اختبار انتخابي ينتظر الأحزاب المصرية في المحليات

الرئيس عبدالفتاح السيسي يقترع.
القاهرة – رحاب عليوة |

أخفقت الأحزاب المصرية على نحو غير مفاجئ في اختبار اقتراع الرئاسة المصرية في آذار (مارس) الماضي، إذ تعاني الحياة الحزبية في مصر ركوداً منذ عقود شهد طفرات عقب ثورة كانون الثاني (يناير) من العام 2011، وارتد إلى وضعه مرة أخرى، لذا لم يكن مفاجئاً أن تفشل الأحزاب وعددها يتجاوز نظرياً الـ100 حزب، في أن تقدم منافساً ذا ثقل أمام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، كما لم تكن محركاً أساسياً للمشهد الدعائي للمشاركة، والذي تصدرته آنذاك حملات شعبية «عشان تبنيها» «من أجل مصر». لكن وبعد نحو 10 شهور من اختبار الاقتراع الرئاسي هل يتغير المشهد في الاختبار المرتقب بانتخابات المحليات؟

ويتوقع إجراء انتخابات المجالس المحلية المختصة بمتابعة تنفيذ الأجهزة التنفيذية في المحافظات خطط التنمية، وتمتلك حق سحب الثقة من المسؤول التنفيذي، في مطلع العام المقبل.

وقبل الخوض في احتمالات تأثير وعدم تأثير الأحزاب في الانتخابات المحلية المرتقبة، يجب الإشارة إلى تغيرات شهدتها الساحة خلال الشهور الـ10 الماضية، فيما يتعلق بالأحزاب، بداية من انخراط المبادرات الشعبية التي انطلقت لدعم الرئيس في حزب «مستقبل وطن»، مروراً بتدشين «تنسيقية شباب الأحزاب» وهو كيان شبابي من أحزاب مختلفة انبثق من مؤتمرات الشباب تحت رعاية السيسي، وصولاً إلى حراك فيما يتعلق بالائتلافات الحزبية، إذ عقدت أحزاب مختلفة اجتماعات على مدار الفترة الماضية لبحث الاندماج أو الدخول في ائتلافات، وإن لم تسفر عن شيء حتى الآن.


أما المعارضة والمتمثلة في الحركة المدنية الديموقراطية، والمكونة من عدة أحزاب في مقدمتها الحزب المصري الديموقراطي الاجتماعي (يساري) وحزب الكرامة (يساري) وحزب الإصلاح والتنمية (ليبرالي وسط) ومجموعة من الشخصيات العامة والأكاديميين، فانزوت عن المشهد السياسي عقب الانتخابات، وكانت شهدت حراكاً طفيفاً قبلها، خصوصاً مع توجه الحقوقي وهو عضو الجبهة أيضاً خالد علي الترشح في الانتخابات (انسحب قبل غلق باب الترشح بعدة أيام)، علماً بأن إفطار للجبهة تعرض رمضان الماضي للاعتداء، وأرجعته آنذاك إلى مواقفها السياسية، فيما وصفه مصدر أمني بـ»شجار بين حراسهم الشخصيين».

وهكذا يتضح أن المشهد الحزبي شهد تغيرات لكنها «طفيفة»، فهل ترقى تلك التغيرات إلى مشهد انتخابي مغاير؟

وللإجابة، يجب الإشارة إلى أهمية الانتخابات المحلية المصرية المرتقبة، والتي بموجبها سيتم انتخاب مجالس في القرى والأحياء والمحافظات، تتولى مهمة الرقابة على الأجهزة التنفيذية في الحكومة، لمتابعة خطط التنمية، وحاجة المواطنين في المحافظات، فهي تعد حلقة الوصل بين المواطن والحكومة.

وينص الدستور المصري (صادر عام 2014) فيما يتعلق بدورها على أن المجالس المحلية «تختص بمتابعة تنفيذ خطة التنمية، ومراقبة أوجه النشاط المختلفة، وممارسة أدوات الرقابة على السلطة التنفيذية من اقتراحات، وتوجيه أسئلة، وطلبات إحاطة، واستجوابات وغيرها، وفي سحب الثقة من رؤساء الوحدات المحلية، على النحو الذي ينظمه القانون. ويحدد القانون اختصاصات المجالس المحلية الأخرى، ومواردها المالية وضمانات أعضائها واستقلالها».

