«همس الماء» بعد رحيل صانعه

من الفيلم.
القاهرة - فريال كامل |

«الطيب الوحيشي» كاتب ومخرج تونسي «1948 - 2018»، شارك – رغم الغياب – في الدورة 34 من مهرجان الإسكندرية بقصيد سينمائي «همس الماء» (87 ق)، والذي كتب له السيناريو والحوار وأهداه إلى زوجته وابنته قبل شهور من رحيله في حادث أليم. في مستهل مشواره تعرف النقاد على مخرج له أسلوب تأملي خلال فيلمه «ظل الأرض». وأخرج الوحيشي أفلاما قصيرة عدة وأخرى طويلة بينها «ليلة إفريقية»و»عروس القمر» و»رقصة الريح»، إضافة لفيلم «قريتي مثل كل القرى» الذي فاز بالتانيت الذهبي في مهرجان قرطاج، وفيلم «غوري جزيرة الجد» الذي فاز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان الجزائر، وفي عام 2014 شارك «الوحيشي» في مهرجان الإسكندرية لأفلام البحر المتوسط ونال تكريما عن فيلم «طفل الشمس»، كما حصد المخرج المتفرد جوائز في مهرجانات كثر منها مهرجان «ميلانو» و»مونتريال» و «رتردام»، غير «مهرجان واغادوغو»و «جوهانسبيرغ» بافريقيا.


آمن «الوحيشي» بسينما المؤلف، وكتب بالكاميرا أفلامه، خاصم سينما هوليوود القائمة على الافتعال والصنعة، وتحيز للجمال والشاعرية، ولا يستند فيلمه الأخير «همس الماء» إلى قصة بقدر ما هو معايشة لفنان أوبرا رفيع «انس» يتم الإفراج عنه بعد اعتقاله ثلاث سنوات من أجل ان ينتزعوا منه اعترافا بالمنظمين للانقلاب على النظام في البلاد، وبالطبع لم يدلِ بأدنى اعتراف لانه – على حد قوله – فنان يعمل بالفن، ولا يعمل بالسياسة، فضلا عن عن كونه لا يعرف أي من المشتغلين بالتنظيم أصلا.

في قراءة للفيلم «همس الماء» بحث عن الحرية كقيمة أولية للحياة، وتبعات افتقادها وفي تبعات العزلة الجبرية أو الاختيارية، يتبنى الفيلم أسلوبا تأملياً يشي بعشق كل من «أنس» الشخصية الأساسية في الفيلم ومخرجه للبراح المعادل للحرية خلال البحر باتساعه.

والسماء الممتدة بلا ضفاف، تخير المخرج جنة سيدي بوسعيد موقعا للتصوير والتي يقع في هواها كل من يزور قرطاج بطبيعتها الخلابة وبيوتها المستكينة كما الحمائم البيضاء على المنحدر، والصوت عند الوحيشي عنصر مكمل لجمال الطبيعة، هدير الأمواج وطيور البحر غير زقزقة العصافير وصفارة الباخرة لحظة مغادرة المرفأ الى عرض البحر، ذلك كله في سبيكة الصوت الذهبي للسبرانو الإيطالية «اوميرتا ماسيشي»، والتي جسدت شخصية «لورا» في الفيلم.

يستهل الفيلم باستئناف «أنس» لبروفات الأوبرا التي كان يعد لها من قبل اعتقاله، يتخير من بين عشرات الفنانات «لورا» السبرانو ذات الصوت الذهبي ويشاركها «باريتون» شاب إضافة لفرقة من الاستعراضيات وبالطبع أفراد الأوركسترا على مدار الفيلم يقوم فريق العمل بالتدريب بمنتهى الجدية والكفاءة، إلا أن «أنس» يظل غير راض عن أداء السوبرانو «لورا» وهو الحال الذي يجرح كبرياءها، فتتوقف الفرقة عن التدريب احتجاجاً على عدم التقدير، يبقى المخرج مفتقداً لصوت وحضور السوبرانوا «اليسا» والتي عملت معه في ذات الأوبرا من قبل اعتقاله، تمتلئ آذان المخرج وقلبه وعقله بصوت «اليسا» والذي يتعقبه بإيقاع متمهل عبر البيوت والأماكن. يتوصل «أنس» إلى والد «إليسا» الذي لا يحسن استقباله ظناً منه أن وشى بابنته لدى السلطة، ولم يوفق «أنس» في نفي التهمة الخطيرة عنه أمام الأب المكلوم والكشف عن سر اختفاء مطربته المفضلة. على مدار الفيلم نتعرف على الصديق الأوحد للمخرج والذي يرافقه ويدعمه على الدوام وكثيراً ما يصحبه في رحلة بحرية على قاربه لينعم بنسيم الحرية ويعقبها بوجبة سمك شهية. يحمل السياق بحثا آخر عن الحرية عبر الابن المراهق الذي يحرمه والده من الإبحار بالقارب بصحبة أصدقائه فلا يكون من الابن إلا أن يبحر بالقارب في رحلة بلا عودة، وهو الأمر الذي يزعج الأب خشية أن ينضم ابنه إلى داعش!، وفي نفس الوقت تطارد الشرطة شلة من الأصدقاء الذين لا يفعلون شيئا سوى اللهو البريء والغناء وفي أحد المشاهد يكتب شخصا على الجدار عبارة احتجاجية ثم يختفي بسرعة، الأمر الذي يكشف عن وجود حركات احتجاج خفية.

في الختام يرتضي المخرج أداء الفرقة في البروفة الأخيرة قبل العرض، عبر عين الكاميرا نشاهد البحر على اتساعه ملتحماً بسماء بلا ضفاف في دعوة مفتوحة لارتشاف الحرية.

حضرت السوبرانو الرائعة «امبريتا ماسيشي» لورا ، ضيف مهرجان الإسكندرية – عرض الفيلم وشاركت في النقاش عقب العرض – أجمع الحضور على اعجابهم بالفيلم. إذ يلمس الفيلم احتياجاً إنسانياً للحرية عبر معالجة رقيقة بأسلوب شاعري من دون أن يكون الفيلم مجرد مانفيستو عن ذلك الاحتياج الضروري للحياة.