بعد وقف النار في غزة.. القاهرة تعاود جهودها للتهدئة والمصالحة

من مشاهد القصف الإسرائيلي على غزة. (رويترز)
القاهرة - محمد الشاذلي |

ماذا بعد وقف العدوان على غزة بتدخلات دول عدة في مقدمها الجهد المصري الواضح, الذي ثمنته كافة الفصائل الفلسطينية, خصوصاً حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والتي أكدت في بيان رسمي: «الدور المصري الدؤوب»؟. بعد وقف النار عاد الحديث مجدداً عن المصالحة من جهة وعن هدنة مسلحة طويلة مع إسرائيل, وهي الصفقة التي تشتمل على كثير من التفاصيل, والتي كادت أن تتحقق في الأسابيع الأخيرة.


وبدا واضحاً أن القاهرة تعود بقوة إلى الملف الفلسطيني على المحورين الرئيسين, هما اللذان غلبا على أوراقه في الآونة الأخيرة , المصالحة والتهدئة.. فقد زارت وفود مصرية في جولات مكوكية, الضفة الغربية وغزة وإسرائيل أخيراً, لبحث الملفين الشائكين, ومحاولة إيجاد ثغرة للنفاذ من خلالها..

والقاهرة على قناعة بأن الطريق إلى موقف فلسطيني قوي لن يصل إليه أحد إلا عبر السعي نحو تحقيق الوحدة الداخلية وإنهاء ملف الانقسام، وأن المصالحة تؤدي حتماً إلى ضمان حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف. والأولوية لدى الراعي المصري هي الحفاظ على قطاع غزة باعتباره جزأً لا يتجزأ من الكل الفلسطيني، وأن مسألة غزة, ليست قضية إنسانية أو اقتصادية, بقدر ما هي قضية سياسية وقانونية، وأن المصالحة وترتيب البيت الفلسطيني لهما دور فاعل في إخراج القضية الفلسطينية من ارتباكاتها.

ويؤكد وزير المفاوضات السابق حسن عصفور أن من البديهيات أن مصلحة الشعب الفلسطيني العليا تتطلب تحقيق المصالحة الفلسطينية، وأن استمرار الشقاق هو مصلحة إسرائيلية عليا لمشروعها التهويدي الاستعماري.. ويتساءل كيف تتم المصالحة وسط اتهامات أطرافها لبعضهم البعض بالخيانة الوطنية, وليس فقط بالخلاف السياسي.. وقال لا يمكن تحقيق المصالحة بين «أطراف خائنة», ولا يمكن تحقيقها ما لم تتقدم هذه الأطراف، باعتذار علني للشعب الفلسطيني عما فعلت.. وشدد عصفور على أن جميع الأطراف في مأزق, مشيراً إلى المأزق الإسرائيلي الحالي الناجم عن استقالة وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان والمطالبة بانتخابات مبكرة على خلفية وقف الحرب على غزة. وكذلك فإن الرئيس عباس لا يستطيع أن يوقع اتفاقاً يضع شرط حل الميليشيات المسلحة في مواده, بينما يقدم خدمات أمنية لإسرائيل ولأميركا. ونصح عصفور الرئيس عباس بأنه لا مجال للربط بين مباحثات المصالحة وسلاح الأجنحة العسكرية. ويؤكد عصفور أن القاهرة تعمل في كل الاتجاهات لإنقاذ الموقف الأمني وتحقيق التهدئة والوصول إلى المصالحة التي ترعاها, وتسعى بكل أريحية لضمان عدم خسارة السلطة الوطنية والاقتراب من حماس بكل المصارحة والمكاشفة المطلوبين لعملها السياسي والأمني.

وقال إن مصر تتعامل الآن مع حماس باعتبارها شريكاً سياسياً, وأشار إلى مشاركة وفد مخابراتي رفيع المستوى في حفل تأبيني في غزة لمن سقط في عملية شرق خان يونس أخيراً. وقال إن القاهرة تدرك مدى الخطورة الناجمة عن عدم تحقيق المصالحة ربما أكثر من الأطراف نفسها, لأن القضية الفلسطينية في مواجهة واحدة من أسوأ فتراتها في ظل تربص إسرائيلي وأميركي لاقتناص أي فرصة لتحقيق مكاسب على حساب الشعب الفلسطيني..

