيت الفرصة لكل من أراد السؤال من وسائل الإعلام الأجنبية».

وأوضح عمر أن «غاية كل مؤسسة حكومية أو نظام سياسي أن يكون على علاقة جيدة بوسائل الإعلام حتى يتمكن من طرح وجهة نظره وأفكاره ورؤاه فيما يدور حول العالم، فكلما كانت هناك جسور ممتدة بين ممثلي الحكومات وممثلي وسائل الإعلام كان الوصول السريع إلى معلومة دقيقة وسريعة، ما يصب في مصلحة الطرفين، سواء المؤسسات الإعلامية أو الدولة التي تريد أن تبقي الشعب على اطلاع بما تقوم به، وقبل ذلك وبعده مصلحة الرأي العام الذي يهمه أن يحصل على المعلومة بشكل دقيق وسليم من مصادرها الأصلية».

بدوره قال رئيس تحرير الأهرام ويكلي (الناطقة بالإنكليزية) عزت إبراهيم لـ «الحياة» ثمة مكاشفة وصراحة جرت خلال هذا اللقاء، إذ أجاب الرئيس عن الأسئلة الحرجة ومنها الحديث عن مسألة الصوت الواحد في الإعلام ولم أتوقع الإسهاب في الرأي وإصدار تعليمات بشكل فوري لهيئة الاستعلامات المصرية لتنظيم لقاءات مع الصحافيين والمراسلين الأجانب وهي خطوة جيدة لابد من استثمارها».

وحول الأدوات القوية التي يمكن من خلالها التواصل مع الإعلام الخارجي قال إبراهيم «ينبغي أن يكون الاتصال المباشر بين المؤسسات والوزارات والمراسلين في القاهرة والرد على أي استفسارات خاصة بالسياسة العامة المصرية، فهذا من شأنه أن يشكل فارقا كبيرا، ويلعب دورا مؤثرا في بناء الصورة عن مصر وسياستها الداخلية، لاسيما أن المراسلين عانوا خلال فترات سابقة من التهميش وعدم الاكتراث بهم والنتيجة كانت خلق مناخ غير مواتٍ بين الدولة في مصر والإعلام الخارجي».

وأشار إلى أن فكرة التواصل مسألة مهمة ولابد أن يكون هناك تعاون احترافي عبر نشرات دائمة ومواد ترسل خصيصا إلى المراسلين الأجانب في شأن الأوضاع الداخلية المصرية وليس فقط الاستفسارات في القضايا السياسية المباشرة لكن أيضا ما يخص الاقتصاد وتطورات القوانين والتشريعات وما شابه ذلك».

وحول انتقاد الرئيس وسائل الإعلام المصرية وكونها لا تعبر عما يقول بدقة وهل جاء هذا النقد في محله يرى إبراهيم أن «ثمة أزمة تشوب تناول الإعلام المصري القضايا التي تخص الشأن العام في مصر، فالإعلام المصري سواء الصحافة أم التلفزيون في حاجة إلى إعادة بناء القدرات من أجل أن يكون مواكبا للتغيرات على الساحة المصرية الداخلية فهناك كثير من السطحية خلال معالجة القضايا الداخلية، وعدم القدرة على جذب القارئ وهو ما يتضح من مؤشرات توزيع الصحف». ولفت رئيس تحرير «الأهرام ويكلي» إلى أن عملية إعادة البناء تشمل إعادة بناء قدرات الصحافي والإعلامي لاسيما أنهما أساس العملية الصحافية، وتحتاج الفترة المقبلة إلى التركيز حول المحتوى، ولن يتم إحراز تقدم في هذا الصدد دون إعداد وتأهيل الصحافي، وهذا التأهيل سيتأتى في ظل مناخ أكثر انفتاحا، متمنيا تحقيق ذلك في ظل حدوث تغييرات في الهياكل سواء الجهات التنظيمية أو هيئات تنظيم الإعلام والصحافة».

هيئة الاستعلامات تستعيد التواصل مع الإعلام الأجنبي

تسعى هيئة الاستعلامات المصرية منذ تولي رئاستها ضياء رشوان في حزيران (يونيو) 2017، إلى إحداث تغيير في نهج وسياسات الهيئة، إذ انقطعت عن أداء مهامها في التواصل مع ممثلي وسائل الإعلام الأجنبية في مصر، ما أسفر عن هوة سحيقة بين السلطة المصرية ووسائل الإعلام الأجنبية، لكنها عادت لتباشر دورها السابق عبر التواصل مع المراسلين. بعد اكتشاف أن أكثر من 70 في المئة من المواد السلبية المنشورة عن مصر في الخارج مصدرها المراسلين الأجانب المعتمدين في مصر، وبدأت الهيئة عملا مهنيا عبر توفير كل التسهيلات الممكنة لضمان حرية أداء عملهم، وبدأت الهيئة في متابعة التقارير والأخبار السلبية عن مصر ومدى اتباع المنهج والمهنية الصحافية ومنها تقارير صادرة عن «بي بي سي» و»هيومان رايتس ووتش»، ووكالة «رويترز» التي قامت بسحب تقارير مغلوطة صادرة لها حول سير العملية الانتخابية في آذار (مارس) الماضي، كما تحرص على إصدار تقارير دورية بشأن الوضع السياسي والاقتصادي في مصر وأنشطة الرئيس وزياراته الخارجية.

ومن جانبه أكد رئيس الهيئة ضياء رشوان أن مصر أولت اهتماما كبيرا في السنوات الماضية بعمل المراسلين الأجانب وتسهيل مهامهم لتوضيح ما يجري من أحداث وتطورات خاصة الاقتصادية منها للرأي العام العالمي، حيث يتزايد عدد المراسلين الأجانب في القاهرة من عام لآخر، إذ بلغ عددهم العام الماضي 1200 مراسلا، بينما يعمل في القاهرة هذا العام 1350 مراسلا معتمدا لدى المركز الصحافي التابع للهيئة، كما يستقبل المركز الصحافي ما لا يقل عن 20 وفدا أجنبيا زائرا شهريا من مختلف دول العالم تأتي بريطانيا و»بي بي سي» في مقدم الدول ووسائل الإعلام الأجنبية التي تهتم بتطورات الأحداث في مصر.