الكابوس السوري في مستنقع «الواقعية السحرية»

سؤدد كعدان. (موقع «الحرة»)
فيكي حبيب |

تهرب السينمائية السورية سؤدد كعدان الى «الواقعية السحرية» في فيلمها الروائي الطويل الأول «يوم أضعت ظلي» لتصوّر الكابوس السوري بعد مسيرة مع الأفلام الوثائقية، وصلت فيها الى قناعة أن الواقع في خضم الأزمة التي تعيشها بلادها أفظع بكثير من أن تستوعبه صورة.


تبتكر السينمائية «لعبة الظلال» لتعرّي واقعاً مجنوناً. ترسم وجوهاً بلا حياة. تغرف من اليومي قبل ان تترك مساحة للهلوسات، فتسير على الحافة بين الحقيقة والخيال. تفلح حيناً وتتعثر أحياناً في رحلة بحثها عن الإنسان العادي في زمن الحرب. كيف يعيش؟ كيف يؤمّن حاجاته الرئيسية؟ هل يأكل ويشرب وينام؟ ماذا عن يومياته؟ كيف يتغير روتينه رغماً عنه؟ ماذا عن علاقته بمن حوله؟ وهل يستطيع أن يهرب من قدره؟

أسئلة تحاول كعدان الإجابة عليها بالاتكاء على الحالة التي يعيشها أبطالها لا على حوارات تغرق في ثرثرات لا طائل منها، من خلال حبكة تنطلق بقوة ثم لا تلبث أن تغرق في متاهة تحوّل دفة الفيلم الى مسار آخر، كان بغنى عنه.

رحلة العبث

على إيقاع يتناغم بين قسوة الطبيعة وقسوة الواقع، تسير شخوص سؤدد كعدان في رحلة العبث التي فرضتها الأزمة السورية، وتحديداً في بدايات الثورة، عام 2012، ذاك العام الذي يخبرنا ملخص الفيلم أنه شهد شتاءً هو «الأقسى» على أهل دمشق... وكأن الطبيعة تلتحم بالواقع (السياسي/ الانساني/ الاقتصادي)، فتأبى ألا تشارك في الحداد العام الذي ستغرق به سورية من دون أن تعرف حتى اليوم كيف تخرج منه رغم مرور سنوات سبع على شرارة الحرب الأولى.

شاعرية جميلة على الورق، لم تتمكن الكاميرا من ترجمتها على الشاشة الكبيرة أمام عين المتلقي رغم أن مسرح الاحداث يوفّر كل عناصر نجاح الفكرة، من طبيعة جذابة، ومساحات مفتوحة (صوّر الفيلم في لبنان على الحدود اللبنانية -السورية). لكنّ المشكلة ليست هنا، بل يمكن حتى اعتبار ذلك تفصيلاً صغيراً يمكن تجاوزه. المشكلة في مكان آخر، في التمثيل، وبالتحديد في إدارة الممثلين التي حالت دون تعاطف المشاهد مع الأبطال أو خلق علاقة ما بينه وبينهم، بحيث ظلت الشخصيات على مسافة مع المتفرج وبدت الفكرة مبتورة، فأتت النتيجة، بالتالي، مفتعلة من خلال أداء غير مقنع، بارد حيناً عندما تستدعي الضرورة الدرامية التفاعل مع المحيط (سوسن أرشيد في دور بطلة الفيلم «سنا») ومبالغ فيه أحياناً حين يُفترض التحكم بالانفعالات (ريهام القصار في دور «ريم»).

تدور القصة حول «سنا»، وهي أم لفتى يبلغ الثامنة من عمره تقريباً، تعيش خلال بداية الثورة السورية في العاصمة دمشق، حيث الحياة شبه مشلولة. فلا تيار كهربائي ولا مياه ولا تدفئة. والأنكى من هذا كله، أن بطلتنا تحاول تدبّر شؤون بيتها لوحدها في ظل غياب زوجها، فتوزع اهتماماتها بين المنزل والصيدلية حيث تعمل.