ولا ينخدع عصفور من خطاب التضخيم في نتائج العدوان الأخير على غزة, فالعويل على الجانب الإسرائيلي يستهدف النيل من رئيس الوزراء نتنياهو وتحالفه, ومن ذلك وصف ما جرى لإسرائيل بأنه انهزام, هؤلاء هم خصوم نتنياهو. أما في حماس والجهاد فقد طالب الفصيلان بعدم الذهاب بعيدا في تصديق الإعلام العبري, مع كل تقديره لجهود المقاومة. ودعا عصفور إلى تقييم حقيقي لما حدث وتقديم رؤية جادة ومسؤولة يمكن التعاطي معها والاستفادة مما تصل إليه, في صفقة التهدئة التي تساعد مصر على إنضاجها.

ملف المصالحة يراوح مكانه منذ اتفاق تشرين أول (أكتوبر) 2017, ولكن المراقبين يرصدون مستجدات يمكن باستثمارها الولوج في الملف أو عمل اختراق واضح فيه, وأن ذلك يعتمد على الإرادة السياسية. ما يجعل عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية أستاذ العبري الحديث بجامعة الإسكندرية الدكتور أحمد فؤاد أنور يصف المشهد بالثابت والمتجمد على مدى عشر سنوات, ويقول إن الحل واضح, لكنه يعتمد على التجرد والمشاركة والاحتكام لرأي الشارع الفلسطيني. ويقول أنور إن هذه قواعد ثابتة لحلحلة أي أزمة بين أشقاء, بينما لا يضير أن يكون في العائلة من ينتمي لهذا الفصيل أو ذاك. ومن المفترض أن الناس تتوحد عند الخير المشترك والخطر المشترك, وبالتالي من الغريب أن يبقى الانقسام كل هذه المدة, عشر سنوات, هي عمر الانقسام وجهود المصالحة أيضاً.

لكن عن أي مستجدات إذن نتحدث.. يلاحظ أنور أن المستجدات تتلخص في إرادة سياسية مصرية لحسم هذا الملف ورأب الصدع, بآليات الاستخبارات التي اختبرتها سابقاً, لكن هذه المرة تتحرك الاستخبارات المصرية بصلاحيات أوسع, وثقة أكبر, فضلاً عن خبرة طويلة, ومجال للمناورة أكثر متاحة للراعي المصري للمصالحة. وفي المقابل عد تنازلي لصفقة القرن, على الأبواب, وهناك صيغ مصرية وفلسطينية يجري تقديمها, وعلى كل الأحوال وأياً كان الموقف من الصفقة, لابد من الاستعداد لها, والحاجة هنا لـ»صف» فلسطيني موحد, ولمن يتحدث بصوت واحد باسم الشعب الفلسطيني, وليس المفاوض من غزة, والمفاوض من الضفة. ولاحظ أنور أننا أمام تدخل سياسي مصري أكبر وأقوى, وثقة من الرئيس السيسي في فريق الاستخبارات بإمكانية إتمام وتنفيذ المصالحة.

وأشار إلى وجود متغير لدى حركة المقاومة الإسلامية, قائلا: إن «حماس» أخيراً تقدم نفسها في ثوب جديد, ما يجعل رؤية الفروق مع «فتح» تحتاج إلى عدسة مكبرة, فقد أعلن الرئيس السابق للمكتب السياسي خالد مشعل عام 2017 عن مطالبة حماس بدولة فلسطينية على أراضي الضفة وغزة وعاصمتها القدس على خطوط الرابع من حزيران (يونيو). وهذا الموقف بدوره مستجد, وأقرب للأذن الأميركية, طالما حافظت حماس على الهدنة وعلى الوضع في غزة, من دون ضغوط وابتزاز وتجاوزات ضد مصر. ولنلاحظ أن هناك تغيراً واضحاً, فقد بات هناك انضباط للحدود مع مصر وتعاون وإدانة للعمليات الإرهابية التي تقع في أي مكان في مصر, ورغبة لدى الفصائل في إنجاز صفقة التهدئة. وقال إن القاهرة تستشعر الدفء والمصداقية والجدية في التفاوض ومحاولات لتجاوز الجفاء من قبل الرئيس الفلسطيني أبو مازن, خصوصا بعد محاولة اغتيال رئيس الحكومة الفلسطينية في غزة. وأكد أنور أن القاهرة تسعى لتجاوز هذا الانقسام, كما أن الفصائل كافة أودعت ملف المصالحة في اليد المصرية بعيداً عن أجندات الدوحة وأنقرة وطهران.

