«مكتبات وأسرار»: سياحة المعرفة على «أبو ظبي»

شيرزاد اليزيدي |

درجت العادة في برامج السفاري والسياحة الاقتصار على القشور بمعنى التركيز على المظاهر الاستهلاكية وجمال الطبيعة والمواقع السياحية والمطاعم والمولات وغيرها من المرتديات الترفيهية، لكن في برنامج «مكتبات وأسرار» الذي تقدمه أسرار الأنصاري على شاشة «أبو ظبي» يختلف الموضوع تماماً. فصحيح أنه ينتمي الى فئة برامج التجوال السياحية، لكننا هنا نتحدث عن سياحة ثقافية وحضارية بكل معنى الكلمة ولعل. عنوان البرنامج يجسد هذه الحقيقة ويكشف كنهها بلا لبس.


فالبحث عن المعرفة والكتب والمكتبات هو الأساس في صولات البرنامج وجولاته وهو المتن الذي تعرض على هوامشه بقية التفاصيل السياحية والأثرية والتاريخية... في رحلات معرفية ممتعة وشيقة. فنحن حيال إبحار سلس وبلا تكلف وتعقيد في تفاصيل ثقافية وعمرانية وانسانية جمالية تركز على عمق الخزين الحضاري لكل بلد وعراقة تقاليده العلمية والفكرية والأدبية... وهنا لب السياحة وروحها: السياحة المعرفية التي تتوخى الغوص في أغوار المجتمعات الانسانية وثقافاتها ومعارفها بغية فتح آفاق التثاقف والتعارف الحضاريين بين مختلف شعوب المعمورة ومجتمعاتها. وما أحوجنا الى برامج بهذه السوية العالية الهادفة الى الارتقاء بمفهوم السياحة معنى ومبنى عبر سبر الثقافات العالمية والتعرف اليها والتعريف بها، ما ينمي مناخات التلاقح والتواصل الثقافيين الإنسانيين ويعزز أجواء التفهم والتفاهم والتكامل والتعايش بين ثقافات العالم وحضاراته على تعددها وتنوعها.

والجميل أن البرنامج يعرض وبالتفصيل لتواريخ كبريات المكتبات العالمية وقصص بنائها وتدشينها وما تكتنزه من كتب ومجلدات ومخطوطات. فالمكتبة طالما شكلت لاعباً أساسياً في المخاضات الثورية والفكرية ومثلت مهداً لانطلاق وتبلور التحولات الكبرى وطالما مثلت معالم وطنية ووجدانية يشار لها بالبنان. فمن المكتبات الملكية وسط البلاطات والقصور الى المكتبات العامة الى مكتبات الجامعات والمقاهي الثقافية، يجوب البرنامج نبشاً وتنقيباً، مكتبة ومكتبة، بلداً وبلداً، بل قارة وقارة، والتي تتميز في معظمها بأنماط معمارية غاية في الجمال والروعة وبما يعكس العراقة والإتقان والاهتمام بتفاصيل المكان وديكوراته وتصاميمه بمقدار الاهتمام بما يحتويه من كتب وكنوز ثقافية متنوعة تنوع مضامير الصنيع والإبداع الثقافيين.

وهو يغوص في أدق دقائق كل ما يتصل بتلك المكتبات، فمثلاً تحدثنا أسرار خلال إحدى الحلقات عن وجود خفافيش تختبئ عادة خلف الرفوف والخزائن ولا تخرج الا مع حلول الظلام وإقفال المكتبات وخلوها لتشرع في التهام مختلف الحشرات والكائنات الدقيقة التي قد تفتك بتلك الثروات المعرفية الورقية بفعل عوامل الرطوبة والتقادم. وتغوص في تفاصيل تصميم خزائن الكتب ورفوفها والمواد المستخدمة في صناعتها، فمثلاً يستخدم في بعضها خشب البلوط المقاوم الاهتراء والعصي على النخر والفواح الرائحة الطاردة بعبقها للطفيليات الحشرية والمجهرية.

والحال أن لبرنامج «مكتبات وأسرار» من اسمه نصيب، فقد يبدو لوهلة أن المقصود فقط هو اسم مقدمته أسرار الأنصاري، لكنه كما سبقت الإشارة يسهب في الإحاطة بمختلف أسرار وخبايا تلك المكتبات بما هي من المعالم الثقافية والفكرية الكبرى: بناتها وتواريخ تأسيسها وأدوارها المعرفية والسياسية والاجتماعية ومختلف تفاصيلها بماضيها وحاضرها وخططها المستقبلية.