السينما العربية تقترب من الواقع

قرطاج - قيس قاسم |

بسهولة ومن خلال متابعة ما هو معروض من أفلام في الدورة ٢٩ لأيام قرطاج السينمائية يمكن ملاحظة شدة صلة السينما العربية بواقعها السياسي اليوم، ومحاولة صناعها تجسيدها على الشاشة بوعي وحرفية لافتة، لدرجة يمكن وصف بعضها بـ"الطليعي" المتقدم على غيره من فروع المعرفة المعنية بدراسة الظواهر الإجتماعية والحراك السياسي التاريخي. يتجلى ذلك التوصيف في اختيار الإدارة الفنية ومبرمجيها أفلاماً تناولت ظاهرة التطرف الديني، بعدما وجدوا أنفسهم أمام كم من الأعمال الجديدة عنيت بها، عاكسة في الوقت ذاته رغبة مخرجين عرب، أكثرهم مغاربة، في تناولها مبكراً، وقد سرع الواقع المتأزم والمشحون في حسم خياراتهم لمعالجة نصوص شديدة الصلة بالظاهرة "الظلامية" التي مست قرطاج نفسها وقبل وقت قليل من انطلاق أيامها السينمائية، عندما فجرت إرهابية نفسها وسط شارعها الرئيس، ما دفع السلطات الأمنية لتشديد حمايته وغلقه على السيارات حفاظاً على سلامة الجمهور والضيوف.


عملية ربطها مدير المهرجان نجيب عياد بالفعالية السينمائية التونسية البارزة واعتبر المضي بها من دون خوف تحدياً واعياً مناهضاً لسياسة "نشر الذعر". في ثنايا كلمته اشارات إلى خطط "خبيثة" تستهدف الفعل الثقافي كما تستهدف الحياة كلها، وربما لهذا السبب مال أعضاء لجنة تحكيم الأفلام الروائية نحو "فتوى" محمود بن محمود وقرروا منحه جائزة "التانيت الذهبي"، رغم مباشرة خطابه و"دغدغة" حواراته لمشاعر جمهور مشحون بكراهية التطرف المُستَهدِف بالأساس "نعمة" تذوقهم الجمال وحلاوة السينما التي يذهبون لمشاهدة أفلامها باندفاع نادر، قلما نراه في بقية المهرجانات العربية.

ويلفت الانتباه أيضاً، ميل صناع الفيلم العربي اليوم لمناقشة أفكار وقيّم مجتمعية نجد انعكاسها الواضح في الفيلم القصير أيضاً، الذي يحسب لقرطاج تضمين عرضه سوية مع الأفلام الطويلة (مع كل فيلم طويل أُدرج فيلم قصير) الى جانب تخصيصهم "حزم" مستقلة تضمن لها فرص مشاهدة جيدة. فوز "إخوان" لمريم جوبار مؤشر على شجاعة شباب سينمائي لا يتردد في مقابلة ذاته وقراءة واقعه من دون خوف. صحيح أن الفيلم أجنبي الإنتاج، لكن صانعته وموضوعه جعلاه من بين أكثر الأفلام إلتفاتاً إلى ظاهرة "عودة المقاتلين العرب" الى ديارهم. وبينما يدقق فيلم "ولدي" لمحمد بن عطية في فعل ذهاب الشباب التونسيين الى ساحات القتال في سورية والعراق والمشاركة في العمليات الانتحارية هناك، يعاين "إخوان" الظاهرة عكسياً أي أنه ينظر إلى أولئك العائدين إلى تونس بعد انضمامهم إلى تنظيمات متشددة وبالتحديد "داعش".

نص مريم الشجاع مكتوب بتأثير فهم جيد للمشكلة، يذهب الى الريف التونسي ويأخذ عائلة منه، عاد أحد أبنائها اليها مع زوجته "القاصر" بعد خوضه تجربة القتال بين صفوف الإسلاميين المتشددين في سورية، ليواجه أخوته وعائلته ومجموعة من المواقف الصعبة، وبها تشير الشابة مريم الى حقيقة كان لا بد من مواجهتها وتتمثل بوجود أعداد كبيرة من المقاتلين التونسيين بين صفوف "داعش" وربما هم الأكثر على الإطلاق، ما يشير الى تناقض مجتمعي صارخ بين مظاهر تقدمية مدنية، في المدن الكبيرة في شكل خاص، وبين تطرف وتخلف مجتمعي في القرى البعيدة والأرياف، ما يستدعي بحثها سينمائياً. وهذا ما أقدمت عليه جبور بذهنية منفتحة واشتغال سينمائي متميز استحقت عليه جائزة "التانيت الذهبي" وقبلها نالت عليه جائزة الفيلم الكندي القصير.

