مدونة النقوش النبطية في المملكة العربية السعودية

عصام السعيد |

صدر عن دارة الملك عبد العزيز مجلدين للنقوش النبطية في المملكة العربية السعودية، وهي دراسة جادة متميزة للأستاذ الدكتور الذييب عبد الرحمن الذييب، الذي حصل العام الماضي على جائزة الأثريين العرب في مدينة المنصورة بمصر.


والبحث في مجال النقوش الأثرية ذا أهمية قصوى لآنه يميط اللثام عن الحضارات البائدة ويفصح عن جوانب مختلفة من عطاءات تلك الأمم التي فنيت معظم دلائل وجودها ولم يبق منها سوى رسوم متناثرة أشبه بالطلاسم والرموز التي تحتاج لدراسة متأنية لتحليلها وترجمتها إلى لغتنا العربية. ولهذا فإن دارة الملك عبد العزيز سباقة في هذا المجال بأن نشرت العديد من الكتب والبحوث والدراسات ومنها هذا المؤلف الثمين.

أفتُتح الكتاب بمقدمة من دارة الملك عبد العزيز عن هذه الدراسة تمت الإشارة فيها إلى أهمية النقوش الأثرية للدراسات التاريخية وقد تمت الإشارة إلى عناية الغربيين بهذه النقوش والمجهودات التي بذلوها في هذا المضمار، حيث أصبحت إسهاماتهم مصادر للدارسين بعدهم. وأشار إلى وجود نخبة مميزة من أبناء المملكة بذلوا جهودا في هذا المجال وجب الإشادة بها.

تطرقت المقدمة أيضًا إلى إن هذا الكتاب يدرس جميع النقوش النبطية التي عثر عليها في مواقع مختلفة من المملكة العربية السعودية، شملت كلا من العُلا والجوف وتبوك وتيماء والقصيم ونجران.

الكتاب تطرق لدراسة 967 نقشًا نبطيا، وذلك بالتعرف على ما ورد فيها من أسماء الأماكن والشهور والأعلام والأرقام والمهن والحروف والظروف والضمائر والأفعال وأسماء القبائل وأسماء آلهتهم، وغير ذلك من الموضوعات التي تكشف جوانب الحياة في ذلك العصر.

أشار الدكتور الذييب في مقدمته للكتاب إلى الدافع الأساسي لإعداد هذا العمل، وهو حاجة الباحثين والمهتمين بمختلف مراتبهم إلى عمل يكون بين دفتيه أمبر كمية من النقوش النبطية، ليكون عاملًا مساعدًا للمتخصصين في الدراسات الإنسانية؛ مثل: الدراسات التاريخية، والاجتماعية، واللغوية، والدينية، والجغرافية، إضافة إلى اللهجات العربية القديمة والمعاصرة. وأشار إلى أن قبل هذا العمل كانت هذه النقوش منشورة في أوعية متعددة، وأزمان ولغات مختلفة.

وأثار د. الذييب سؤال قد يتبادر إلى ذهن القارئ، وهو عدم تطرق الدراسة إلى تاريخ الأنباط السياسي، وقد أجاب عن هذا السؤال بأن الهدف من الكتاب هو جمع النصوص النبطية في المملكة العربية السعودية، وليس تدوين تاريخ الأنباط. حيث أن تاريخ الأنباط يتطلب إضافة النصوص النبطة الأخرى، تلك التي عثر عليها في الأردن وسيناء، أو غيرها من المناطق سواء في العالم العربي أو في أوروبا.

وأشار د. الذييب إلى ما لم يتضمنه هذا العمل من نقوش نبطية، حيث صرح بأن هذه النقوش لا يتعدى عددها أصابع اليد الواحدة، وسبب ذلك عزاه إلى أن البعثات التي عثرت عليهم تود نشر هذه النصوص ضمن تقاريرها.

ولقد أتبع د. الذييب المنهج العلمي في دراسة النقوش والكتابات القديمة، فعمل على وضع قراءة النص إما جانب النص أو أسفل منه، ثم الترجمة العربية للنص، متبوعًا بدراسة تحليلية مقارنة لما تضمنه كل نص. وقد استعان بالصور الفوتوغرافية للنصوص. وتم إلحاق فهرس بأسماء الأعلام والمفردات الواردة في هذه النصوص حسب المنهجية العلمية المتبعة مرتبة حسب الترتيب الأبجدي. إضافة إلى إدراج قائمة بالمراجع والمصادر.

