إبراهيم الهجري: بين الأدب والوطن علاقة تقوم على التأثر والتأثير

من ندوة أدبي جازان
جازان – علي اللغبي |

نظم نادي جازان الأدبي ضمن البرنامج الثقافي الوطني «تحت أمرك يا وطن» أخيراً، الندوة النقدية «القيم الوطنية.. قراءات في الخطاب الشعري»، شارك فيها الأديب والناقد أحمد الهروبي والناقد الأدبي جبريل السبعي والناقد الأدبي إبراهيم الهجري، وأدارها محمد عاتي. وأكد الأديب والناقد أحمد الهروبي أن أهمية الخطاب الشعري تأتي حين ندرك أن الرسالة العادية تتوارى بمجرد إنجازها وتحقيق هدفها البلاغي، في حين نجد أن التفاعل الناتج عن خطاب الشعر هو تفاعل تاريخي يفارق الذاكرة السطرية، ليغدو قارا في الذاكرة التاريخية بفعل عامل الدهشة المتكون من القوى الكامنة في الخطاب الشعري المميز.


وقال الهروبي إن الشعر يصبح ذا قيمة من جهة المضمون حين ينتظم في المحامد والقيم والفضائل وترسيخ قيم المواطنة، وان واقع الشعر السعودي أخذ شكلا وسمة بارزة في التغني بالقيم الوطنية بدافع الانتماء لا بدافع الترزق بقناعة تفرضها مشاعر حب الوطن والولاء لولاة أمره يتجلى ذلك من خلال الآثار الفنية الهائلة التي جاءت لترسيخ المواطنة وتبرهن عليه القصائد والدواوين في هذا المجال، وأن القيم الوطنية في الشعر تنطلق من عقيدة راسخة مستشهدا بشعر حسان بن ثابت وموقف الإسلام منه في عهد النبي. واختتم الهروبي ورقته النقدية بأن الشكل والمضمون هما وجهان لعملة واحدة هي العمل الفني وأن المضمون الفكري من أول لحظة إلى آخر لحظة هو جزء من العمل الفني.

واعتبر الناقد الأدبي جبريل السبعي أن القيمة سمة من سمات النص، «فهي ذات طابع حسي يتعلق بالصورة الشعرية وما يتبعها من لغات وتقنيات، وفي هذه الحالة يتثمل الشاعر القيم الوطنية ثم يحولها إلى قيم شعرية». وتساءل السبعي عن كيفية تحويل القيم الوطنية إلى قيم فنية في النص الشعري مستدلا بدلالات الألوان، فاللون الأخضر يحضر في القصائد الوطنية السعودية صراحة أو تلميحا واللون الأخضر يرتبط بالطبيعة.

ويقول الشاعر أحمد البهكلي في اخضرار: هنا وطن الإيمان والوحي والمسرا/ هنا القبلة الغرا هنا القبة الخضرا». ويقول الحسين الحازمي: وطن يزهو وقلب يزهر.. أين منه العطر أين الزهر ووجوه لاح في بسمتها.. يقظة الفجر وحلم أخضر فقيمة الانتماء تتجلى في اختيار اللون الأخضر عبر الصورة الشعرية باعتباره رمزا للوطن، كما أن الحركة في القصائد الوطنية تتجه نحو الأعلى والحركة من مفردات الطبيعة التي يمكن التعبير بها». يقول موسى الشافعي: يمشي وقامته في الأرض مئذنة.. تمتد من هذه الدنيا إلى زحل». ويقول محمد مصطفى القدور: هو موطن للفخر شيده الألى.. وعلت بيارق عزة وتفاني».

كما يلاحظ ميل القصائد الوطنية إلى التعبير من خلال الصور الشمية يقول الحسين الحازمي: وطن يزهو وقلب يزهر.. أين منه العطر أين الزهر». ويقول البهكلي:

فماذرة في الكون إلا تعطرت.. بعطرك يا أرضي وما أطيب العطرا».