وأكد قاضي قضاة فلسطين ومستشار الرئيس محمود الهباش عدم وجود خلاف بين الفلسطينيين على ضرورة إنهاء الانقسام على الأقل من جهة منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة والقيادة الفلسطينية, وقال: بحكم أن حماس هي الطرف الذي بدأ الانقسام ويصر على إبقائه, فلن يتحقق هدف إنهاء الانقسام إلا بقناعة أو التزام من حماس بإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الانقسام الأسود. وشدد على عدم وجود نية على قبول حالة من التقاسم الوظيفي مع حماس في قطاع غزة, وقال: إنه على حماس أن تسلم كل شيء للحكومة وفقاً لاتفاق 12 تشرين أول (أكتوبر) 2017, وأن تمكن الحكومة في كل الميادين الأمنية والمعابر والوزارات وكل شيء. إن القبول بمبدأ وجود سلطتين فوق الأرض وتحت الأرض, تدير وأخرى تحكم, هذا منطق أعوج, ولابد أن تطبق حماس ما تم الاتفاق عليه, وبعد ذلك نذهب إلى انتخابات رئاسية وتشريعية لكن في هذه المرحلة لابديل أمام حماس سوي تسليم كل المرافق والوزارات والأمن والشرطة والمعابر والجباية المالية.

ويرى الهباش أن هذه تكون البداية الحقيقية, ويقول إن مصر لم تغير دورها برغم تعاقب كل الأنظمة منذ عهد مبارك والمجلس العسكري وفي ظل حكم الإخوان, وبقيت إلى اليوم محافظة على دورها ونحن مازلنا نصر على قيادة مصر لهذا الملف منذ عشية الانقلاب عام 2007, مذكراً بأن ذلك أيضاً كان موضع اتفاق عربي وخرج به قرار من مجلس جامعة الدول العربية.

وشرح الهباش: الموقف كالتالي تتولى الحكومة كل الشأن العام, المال, الإدارة, والأمن, ثم أن حل مشكلة من تم تعيينهم من قبل حماس فهناك لجنة, والحكومة ستدير الملف, لكن حماس تريد أن تقبض الثمن قبل أن تسلم البضاعة. ولذلك أقول سلموا الحكومة لتقوم بما هو منوط بها بما في ذلك مشكلة الموظفين وهؤلاء من أبناء الشعب الفلسطيني, من تستوعبهم الحكومة سوف يستمرون, ومن لا تستوعبهم سوف يتم تسكينهم في وظائف أخرى. هذا الملف حجر عثرة ولكنه جزئية فرعية, أما الأساس فهو بينة النظام السياسي.

ولكن ما الذي يمنع حماس؟. رد الهباش: يمنعها أنها لا تريد, لا يوجد لديها إرادة لإنهاء الانقسام على مدى أكثر من عشر سنوات كل مرة تخترع ذريعة مختلفة, حماس تقول إنها قامت بالانقلاب بسبب محمد دحلان وجماعته, وهو الآن خارج النظام السياسي الفلسطيني. وتقول سلاح المقاومة, فمن يقول إن السلطة تريد نزع السلاح, بينما الفصائل المسلحة يمكن أن تكون جزءاً من الجيش الوطني. ويؤكد: بالإمكان وجود حلول خلاقة لكل مشكلة, هي تبحث عن ذريعة وآخرها الموظفون. قالوا بحكومة توافقية من خارج الفصائل وتم ذلك بالفعل.. وأضاف: منذ شهر حزيران (يونيو) سنة 2014 وحماس تماطل في تسليم حكومة التوافق أي مسؤولية وتخترع الحجج والذرائع.. لأنهم ببساطة لا يريدون.

وأوضح الهباش أن القيادة الفلسطينية الآن في مرحلة بلورة ورقة تتضمن مجموعة من النقاط للتعامل مع كل من: ملف الاشتباك مع إسرائيل, ملف الولايات المتحدة, وملف الوضع الداخلي بما فيه حماس. وإذا قبلت حماس بتنفيذ اتفاق القاهرة 2017 وطبقت المخرجات على الأرض ستكون جزءاً من النظام السياسي, وإذا رفضت عليها أن تتحمل كل التبعات والمسؤوليات. وقال إن الاتصالات المصرية مع كافة الأطراف لم تتوقف لبلورة موقف وتعلمنا ألا نبيع جلد الدب قبل صيده, وإذا كانوا على استعداد أن يقدموا رؤية لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه سنكون أكثر مبادرة منهم.

تعاني الحالة الفلسطينية من انقسام ويؤكد خبراء أن مصر حاولت التدخل لترتيب البيت الفلسطيني في منعطفات عدة, في زمن الزعيم ياسر عرفات وبعد رحيله, وعقب انتخاب أبو مازن رئيساً عام 2005. ودعت مصر كل الفصائل في آذار (مارس) من عام ٢٠٠٥ للاتفاق على ترتيب البيت الفلسطيني..

