أسرار مؤسس التنظيم السري لـ «الإخوان» في وثائقي

فيلم وثائقي عن الأخوان المسلمين (تويتر)
القاهرة – هبة ياسين |

طالما كان الفيلم الوثائقي فناً تلفزيونياً افتقدته الشاشات في مصر، بخاصة خلال السنوات الأخيرة، في ظل عدم قدرة المحتوى التقليدي على جذب الجمهور، لكن قناة « دي إم سي» التفتت الى هذا النمط، واستهلت التجربة بإنتاج فيلم «السندي.. أمير الدم» الذي عُرض أخيراً عبر شاشتها، من تأليف أحمد الدريني وإخراج شريف سعيد، فيما جرى التصوير في حي الاسكندرية بمدينة الانتاج الإعلامي.


وعلى رغم ان ذلك الشاب النحيل، عبدالرحمن السندي، كان الرجل الأخطر في تاريخ «الإخوان المسلمين»، فإنه عاش في الظل، ولم يعرف عن حياته الكثير. فهو قائد ومؤسس التنظيم الخاص السري في الجماعة التي طالما تجنبت عناصرها الحديث عنه. وارتكب «النظام الخاص» تحت قيادته عمليات عنف واغتيالات سياسية في مصر خلال حقبة الأربعينات من القرن الماضي بينها اغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي العام 1948، ثم القاضي أحمد الخازندار الذي كان ينظر في قضية أدين فيها أعضاء في التنظيم.

«عبدالرحمن السندي- أمير الدم»، موضوع فرضته الضرورة والمعيار الخبري للصحافة، فثمة قضية مثارة منذ سنوات وتتصدر نشرات الأخبار ولن تنتهي لسنوات طويلة مقبلة هي «الإرهاب والإسلام السياسي»، القضية الملتهبة منذ أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، وزاد عليها الأوضاع التي تمر بها مصر ومنطقة الشرق الأوسط، ما جعل هناك مبرر لطرحها، ومن هنا كانت البداية.

سلط العمل الضوء على هذا الرجل الغامض الذي لا يعرف عنه الكثير، رغم دوره المهم بين صفوف الجماعة، وعمل صناع الفيلم على هذا المشروع على مدار شهور، واستعانوا بـ «الديكودراما» أو إعادة تمثيل الواقع، وهو نمط مستخدم في الافلام الوثائقية، ما أكسبه جاذبية تبعد الملل عن المشاهد. عن الدوافع التي أدت للاتجاه إلى الأفلام الوثائقية، واستهلالها بالسندي، قال مسؤول وحدة الأفلام الوثائقية في «دي ام سي» أحمد الدريني: «نحاول خلق سوق صناعة أفلام وثائقية في مصر بخاصة بعد استئثار رؤوس أموال وتيارات بعينها بهذه الصناعة، لدرجة بدأت تعيد سرد تاريخ مصر المعاصر من وجهة نظر تتراوح بين الإسلامية والإخوانية».