روتين يبدو أن «سنا» اعتادت عليه، فتراها في مستهل الفيلم في مشهد يمكن التكهن معه أننا سنكون أمام عمل سينمائي كبير، وهي تجري مع ابنها الصغير «خليل» (أحمد مرهف العلي) الى المنزل لتغسل الثياب الوسخة قبل أن ينقطع التيار الكهربائي بسبب التقنين، ما يضع المتفرج منذ البداية في مواجهة الأزمة وتداعياتها على الانسان العادي الذي يجد نفسه لا حول ولا وقوة له تحت الحصار. ولكن مع بزوغ فجر اليوم التالي، يبدأ الفيلم في الإفلات من يدي صاحبته. فبطلتها ستواجه عثرة أخرى، وهي انقطاع قارورات الغاز وسطو الجنود على ما توفر منها، فتقرر المجازفة برفقة الشقيقين الثوريين «جلال» (سامر اسماعيل) و»ريم» لبلوغ منطقة لا يزال الغاز متوفراً فيها. وهكذا يستقل الثلاثة سيارة أجرة، قبل أن تخرج الأمور من تحت سيطرتهم، بعد أن يتجاوز السائق نقطة تفتيش للشرطة حين تعثر على كاميرا بحوزته سجل فيها الاحتجاجات في الشارع، فيجد الثلاثي نفسه في مواجهة مصير مجهول بعد أن يترجلوا من السيارة لتبدأ رحلة عبثية، أخفق السيناريو في أن يظل فيها متماسكاً على امتداد دقائق الفيلم الـ95.

رحلة العبور

خلال رحلة العبور هذه، من جانب المدينة الى جانب الريف، سيعرّج الفيلم على كثير مما تفرزه الحرب، مثل غياب الأخلاق الذي يتمثل في الرجل الذي يؤجر أبطال الفيلم سيارة فارغة من البنزين بعد أن يشتروا قارورتي غاز. وهنا، يجد الثلاثي نفسه يسير على الأرجل في منطقة نائية، يحاصرها المتقاتلون... ولا يكون أمامه سوى المبيت في بستان زيتون. وفي صباح اليوم التالي، يختفي «جلال»، فتواجه الفتاتان مصيرهما بمفردهما، ليأتي الإنقاذ على يد إسلامي سيقلهما بسيارته الى قريته ذات الصبغة الدينية الواضحة، لترصد الكاميرا الوجوه السمحة هناك واندفاع الرجال للمشاركة في المظاهرات في مقابل انشغال النساء بحفر القبور استعداداً لاستقبال الشهداء.

وطبعاً، لم يكن مثل هذا الخطاب السياسي أن يمرّ مرور الكرام عند عرض الفيلم للمرة الأولى في العالم العربي في مهرجان الجونة السينمائي بعدما شهد عرضه العالمي الأول في مهرجان البندقية السينمائي الدولي حيث فاز بجائزة «أسد المستقبل» في مسابقة «آفاق» قبل أن يتوجه الى تورونتو ولوس أنجليس، ويواصل جولاته بين المهرجانات. ففي زمن ترتكب فيه مجازر باسم الإسلام، فيما الدين بريء منها، لم يكن سهلاً على جمهور الجونة أن يرى في خيار المخرجة «تلميع» صورة المتدينين أمراً عابراً، بل على العكس عاب كثر على الفيلم انحيازه الى تلك الفئة من المجتمع وإظهارها بصورة سلمية إن لم نقل «ملائكية»، متجاهلاً ما يعتبره كثيرون بيئة حاضنة للإرهاب.

أياً يكن الأمر، وبعيداً من الموقف السياسي، لا بد من التوقف أخيراً عند إحدى أبرز نقاط قوة الفيلم، لعبة «الظلال المفقودة» التي تؤذن بخطر وشيك سيصيب من يفقد ظله، والتي بنت سؤدد كعدان فيلمها عليها لتصوّر كيف تسلبنا الحرب كل شي، حتى ظلنا. وعنها تقول المخرجة في النشرة الصحافية لمهرجان الجونة حيث شاهدنا الفيلم: «وقعت لي صدفة غريبة بعدما عثرت على صور هيروشيما بالأسود والأبيض، وشاهدت كيف يمكن أن تمحو الحرب مدينة بأكملها ولا يبقى منها سوى ظلال الناس المحروقة. وشعرت عندها بأن ما يحدث هو العكس تماماً في دمشق، وأنه أكثر ألماً أن تبقى مستمراً تمشي على الأرض وتفقد ظلك نهائياً، وعندها استطعت أن أكتب من جديد وأبدأ سيناريو الفيلم».

«يوم أضعت ظلي» الذي استغرق انجازه نحو سبعة أعوام انتقلت فيها المخرجة من سورية الى بيروت، واختارت له ممثلين سوريين من الشتات، وأنتجته شقيقتها أميرة كعدان، يبقى، بعيداً من أية تصنيفات سياسية، عملاً أول يستحق الاهتمام للغته البصرية التي تقول الكثير عن كابوس يأبى أن ينتهي، آخذاً في طريقه أناساً مثل «سنا»، لا علاقة لهم بالسياسة، لكنهم يجدون أنفسهم مرغمين في الخطوط الأمامية للمواجهة.