ويعود أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس والقيادي بتيار الإصلاح الديموقراطي الدكتور أيمن الرقب إلى العام 2005 وإلى أن الرئيس أبو مازن أصر على إجراء انتخابات برلمانية وهو يدرك أن فتح ستخسر الانتخابات لعدة معطيات, وطالبنا تأجيلها لمدة عام حتى ترتيب بيتنا الفتحاوي وألا يسمح لأي فصيل أن يشارك في الانتخابات دون الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية. وقال إن أبومازن أصر على إجرائها بحجة أن الأميركان يضغطون عليه, ولاحقاً كشفنا أن هذا الموقف الأميركي كان لتجربة حكم الإخوان في المنطقة العربية ولتبدأ من فلسطين. ونتج عن الانتخابات فوز حماس واعتماد أبومازن ٣٢٠٠ عسكري من أعضاء حماس شكلوا جهازاً كان يسمى التنفيذية ولم يوزعهم على أجهزة السلطة فأصبحوا نواة عسكرية لحماس بشكل شرعي تنتشر في الشوارع في ظل ضعف أجهزة السلطة. وأشار إلى سقوط قطاع غزة وسيطرة حماس عليها في الخامس عشر من حزيران (يونيو) عام ٢٠٠٧ وأن أبو مازن لاحقاً حمل شباب وقيادات مسؤولية الهزيمة وعاقبهم رغم أنه هو الذي يجب أن يتحمل المسؤولية أولا وبعده الآخرون وبدأ بترتيب قوته في الضفة الفلسطينية وبناء أجهزة أمنية عقيدتها مبنية على التنسيق مع الاحتلال وحماية الرئيس فغابت الديموقراطية عشر سنوات بحجة الانقلاب.. ومن أجل إخماد أي صوت قد يعارضه رأى ضرورة ضرب أقوى عضو في اللجنة المركزية ألا وهو الأخ محمد دحلان الذي كان حليفه لسنوات وصوت فتح القوي داخلها وبذلك يكون تخلص من كل خصومه بضربة واحدة..

وكشف الرقب عن أن تيار الإصلاح الديموقراطي الفتحاوي والذي يقوده النائب محمد دحلان تحسس خطورة استمرار الانقسام الفلسطيني بخاصة أنه وزملاءه كانوا الخصوم الأساسيين لحماس وبذلك هم من يستطيعون الوصول لاتفاق مع حماس ففتحوا قنوات اتصال مع قيادات حماس الجديدة والذي كان جزء كبير منهم لم يشارك في انقلاب ٢٠٠٧ منهم مسؤول حماس بقطاع غزة يحيى السنوار وعقدوا في القاهرة عدة لقاءات في أيلول (سبتمبر) من عام ٢٠١٦ أفضت إلى تنفيذ تفاهمات للتخفيف على الشعب الفلسطيني وبالأخص في قطاع غزة وإنجاز ملفات عالقة أمام المصالحة ومن ضمنها ملف الدم(المصالحة المجتمعية) وقد تم رعاية المصالحة مع عائلات أكثر من مئة وأربعين شهيداً من ضحايا الانقلاب..

واعتبر الرقب هذه التفاهمات مع حماس وتيار الإصلاح دفعت أبومازن للتحرك تجاه القاهرة التي دعت فتح وحماس لسلسلة لقاءات نتج عنها البدء في تنفيد اتفاق القاهرة وشاركت كل الفصائل لاحقاً في هذه الاجتماعات وبدأ التفاؤل بأننا وصلنا للحظة إنهاء الانقسام وبدأت حماس بتسليم المؤسسات والوزارات لحكومة أبومازن .. والذي شعر أن الأمور قد تنجح ونذهب لانتخابات فلسطينية فبدأ بالعمل لوقف كل جهود للمصالحة بدءاً بالتحجج من ضرورة تمكين الحكومة في قطاع غزة من كل شيء حتى الهواء وحماس وجدت هذا الأمر يفيدها في الاستمرار في حكم قطاع غزة وبدأ أبومازن بتنفيذ سلسلة عقوبات على قطاع غزة بدءاً من تقليص نسبة الكهرباء وانتهاءً بخصم رواتب موظفي السلطة الذي التزموا بتعليمات أبو مازن ودافعوا عن شرعيته وحماس وجدت في هذا الأمر ضالتها فاستغلت الحالة الوطنية والثورة للشعب الفلسطيني في قطاع غزة ووجهت ثورته ضد الاحتلال وبذلك منعت الانفجار الداخلي.