وأضاف الدريني: «لم يأت اختيار السندي لإنتاج وثائقي عن حياته وسيرته عشوائياً، فالفكر المتطرف ذاته ينسب نشأته تنظيراً إلى أبو الأعلى المودودي ورشيد رضا، لكن السندي هو من جعل هذه الأفكار موضع تطبيق وتنفيذ، وهو أول من قام بالقتل والتفجير بناء على قناعة دينية، كما أنه أول من تولى الجهاز الخاص في جماعة «الإخوان المسلمين»، ولديه منجزات داخلها بعيداً من منجزات حسن البنا. إذ قام بتطوير التنظيم وانتقى أفراده وتوسع في أعداده واستقدم خبرات وطور التدريبات ونفذ عمليات نوعية، وأسس جهاز مخابرات للإخوان وقام بعمليات تجنيد عكسي واخترق تنظيمات أخرى قائمة ومنها «مصر الفتاة»، واضطلع بأعمال ضخمة جداً بمعايير تلك الفترة. كان السندي شخصاً قوياً وخطيراً، لكن تلك الخطورة يتوازى معها انعدام شهرة لكونه شخصاً إشكالياً بالنسبة إلى «الإخوان المسلمين» فلم يعترفوا به. قد يصفونه بالمناضل المجاهد، لكن من الناحية الرسمية فهو مدان في عمليات تفجير وقتل، وإن اعترف به أعضاء الجماعة سيقرون بأشياء لم يرغبوا الاعتراف بها، وبينها الاغتيالات. وأشار الى أن «ثمة روايات ان السندي وصل إلى درجة «الندية» مع مؤسس الجماعة حسن البنا، فكيف لهم أن يعترفوا بشخص يثار حوله كل هذا اللغط، وفي الوقت ذاته لايمكنهم التنصل منه كلية وإلا عليهم انكار «الجهاز الخاص»، حيث كان يعمل السندي تحت سمع وبصر لبنا لنحو 10 سنوات، ويظل المدخل ا لتناول «التنظيم السري للإخوان» عبر مؤسسه الأكبر عبدالرحمن السندي».

واعترف الدريني أن «عمل فيلم وثائقي عن السندي لم يكن بالأمر الهين، إذ لم تتوافر بيانات أو معلومات أو صور عنه، وفي الوقت ذاته لا يمكن تجاهل هذه الشخصية التي تدفعك دفعاً للبحث خلفها، إذ يمتلك «غواية» ما يأخذك إلى حكاياته والروايات المتنافضة حوله». وهو ما حدث مع كاتب العمل الذي قال: «اعتمدنا على مذكرات أفراد الجهاز السري للإخوان وكانوا أربعة هم أحمد عادل كمال وعلي عشماوي ومحمود الصباغ وصلاح شادي. وكل شخص لديه اعتبارات تختلف عن الآخر فكمال دافع عن السندي باستماتة، بينما كرهه صلاح شادي، وثمة أقاويل أنه طمح إلى قيادة التنظيم بدلاً منه، فخرجت مذكراته لتشيطنه. أما محمود الصباغ فجاءت حيثية مذكراته لكون مرشد الجماعة مصطفى مشهور هو من كتب مقدمتها، ما أكسبها درجة من الشرعية والحجية والموثوقية. أما المذكرات الرابعة فهي لعلي عشماوي، وهو آخر قادة محاولات إحياء التنظيم السري، الذي كان مقرراً ان يستكمل ما بدأه السندي، فأولئك الأربعة هم من تناولوا السندي بزوايا مختلفة، وحاولنا الوصول إلى رواية تاريخية عبر رواياتهم. إضافة إلى الاستناد لكتاب صلاح عيسى «شخصيات لها العجب»، الذي يحتوي فصلاً عن السندي وولاية التنظيم.

وثمة أجزاء ضمن الفيلم حرص خلالها صناع العمل إلى الإشارة إلى اختلاف الرواية والتقدير، إدراكاً لكونها قضية تاريخية إنسانية تحتمل تقديرات مختلفة ومتضادة، في ظل رواية غير ملموسة بخاصة أن جميع من كتبوا مذكراتهم لديهم هدف وهوى في أنفسهم، فلا توجد كتابة على درجة من التجريد ولم يكن هناك شيوع في تناول الموضوع. وهو ما يؤكده الدريني بقوله: «رجحنا روايات عن أخرى بتواترها وقيمنا أشياء واتخذنا مسافات نقدية من روايات أوردناها لتقويض أخرى، وتفاعلنا معها ولم نكتف بعرضها ليختار منها المشاهد ما يريد، لانه قد يخفى على الجمهور بعض الأشياء، فحاولنا مزج الوثائق التاريخية المتاحة بتقديرات الضيوف وأحاديثهم وتحليلاتهم بالعودة إلى الوقائع والارشيف في محاولة لترميم الرواية لتخرج متماسكة وصلبة».