ورغم أهمية المجالس المحلية غير أن ثقافتها تكاد تكون غائبة لدى المصريين، وفيما تشهد الانتخابات بوجه عام في مصر نسب مشاركة ضئيلة قبل الثورة ومتوسطة بعدها، تعد الانتخابات المحلية الأقل إقبالاً على الإطلاق، حتى أن تساؤلاً وجهته «الحياة» إلى عدد من المواطنين مختلفين في المستوى التعليمي حول «الانتخابات المحلية» فأكدوا أنهم لم يشاركوا بها مطلقاً وأنهم لا يعلمون ماهية المجلس المحلي، مشيرين أنهم حينما تواجههم مشكلة في نطاق منطقتهم تتعلق بالمياه أو الكهرباء أو غيرها من الخدمات يتجهون إلى نائب مجلس الشعب طلباً لمساعدته، أو يقدمون بشكوى لدى الحي (الأجهزة التنفيذية في المحافظات).

وتزيد سارة سمير (26 عاماً) وهي حاصلة على بكالوريوس إعلام لـ»الحياة» إن أحد من ينتوون الترشح في منطقتها في شبرا (شمال مصر) طلب منها مساعدته في الدعاية له ودفع الناس إلى المشاركة، وتتابع: بحديثي معه وجدته نفسه لا يعلم ما هية المجلس المحلي أو الدور الذي ينبغي أن يؤديه.

وهكذا، فالتحديات التي تواجهها الأحزاب في الانتخابات المحلية المرتقبة مضاعفة، أولها القدرة على إعداد كوادر تدفع بهم في الانتخابات المحلية في مختلف المحافظات، وثانيها القدرة على حشد المواطنين للمشاركة في الانتخابات المحلية.

وفيما يتعلق بالمحور الأول، فنظمت أحزاب عدة خلال الشهور الماضية ورش عمل ودورات تأهيلية لشبابها لخوض الانتخابات المحلية، تتضمن في الأساس تثقيفهم فيما يتعلق بتلك المجالس من حيث هياكلها وأدوارها منها أحزاب «مستقبل وطن» «المصريون الأحرار» «الوفد» «المحافظين». أما المحور الأخير فيعده النائب البرلماني عن حزب مستقبل وطن عادل عامر ضمن التحديات التي تواجهها الانتخابات المحلية ككل، قائلاً لـ»الحياة»: ثقافة المصريين بوجه عام فيما يتعلق بالمشاركة الانتخابية لازالت دون المستوى المطلوب، خصوصاً الانتخابات المحلية التي ستتطلب جهوداً كبيرة لتوعية الناس بها ودفعها إلى المشاركة، عبر حملات في الشارع وطرق للأبواب ولقاء مباشر مع المواطنين، بالتزامن مع حملة إعلامية ضخمة.

وعملياً، لم تظهر أي من تلك الفاعليات والحملات على الساحة حتى الآن، رغم أن تصريحات صدرت أخيراً عن وزير التنمية المحلية اللواء محمود شعراوي منتصف الشهر الجاري، أكد خلالها أن الانتخابات المحلية ستجري مطلع العام المقبل، أي في غضون شهرين من الآن.

وتجدر الإشارة إلى أنه رغم استباق الحملات الدعائية انتخابات الرئاسة بشهور عدة، ورغم تنوعها، بلغت نسب المشاركة 41.05 في المئة فقط، وفق الهيئة الوطنية المشرفة على الانتخابات، ما يشير إلى أن مجرد تحقيق النسبة ذاتها وهي دون المتوسط في الانتخابات المحلية تحدٍ في ذاتها.

وكانت الهيئة الوطنية أعلنت منتصف تشرين الأول (أكتوبر) الماضي عن إطلاقها حملة تثقيفية وتوعوية تستهدف رفع وعي الناخبين بمختلف أعمارهم إلى أهمية المشاركة السياسية في أي استحقاق انتخابي مقبل، وذلك بالتعاون مع وزارتي التعليم العالي والتربية والتعليم، والمجلس القومي للمرأة والمجالس القومية المتخصصة المختلفة.

قانون المحليات ..

ويظل الحديث عن الانتخابات المحلية حالياً رغم تأكيدات مسؤولين إجراءها مطلع العام المقبل، محض تكهنات، في ظل غياب خارطة الطريق الفعلية للانتخابات، والتي لا يمكن أن تبدأ، سوى مع إصدار قانون المحليات الجديد من البرلمان، علماً بأن لجنة الإدارة المحلية في المجلس انتهت من مناقشة القانون وأعدت تقريرها عنه منذ شهور، لكنه لم يدرج حتى الآن على جداول الجلسة العامة في البرلمان، لمناقشته تمهيداً لإقراره.