استهل د. الذييب دراسته بتمهيد عن المصادر الكتابية التي تحدثت عن الأنباط بصفتها وحدة عرقية، وحددها‘ بعد استثناء المصادر الأشورية والعهد القديم، بالمصادر الكلاسيكية، حيث ورد اسم الأنباط عندما تحدث ديودور الصقلي عن الحملتين العسكريتين اللتين قام بهما أنتيجونس ضد الأنباط ، لمنعهم من التحالف مع البطالمة ، في عهد بطليموس الأول (322 – 283 ق.م)، أو لرغبة السلوقيين في وضع أيديهم على مصادر ثروة الأنباط. وقد رجح د. الذييب أن الدافع الذي قاد أنتيجونس إلى الاستيلاء على البتراء كان تمتع المنطقة بالاستقرار السياسي، والذي ينعكس بدوره على ازدهار الطرق التجارية، مما يخلق قوة اقتصادية للمنطقة، وكذلك موقع البتراء. وكانت الحملة الأولى قد انتهت بهزيمة الفرقة العسكرية السلوقية، التي أنيطت بها مهمة السيطرة على البتراء، مما دفع أنتيجونس إلى إرسال حملة عسكرية ثانية بقيادة ابنه ديمتريوس انتهت إلى عقد اتفاقية مع البرابرة الأنباط كما نعتهم أنتيجونوس.

والذكر الثاني للأنباط في المصادر الكلاسيكية، كما أشار إليه د. الذييب، جاء في حدود منتصف القرن الثاني قبل الميلاد عندما نعت اليهود زعيم الأنباط الحارث الأول (169 – 168 ق.م) بلقب Tyrant، أي «المشرع أو الطاغية». ومن ثم برز الأنباط على أنهم قوة عرقية سياسية لها وزنها الإقليمي، حتى أصدر الإمبراطور الروماني تراجان (78 – 118 م) قراره المشهور القاضي بضم مملكة الأنباط لتصبح مقاطعة إدارية تابعة للإمبراطورية الرومانية سنة 106م، وكذلك ضم الممالك الأخرى الصغيرة التي كانت تفصل بين الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية في خطوة تهيئ الأجواء لسن حملاته العسكرية على الإمبراطورية الفارسية.

وفي إشارة عامة لتاريخ الأنباط، ذكر د. الذييب أن الأنباط خلال تاريخهم السياسي الذي استمر أربعة قرون (300 ق.م – 112 م)، والحضاري الذي زاد على الألف عام (600 ق.م – 400م)، أن يتركوا بصمتهم الواضحة على الجدار الحضاري لمنطقة الشرق الأدنى القديم. وذكر أيضا أنه لم يكن هناك نشاط سياسي دولي للأنباط، ولكنهم فرضوا نشاطاتهم السياسية إقليميا. ولعل أبرز ما خلفته هذه القبائل العربية، فضلا عن آثارها المعمارية، كتاباتهم التي عرفن بالنقوش والكتابات النبطية. وهذه النقوش زادت – حتى يومنا الحاضر _ على الخمسة آلاف نقش شملت معظم جوانب الحياة اليومية للأنباط، فيما عدا جانين مهمين، حددهما د. الذييب بالجانب الأدبي والجانب الديني الأسطوري. وقد ذكر عند الحديث عن طبيعة هذه النقوش أننا نجد نصوصًا معمارية وجنائزية ودينية؛ ولكن غالبيتها العظمى كانت من النوع التذكاري. فالواقع أن هذا الكم الكبير من النقوش يعطي مؤشرًا واضحًا على المستوى المعرفي عند عامة الأنباط وممارستهم الواضحة للكتابة، فالنقوش التذكارية تعود في مجملها إلى العامة من الناس، وهي لتنتشر في مناطق هيمنتهم السياسية فحسب، بل تتعداها إلى مناطق اتصالهم الحضاري، سواء داخل الجزيرة العربية مثل: منطقة نجران واليمن، أو خارجها مثل: مصر وروما. وأضاف د. الذييب أنه لعل التأثير الواضح للأنباط على الأمتين العربية والإسلامية والمستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يكمن في أن الخط العربي اشتق وتطور من الخط النبطي.

قدم الدكتور الذييب في إيجاز نبذة عن الدراسات السابقة التي تناولت النقوش النبطية في المملكة العربية السعودية، وعددها كما ذكرها 29 دراسة، مرتبة ترتيبًا زمنيا من الأقدم إلى الأحدث، منها العديد من الدراسات التي قام بها بنفسه. من دراساته التي ذكرها تلك التي قام بها عام 1992م وتضمنت 22 نقشًا نبطيًا كان قد عثر عليهم خليل بن إبراهيم المعيقل في موقع قارة المزاد شمال شرق سكاكا، وتضمنت هذه المحمودة عددًا من الألفاظ العسكرية. وكما أشار د. الذييب ترجع أهمية هذه المجموعة إلى عاملين، الأول ظهور نفشين من عهد الملك النبطي «رب إل» من أواخر القرن الأول الميلادي، والأخر من عهد الحارث الرابع من أوائل القرن الأول الميلادي، والأمر الثاني هو أن هذه المجموعة قدمت لنا عبارات واصطلاحات تأتي للمرة الأولي في النقوش النبطية .