وقال الناقد السبعي إن الدراسات الطبية العصبية أوضحت أن الروائح أكثر المدركات الحسية ارتباطا بالذاكرة، «وهي تعبر عن قيمة الاعتزاز بالماضي المجيد»، موضحا أن القيم الوطنية في النصوص الشعرية «قد تحضر على نحو خطابي ومباشر فيحولها الشاعر إلى قيم جمالية تسم الصورة واللغة والإيقاع؛ فعندما يكون الوطن هو الأرض التي تقلنا والسماء التي تظلنا، تكون القيم هي قيم الوفاء والانتماء والاعتزاز».

أما الناقد والأديب إبراهيم الهجري فيرى أن العلاقة بين الأدب والوطن علاقة قديمة أزلية قائمة على التأثر والتأثير، «فالأديب يتأثر بعوامل بيئته والوطن يتأثر بما ينتجه الأدب، وثمة علاقة قوية بين الأدب والوطن المملكة العربية السعودية منذ توحيدها على يد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، وهي علاقة تعكس الوعي الوطني والقناعة والمنافحة، فأصبحت المواطنة كيانا أدبيا وشعريا وثقافيا وفكريا يتماهى مع كامل معاني الوطن فالخطاب الشعري السعودي عكس صورة التلاحم القوي بين الوطن والذات الشاعرة». وابتدأ الناقد من الجنوب مستشهدا بقول الشاعر حسن الصلهبي: يا سندباد هنا لنا وطن، لنا وطن مهاب/ فيه الندى لا يكتوي بالشمس، يلمع كالحباب/ وبه السحابة ظلها.. يخضر في عطش الهضاب».

ومن الجنوب إلى الشمال حيث الشاعر سلطان السبهان الذي يقول: وطني...كأن الغيم يفتح صدره/ لخطاك والآفاق تلبسك السنا/ يا قبلة الصوت المؤذن للتقى/ وحكاية الطهر المحلق بيننا». فالذات الشاعرة ترسم رؤيتها الاستشرافية لهذا الوطن وأن المجد للوطن، وفي الشرق يقول الشاعر حيدر العبدالله: وطن دون حوضه نتفانى.. وعن العيش فيه لا نتوانى رب حي عليه ظل شهيدا.. في هواه، ويومه ماحانا وشهيد له ومازال حيا.. بين أرواحنا وعبر دمانا فيتأسس هذا على بنيتي الحياة والموت إذ وظفهما الشاعر من أجل الوطن؛ فالحياة من أجل الوطن، والموت من أجل الوطن، فالذات الشاعرة لا تعبر عن فدائها الوطني من موقعها الفردي بل جاءت نائبة عن الذات الجمعية». ويمتد تطواف الناقد الهجري ليصل إلى المنطقة الغربية ممثلا بقول الشاعر عبدالله السفياني: من أين يا وطن الأضواء نبتدئ/ والنور لولاك.. يا معناه.. ينطفئ»، مشيرا إلى أن الذات الشاعرة هنا «تؤسس لمعنى الوطن من واقع رؤيتها فيكون الوطن الهوية وبها نستطيع أن نصل بين الماضي والحاضر والمستقبل». ويختم جولته الشعرية الوطنية بقلب الوطن وعاصمته إلى وسط الوطن الأخضر حيث الشاعر عبدالله الوشمي من خلال مقطوعة: سلام على وطني، سوف يبدأ بالعودة بالسندباد، سيحرق كل المطارات، لا دار غيرك يا وطني، أنت الذي سوف آوي إليه إذا ما دهتني رياح الزمن، مختتما ورقته النقدية بأن العلاقة بين الخطاب الشعري الوطني وبين الوطن علاقة تمازج فيكون الشعر وطنا للوطن، ويكون الوطن شعرا للشعر.

وشهدت الأمسية حضورا مميزا من أبناء وبنات الوطن، بدوره شكر رئيس نادي جازان الأدبي حسن الصلهبي النقاد الثلاثة ومدير الندوة وكرمهم النادي بهذه المناسبة، موضحا أن هذه الأمسية الأدبية ضمن منظومة الفعاليات الوطنية التي يقيمها النادي الأدبي في جازان تحت شعار تحت أمرك يا وطن.