ويتضح جلياً عبر مشاهد الفيلم الجهد المبذول متمثلاً في مراعاة التفاصيل الدقيقة في جمع المادة العلمية، بخاصة مع ندرة المواد المتاحة حول حياة السندي، فإن الدريني نجح في الوصول إلى مذكرات القيادي أحمد عادل كمال المنقحة بخط يده، إضافة إلى تسجيل صوتي له لم يظهر من قبل، كما أن الصور التي احتواها الفيلم لأفراد جماعة الإخوان المسلمين في سجنهم كانت تنشر للمرة الأولى، وهي صور التقطها الإخوان لأنفسهم داخل السجون في الأربعينات، وتضم مشاهير بينهم مصطفى مشهور وسيد فايز ومحمود الصباغ، بالتالي لم يخرج الوثائقي استناداً إلى مجرد بحث مكتبي بل ثمة جهد صحافي وبحثي واضح. وأكسبت المشاهد التمثيلية العمل الصدقية وساهمت في عدم تسلل الملل إلى المشاهد، وامتزجت المشاهد الواقعية بالرسوم المتحركة التي راعت محاكاة الواقع. وهو ما قال عنه مخرج الفيلم شريف سعيد لـ»الحياة»: «تدور الأحداث منذ نهاية الثلاثينات وحتى مطلع الخمسينات من القرن العشرين، وبما ان المواد المتاحة حول هذه الفترة نادرة، لجأنا إلى البحث والاطلاع على مئات الصور كي ننتقي الممثلين الأكثر شبهاً بالشخصيات الحقيقية، وأسندت البطولة لوجوه فنية صاعدة وموهوبة وغير معروفة للمشاهدين، واعتمدنا أسلوب «ديكودراما» أي تصوير المشاهد بشكل درامي، ما وضعنا في مشكلة البحث عن تفاصيل كل مشهد ومنها «البيعة» وعمليات الاغتيال، كي تخرج المشاهد التمثيلية دقيقة، فيما راعينا أن تتوافق الملابس مع تلك الحقبة الزمنية، واستعنا بضابط شرطة متقاعد لأداء دور مدرب عناصر الجماعة على استخدام السلاح، بينما أدى مشهد التدريبات والنزال عدد من أبطال الجودو».

وعن أسباب اللجوء إلى الرسوم الكارتونية التي تداخلت مع التمثيل، أوضح سعيد: «بعض المشاهد لم يكن يصلح التمثيل فيها وبينها عمليات الاغتيال نظراً لصعوبة بعض التفاصيل وغرابتها وكنوع من شحذ الذهن إذ تتحول الدراما إلى رسم كارتوني، ثم العودة الى الواقع ما يخلق شكلاً وإيقاعاً مختلفاً». وأشار إلى أن أكبر تحدٍ واجههم خلال صناعة الفيلم هو ألا يخرج رتيباً ومملاً ما يصرف عنه المشاهد.

وجاء التعليق الصوتي من بين العناصر المميزة في العمل، بصوت المذيعة التلفزيونية منى سلمان التي اعتبرتها تجربة مهمة تعتز بها وأضافت لـ»الحياة»: «أحب التعليق الصوتي وبدايتي جاءت إذاعية، ومن ثم مازال التعبير بالصوت بالنسبة إلي هو «الحب الأول». وجاء النص الذي كتبه الزميل أحمد الدريني رائعاً بلغة راقية شاعرية محملة بالمعاني. كما أن تجربة التسجيل مع مخرج العمل جاءت رائعة وثرية نظراً لاهتمامه بأدق التفاصيل، ومتابعة طريقة الأداء، بخاصة أنني لم أكن قد شاهدت الفيلم، فكان سعيد يضعني في أجواء العمل، ما ساعدني على الاقتراب من الإحساس الحقيقي لكل مشهد».