الدراسة التالية للدكتور الذييب عن الكتابات النبطية والتي جاء ذكرها في الكتاب كانت عام 1996م بالاشتراك مع الدكتور المعيقل، وهي دراسة علمية للآثار والكتابات النبطية في منطقة الجوف، وتناولت هذه الدراسة المواقع الأثرية والمنشآت المائية مثل القنوات والآبار، إضافة إلى تحليل موجز للفخار النبطي بالمنطقة. وتناولت أيضًا النقوش النبطبة التي بلغ عددها تسعة وستين نقشًا، وكذلك تناولت دراسة نقشين عربيين مبكرين ترجع أهميتهما فيما قدماه من معلومات مهمة عن تطور الحرف النبطي، فكلاهما يعود إلى المدة الواقعة بين القرنين الرابع والخامس الميلاديين. فهذان النقشان يؤكدان‘ كما يقول د. المعيقل، أن نشأة الكتابة العربية كانت داخل شبة الجزيرة، وتحديدًا الحجاز، وليس خارجها.

الدراسة الثالثة للدكتور الذييب، والتي أشار لها في فصله التمهيدي كانت بالاشتراك مع د. العميري في عام 1997م، وتناولت النقوش والرسوم الصخرية القديمة في الجواء بمنطقة القصيم. اشتملت على رسوم من تسع مواقع تمثل حيوانات متنوعة من جمال ووعول وغزلان وعدد قليل من الأشكال الآدمية. كما تضمنت هذه المواقع عددًا من الكتابات الثمودية والنبطية التي بلغ عددها تسعة عشر نقشًا. والمهم أن هذه النقوش، على حد قول د. الذييب، تعطي الدليل الواضح على أهمية المنطقة تجاريًا خلال الحقبة السابقة للإسلام.

وفي عام 1998م أيضًا، قدم د. الذييب دراسة علمية لثمانية نقوش نبطية عثر عليها خالد عباس إسكوبي في ثلاثة مواقع وهم الخبو الغربي والخبو الشرقي ووضحة. وبعد ذلك بثلاث أعوام في 2001م قام بدراسة مبنية على نقوش تم اكتشافها أثناء زيارة قام بها حسين بن علي أبو الحسن لمنطقة العلا، حيث تم الكشف، كما أشار د. الذييب في كتابه، عن جبل معروف باسم قاع المعتدل، يقع في الجهة الشمالية الشرقية من مدائن صالح بحوالي عشرة أميال، وتحديدًا على الطريق المتجهة إلى محافظة حائل، وبه عدد من النقوش العربية القديمة بقلمين، النبطي وعددها خمسة نقوش تعود إلى منتصف القرن الأول الميلادي أو أواخره، ونقشان ثموديين يعودان إلى ما بين القرنين الأول والثاني الميلاديين.

ومن أهم دراسات د. الذييب والتي أشار إليها في كتابه هذا، الدراسة التي أتمها عام 2002م، حيث اشتملت على 230 نقش نبطي، عثر عليها في موقع يعرف حالًا باسم جبل أم جذايذ يبعد بحوالي ستة وتسعين كيلًا إلى الشمال الغربي من مركز المعظم. على حد قول د. الذييب، فهذه النقوش منها النبطي، ومنها الثمودي، ومنها أيضا اللاتيني.

قدمت النقوش النبطية العديد من المعلومات التاريخية والاجتماعية. وقد ذكر د. الذييب أننا أن أهمية هذا الموقع جاءت لكونه بمحاذاة الطريق القادم من الشمال إلى موقع مدينة الحجر، إلا أن أهميته الدينية على وجه الخصوص جاءت بسبب أن العديد من نصوصه قد تضمنت الإشارة إلى عدد من الآلهة مثل: ذي الشرى ومناة، وقد يعني هذا أن للمكان مغرى دينيًا محددًا يتجه إليه الراغب في تأدية طقوس معينة طلبًا للشفاء، أو المغفرة أو الرضا من الآلهة أو أحدها.

,اختتم د. الذييب عرضه للدراسات السابقة، بدراسته التي أنهاها في 2005م، لمجموعة من ثمانية وستون نقشًا، أحد عشر منها وجدت على جبل يقع غرب سكاكا بحوالي كيلين ونصف، وخمسة منها في جبل قاع المعتدل السابق الذكر، وثلاثون من موقع أم الجذايذ، واثنان وعشرون نقشًا من موقعين، هما: القطيعة وجبل يقع جنوب غرب تيماء.

وبعد ذكر الدراسات السابقة، تطرق الكتاب إلى مناطق النقوش التي اشتملت عليها دراسته التي نحن بصددها، وتبلغ 967 نقشاً، حيث ذكر ستة مناطق وهي محافظة العُلا، ومنطقة الجوف، ومنطقة تبوك، وتيماء، ومنطقة القصيم وأخيرًا منطقة نجران.