ويؤكد النائب عادل عامر لـ»الحياة» أن إجراء الانتخابات في مطلع العام المقبل من الممكن عملياً رغم أن القانون لم يصدر حتى الآن، قائلاً: البرلمان انتهى من استطلاع رأي كافة الجهات ذات الصلة بالقانون، وعليه تفاهم إلى حد كبير، ورغم أنه قد ينتج عنه إجراءات تنفيذية كإعادة ترسيم الخريطة المحلية في مصر، لكن ذلك لن يستغرق وقتاً طالما صدر القانون. وتابع: القانون سيدرج على جدول البرلمان قريباً. وكان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ناشد البرلمان في مناسبات عدة سرعة الانتهاء من إعداد قانون الإدارة المحلية، لافتاً إلى ما تعانيه المحليات من فساد.

وبخلاف الجدول الزمني الذي ينتظر القانون الجديد لينطلق، فخريطة الأحزاب والتكتلات السياسية هي الأخرى لا يمكن أن تدخل حيز النفاذ سوى بإقرار القانون، إذ سيحدد النظام الانتخابي، وما إذا كان نظاماً بالقائمة المطلقة (تفوز القائمة ككل أو تخسر ككل) أو القائمة النسبية (تحصل على عدد من المقاعد وفق عدد الأصوات) أو النظام المختلط الذي يجمع بين نظام القائمة (مطلقة أو نسبية) مع إتاحة عدد من المقاعد للنظام الفردي.

ويقول النائب البرلماني عامر أن المعلومات المتاحة عن القانون حتى الآن تشير إلى أنه يتبع النظام المختلط بنسبة 75 في المئة من المقاعد للقوائم و15 في المئة للنظام الفردي.

وبإقرار القانون المرتقب لتلك النسب، يُرجح اعتزال المعارضة خوض معركة الانتخابات المحلية، إذ قال رئيس حزب الكرامة والقيادي في الحركة المدنية الديموقراطية محمد سامي لـ»الحياة»: إذا ما تم «تفصيل» قانون انتخابات المحليات على طريقة انتخابات مجلس النواب في العام 2015، من منح الهيمنة للقوائم المطلقة، بما يمكن أصحاب النفوذ والأموال من الفوز ولا يتيح عملية تنافسية عادلة، فلن نخوض الانتخابات.

وأضاف: قرار خوض الانتخابات المحلية يتوقف على القانون والأجواء المصاحبة، فنحن نحبذ النظام المختلط بدرجة مسؤولة، بأن أتيح للنظام الفردي فرص. وتابع: الأمر يتوقف على القانون، لذا فإذا كان ثمة نية حقيقة لتقوية الأحزاب والحياة السياسية سيخرج مناسباً، أما إذا جاء عكس ذلك، فلا تلقي أجهزة السلطة باللوم على الأحزاب.

وسواء خاضت المعارضة الانتخابات المحلية أو قررت عدم خوضها، ورغم أن خوضها يمنح الانتخابات مزيداً من التنافسية، ويبلور دور الأحزاب بتوجهاتها الموالية والمعارضة، لكن ثمة مؤشرات عدة تضفي على الانتخابات المقبلة النكهة الحزبية، وذلك على خلاف انتخابات مجلس الشعب الماضية التي تمخضت عن البرلمان الحالي، إذ كانت السطوة فيها للمستقلين، ممن أسسوا قائمة «في حب مصر» والتي كانت النواة لائتلاف الموالاة «دعم مصر» صاحب الأغلببة حالياً.

وتتمثل تلك المؤشرات في طفرة حزبية داخل البرلمان، مع تصدر حزب «مستقبل وطن» قيادة ائتلاف الموالاة منذ تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، بتولي نائب رئيس الحزب عبدالهادي القصبي رئاسة ائتلاف «دعم مصر» خلفاً للنائب البرلماني المستقل ورجل الأعمال محمد السويدي.

ويتصدر حزب «مستقبل وطن» قائمة قوية تخوض انتخابات المحليات على كافة المقاعد، وتنسق كذلك مع مرشحين فرديين وفق النائب عن الحزب عادل عامر، وأضاف لـ»الحياة»: قائمة مستقبل وطن، ستكون أشبه ما يكون إلى قائمة «في حب مصر» التي حازت النسبة الأكبر في الانتخابات السابقة، لافتاً إلى تشاور الحزب مع بعض الأحزاب الممثلة في البرلمان للانضمام إلى قائمتها.

وتابع: أتوقع أن تتمخض المباحثات بين القوى المختلفة عن قائمتين قويتين إحداهما تمثل الموالاة ويتصدرها حزب «مستقبل وطن» وأخرى أقرب إلى المعارضة يتصدرها حزب «الوفد». علماً بأن حزب الوفد عملياً بات محسوباً على قوي الموالاة وليس المعارضة.

وتصدرا حزب «الوفد» و»مستقبل وطن» خلال الفترة الماضية التاكيدات على لعب الأحزاب أدواراً أكبر خلال الفترة المقبلة.