مهرجان تيسالونيك حيث السينما العربية محصورة في سوق الأفلام

من افلام المهرجان.
تيسالونيك (اليونان) - أمــل الجمل |

كان يُمكن القول أن للسينما العربية وجوداً ما في ”آفق مفتوح“ أحد أهم أقسام الدورة التاسعة والخمسين في مهرجان تيسالونيك من خلال فيلمين، لكن حسم ذلك الأمر سيتوقف على الطريقة التي نُحدد بها هوية الفيلم؛ هل نعتبر جهة التمويل هي مَنْ يُنسب إلىها الفيلم؟ أم هي هوية المخرج؟ وماذا إذن عن الهوية الثقافية للعمل؟

هناك، مثلاً، الفيلم الأول ”تل أبيب على نار“ مُسجل بكتالوج المهرجان تحت اسم إسرائيل ولوكسمبورج وفرنسا وبلجيكا، على رغم أن مخرجه سامح زغبي فلسطيني، وإن كان من عرب ٤٨، وأيضاً على الرغم من الهوية الثقافية الفلسطينية الواضحة للفيلم. أما الفيلم الثاني فقد شارك لبنان في إنتاجه مع خمس دول أفريقية وأوروبية، بعنوان ”رفيقي“ من إخراج فانوري كايو، لكنه يكتسب هويته الثقافية من العادات والتقاليد في كينيا، حيث تدور الأحداث حول قضية العلاقات المثلية، خصوصا بين النساء، من خلال فتاتين في سن المراهقة، فرغم الخصومة والتنافس السياسي بين والديهما هناك حب يجمع بينهما، إلى أن يفتضح أمرهما فينكل بهما المجتمع من دون رحمة، بما في ذلك أقرب الناس إليهما.

أفلام ضد المرأة

إذاً ، في شكل رسمي، يقتصر حضور السينما العربية بالمهرجان اليوناني على السوق المتمثل في ”أغورا إنداستري“ Agora Industry والذي يُشكل أحدى مبادرات المهرجان. وهو حضور يمثله سبعة أفلام لا تخلو من الإشكاليات السابقة. فمثلاً فيلم ”صوفيا“ للمخرجة المغربية مريم بن مبارك، والذي تدور أحداثه في بلد المخرجة حول فتاة تتورط في حمل وإنجاب خارج الإطار الرسمي، ما يُوقعها وأسرتها في مشاكل قد تودي بها إلى السجن، لكننا نكتشف لاحقاً أن الفتاة مُخادعة، إذ تتهم شاباً بريئاً، من الطبقة الدنيا، وتُرغمه على الزواج بها، في حين تحمي مغتصبها الحقيقي، فيظل حراً طليقاً لأنه في شراكة بيزنيس مع والدها. إنه فيلم يمكن النظر اليه على انه ضد المرأة، حتى وإن إرتدي قناعاً يدعي الدفاع عن حقوق النساء في ظل قمع سلطة القانون والمجتمع.


«صوفيا»، رغم هوية مخرجته، وهوية أبطاله وجغرافية موضوعه، مُسجل في كتالوج المهرجان تحت اسم فرنسا وقطر اللتين شاركتا في الإنتاج. ولا يقتصر وجود قطر على ذلك الفيلم، فقط، لكنها تُشارك في إنتاج ثلاثة أفلام آخرى ليست لها أي علاقة بالأمور أو القضايا العربية أو حتى بقطر نفسها غير العلاقة التمويلية، وهي؛ ”الحمولة“ - ”لديك الليل“ - ”أصبح متأخر أن تموت مبكرا“. فالعملان الأولان ينتميان لسينما دول البلقان، ويتواجدان أيضاً ضمن قسم ”نظرة على البلقان“ إلى جانب عرضهما بالسوق، أما الفيلم الثالث فأرجنتيني برازيلي تشيلي مشترك.

صحيح أن هذه الأفلام الثلاثة تتميّز بمستوى فني لافت كما بلغة سينمائية تحمل شخصيتها المتفردة، المستمدة من خصوصية كل موضوع بكل ما يحتويه من خراب العالم جراء الحرب، أو الآثار المجتمعية والنفسية المترتبة على البطالة. لكن ذلك لا يمنعنا من التساؤل؛ لماذا تشارك دولة مثل قطر في إنتاج أفلام أوروبية تستطيع بسهولة الحصول على دعم من جهات متعددة؟! لماذا لا تُوجه قطر هذا الدعم للسينما العربية وصناع السينما المستقلة الذين يعانون الأمرين خصوصا في ظل إغلاق عدد من أهم صناديق الدعم العربية؟ هذا التساؤل يستدعي المقارنة مثلاً مع برنامج «إنجاز» وجميع أشكال الدعم الذي كان مهرجان دبي السينمائي يقدمه في أي من مراحل الإنتاج، إذ كان يشترط أن يكون المخرج عربيا، أو من أصول عربية، ويتناول فيلمه قضية عربية.