وبموازاة التشدد والمناخ السوداوي لكثير من الأفلام السياسية، يجد قرطاج لنفسه مساحة جيدة للبرهنة على قدرته الإحاطة بالمشهد السينمائي العام وتشخيص المميز عربياً وأفريقياً فيه ليذهب بعدها اليه من دون تردد مع معرفته التامة بسواد ذائقة ترفض الكثير منها. فجمهوره ومع حبه الشديد للسينما مازال محباً للتقليدي منها والمتوافق مع ذائقته الجمالية وقيمه الخاصة وأي خروج عنها يقابله بصد. حاله حال غالبية الجمهور العربي، ومع ذلك تقدم قرطاج خطوة وأتى بأفلام تعالج مظاهر اجتماعية تستحق البحث والعرض مثل المثلية الجنسية التي جسدتها مجموعة أفلام أفريقية وعربية، بجرأة نادرة كـ"رفيقي" الكيني المعروض في كانّ والممنوح في قرطاج على استحياء جائزة أفضل موسيقى.

واللافت إبعاد معظم الأفلام "الذاتية" أو "الشخصانية" المعنية بتحليل جوانيات الكائن البشري من جوائز الدورة الأخيرة. حتى التونسي "في عينيّا" لنجيب بالقاضي لم تلتفت اليه لجنة التحكيم مع أنه من بين أفضل أفلام هذا العام. ويعالج بالقاضي فيه حالة طفل صغير مصاب بـ"التوحد" تركه والده وسافر الى فرنسا ليعيش حياة مختلفة هناك، وفي انتظار ولادة زوجته الفرنسية طفلاً "سليماً" ينسيه تماماً ما تركه خلفه.

يحيط بلقاضي متلقيه بتفاصيل عالم "التوحد" الذي يدخل اليه من منظور علمي/طبي واجتماعي ليرتقي بعمله إلى مستوى الأفلام الجيدة الصنعة المكتملة الجوانب. عنايته بممثله الصغير (أدريس الخروبي) حامل الفيلم على كتفيه الرقيقين تشير الى اشتغال جدي ومتعب لكنه مبهر النتائج. ومن دون انحياز إلى ذكورية وموقف مخالف لأنثوية مدعاة في كثير من الأفلام الغربية، يقدم بالقاضي نموذجاً إنسانياً قبل كل شيء. فالرجل العنيف المتهور سرعان ما يمر بتجربة تفرض عليه التحكم بأعصابه والركون إلى الإنساني والأبوي الذي فيه. عنايته بنمو شخصياته وقدرته على متابعة مساراتها الحياتية يُحيلنا ألى سينما أوروبية تعنى قبل كل شيء بجوانيات الكائن البشري وتحولاته المـتأثرة بعوامل خارجية موضوعية تفرض شروطها عليه. لقد قبل الأب بابنه كما هو. آمن بسويته رغم مرضه فراح يراهن على قدراته في تحمل حالته. التحول من الجسدي إلى الذهني العاطفي يمكن رصده "في عينيَّا" بيُسر وعليه يمكن تقويم ايجابياً قدرة صانعه على كتابة وتجسيد شخصياته على الشاشة. فيلم بلقاضي لا يشبه سواه، يختلف تماماً عن فيلمه "باستاردو" كثيراً من ناحية الأسلوب والمعالجة فهو يذهب هنا عميقاً في قراءة الكائن أو الآخر البعيد من دون ادعاء معرفي. تعلم معرفة الإنسان يأتي من التقرب ومن الرغبة في مساعدته على أن يكون سوياً معافى بقوة الحب الممنوح له.

الأسلوبية المختلفة نجدها أيضاً في "يارا" للعراقي عباس فاضل والمختلفة قطعاً عن أسلوبية التونسي بلقاضي، والأكيد أنه لا يشبه أي من أفلامه السابقة وبعيد كل البعد عن وثائقيه الأخير "العراق: سنة صفر" المعروض في الدورة ذاتها ضمن خانة الإحتفاء بالسينما العراقية ووضعها "تحت المجهر" سوية مع السنغالية والبرازيلية والهندية.

يحاول فاضل في "يارا" قراءة حياة قرية لبنانية راكدة، طاردة لسكانها والمتبقي منهم تتكرر تفاصيل حياتهم اليومية فيها وما على ملاحقها بعين حساسة سوى تسجيلها ورصد المتحرك في المشهد الجامد الثابت فيها. عمل يشترط الصبر على متلقيه والمشاركة في صنعه عبر قبوله المشهد المتكرر، ليجد فيه ما هو متحرك تحت السطح، كما في معظم أعمال المجري بيلا تار. هل يمكن اضافة "لعزيزة" للمغربي محسن البصري إلى تلك المجموعة المختارة بعناية؟ من دون تردد سيكون الجواب بنعم! لخصوصية سرده وأسلوبه المعتني بصمت شخصياته المعبرة في الوقت ذاته عن مشاعر فياضة.. الحزن العميق عنوانها الداخلي. قصة "لعزيزة" هي قصة صانعها محسن البصري. حياته الشحصية وبالتالي نحو أمام مقطع من سيرة ذاتية تنشد عرض حجم الآلام المجتمعية وقسوة الذكورية في مجتمع ما زالت المرأة فيه تتحمل أوزار ثقيلة، المخرج المغربي عرف كيف يوصلها لنا بشرط واحد؛ هو أن نمضي معه حتى النهاية!