أما توجه قطر فيبدو متناقضاً وغير مفهوم، مثلما يشي بأن هناك دوافع أبعد من خدمة الفن السابع في الوطن العربي أو في قطر نفسها حتى. وربما يقتصر الأمر على توظيف واستخدام السينما لخدمة اسم جهة الإنتاج وجعله يتردد في مهرجانات دولية من خلال أعمال سينمائية مضمونة النجاح، أما المخاطرة من خلال دعم سينمائيين عرب فله حدود دُنيا.

عمرة والزواج الثاني

في المقابل نجد بين الأفلام العربية المشاركة في ”سوق أغورا“، الفيلم السعودي ”عمرة والزواج الثاني“ لمحمود صباغ في تجربته الروائية الثانية بعد ”بركة يُقابل بركة“ الذي كان مرشح المملكة للأوسكار عام ٢٠١٧.

هنا يُواصل صباغ في تجربته الثانية اختيار قضية تتعلق بالحريات وحقوق المرأة ومشاكلها في المجتمع السعودي، لكنه يٌركز على الضغوط التي تتعرض لها على أيدي بنات جنسها اللائي يدعمن المجتمع البطريركي ويُحافظن على بقائه واستقراره من خلال الموافقة على حق الرجل في الزواج الثاني، بل والدفاع عنه.

لاشك أن المخرج الذي كتب السيناريو بنفسه يتمتع بالجرأة خصوصا في انتقاده للشيوخ المستفيدين من وضعية النساء على تلك الشاكلة. مثلما لديه لمحات ذكية تكشف في لقطات سريعة كيف تتهاوي تلك الهيمنة الذكورية عندما تتراجع النساء عن دعمها، أو تكريسها.

في تجربته الأولى كانت الكوميديا واضحة عند محمود صباغ، أما هنا في فيلمه الثاني - الذي قام بتصويره كاملاً داخل السعودية بين سبتمبر(أيلول) وأكتوبر (تشرين أول) ٢٠١٧ - فإنه لم يكن موفقا في محاولاته خلق كوميديا. ويمكن القول على اي حال عن العملين معا انهما يفتقران أصلا الى اللغة السينمائية، حيث يصطبغ كل منهما بكل ملامح الدراما التليفزيونية، وبالتحديد أساسا لأن المخرج لا يمنح المَشَاهد الفرصة لكي تتنفس بشكل طبيعي صادق، حيث تأتي الحوارات أشبه بحركة كرة ”البنج بونج” كأن الممثلات يُسَمِعَّن الحوار المكتوب. من دون أن نغفل الأصوات العالية سواء في الأفكار المباشرة التي تُعبر عن أفكار المخرج أكثر مما تعبر عن شخصيات العمل، أو من خلال أداء بعض الشخصيات التي تنتمي للمسرح أكثر من السينما، والنمطية في رسم الشخصيات، حتى أن بعضها بدا مفرطا في كاريكاتوريته مثل شخصية الحماة الشريرة، والعروس السورية، وبعض النساء المسيطرات على السوق. كذلك، تم توظيف الموسيقى بشكل مبالغ فيه، إذ وضعها المخرج في أماكن عديدة لا تحتاج إلىها.

عروض عربية آخري

إن كان فيلم ”صوفيا“ المغربي لم يحمل هوية المخرجة ولا هوية بطلتها، فإن اسم المغرب في السوق حضر من خلال فيلم شديد العذوبة بعنوان ”تازيكا“. فيلم بسيط في حكايته، لكنه مؤثر، عن شاب مراهق يعشق الطهي الذي تعلمه من جدته، ولديه شغف في ابتكار وصفات مذاقها رائع، إلى أن يُراوده حلم الهجرة إلى فرنسا فهل تتركه الجدة التي سيقتلها الخوف من أن تتكرر مأساة أخيه الذي راح ضحية الحراقة قبل سنوات؟!

بقي أن نشير إلى أن الجزائر تتواجد بالسوق أيضاً من خلال فيلم ”لِيلِي من خلال السحب“ الذي لا يحمل أي هوية جزائرية، لا من ناحية الإخراج ولا الأحداث، مثلما يتكرر الأمر مع العراق الذي شارك في إنتاج فيلم ”الحمولة“ مع قطر وبعض دول أوروبية آخري. أما الهوية العراقية فيجسدها فقط فيلم قصير عن حلم العزف عند أطفال يجمعون الزبالة بعنوان ”أغلق عينيك جيداً“ للمخرج على البياتي.