سامي سليمان: غياب الديموقراطية يعيق الحركة المسرحية العربية

سامي سليمان.
القاهرة - عبدالكريم الحِجراوي |

لعل أهم ما يميز الناقد المصري سامي سليمان؛ في الجانب الأكاديمي؛ هو حرصه الشديد على المنهجية العلمية. هو أستاذ النقد العربي الحديث في كلية الآداب - جامعة القاهرة. حصل على الماجستير في مسرح محمود دياب، والدكتوراه في «النقد المسرحي عند الاتجاه الاجتماعي في مصر 1945: 1967». يجيد الإنكليزية والألمانية والفرنسية، والفارسية، واليابانية. عمل في جامعتي بامبرغ وبرلين الحرة في ألمانيا، وجامعة أوساكا في اليابان، والجامعة الأميركية في القاهرة، وجامعة أم القرى في السعودية. صدر له أكثر من 11 كتاباً؛ من بينها مجموعة قصصية، وحصل على جائزة ساويرس للنقد الأدبي، وجائزة الدولة التشجيعية.


إلى نص الحوار:

> مَن هم الأساتذة الأكثر تأثيراً في حياتك الأكاديمية؟

- كثيرون؛ منهم من تتلمذتُ على كتاباتهم، وأبرزهم طه حسين وأمين الخولي ومحمد مندور وشكري عياد، ومنهم من تلقيتُ عنهم في قاعات الدرس والمحاضرة وأبرزهم عبد المحسن طه بدر وأحمد شمس الدين الحجاجي وعبد المنعم تليمة ونصر حامد أبوزيد.

> كيف ترى واقع المسرح المصري والعربي؟ وهل وصل إلى مرحلة النضج الفني؟

- يواجه المسرح المصري والعربي في العقود الأربعة الأخيرة صعوبة كبيرة بسبب انتشار فن الفيديو والمسلسلات التلفزيونية؛ ثم بسبب تضخم وسائل التواصل الاجتماعي؛ ما أتاح أمام قطاعات واسعة التعبير بدرجة كبيرة من الحرية. هذا التطور مثَّل في ظني بديلاً لأدوار اجتماعية وثقافية كان يقوم بها المسرح بمفرده من قبلُ. وأعتقد أن وصف «النضج الفني» يحتاج إلى شيء من التأني؛ لأن هذا معيار نسبي. ومن ثم يمكننا القول بأن المسرح العربي وصل إلى «النضج الفني» في خمسينات وستينات القرن الماضي، ولهذا عددٌ من العلامات الدالة التي لا يمكن إدراك حقيقتها إلا في ضوء إدراك العلاقة بين المسرح بوصفه نوعاً أدبياً وفنياً مِن ناحية، والثقافة العربية في سياقها الاجتماعي من ناحية أخرى.

> ماذا ينقص الحركة المسرحية العربية حتى تصل إلى المستوى المنشود؟

- إذا تصورنا أن هذا «المستوى المنشود» يعني قدرة هذه الحركة على الاتصال الحميم بالواقع، فهذا معناه أن ثمة عقبات «موضوعية» تحول دون تحقيق ذلك؛ أهمها: غياب الديموقراطية أو تحجيم الحدود «الضيقة» التي كانت متاحة منها، والضعف الشديد في المؤسسات الثقافية لكون غالبيتها تابعة للحكومات وليس لمؤسسات المجتمع المدني والأهلي، واستبعاد المسرح والفنون المختلفة من معظم برامج التعليم بمستوياته المختلفة، وعدم ترسيخ الإيمان بدور الفنون في صناعة الإنسان وتربية وجدانه وفكره، وتشكك النظم العربية الحاكمة في نتائج الحركة الحرة التي يمكن للإنسان العربي ممارستُها.

> لماذا تأخر ظهور المسرح العربي رغم ترجمة أرسطو منذ بداية العصر العباسي الأول؟

- هناك إجابتان؛ أولاهما أن المسرح نوع أدبي وفني معقد لكونه يستند إلى مجموعة من الفنون، ولكونه يتطلب سياقاً اجتماعياً تتحقق فيه صور من الحرية، ولهذا لم تؤد ترجمة كتاب «الشعر» لأرسطو إلى نشأة المسرح في الحضارة العربية الوسيطة، لاسيما حين نقول مع أحمد شمس الدين الحجاجي إن «الفن حاجة» وإن الحاجة إلى المسرح لم تتبلور لدينا إلا في العصر الحديث. ومن الواضح أن هذه الإجابة تنطلق ضمناً من التسليم بمنظور أن المسرح اليوناني هو النموذج الأساسي لتحقيق ماهية المسرح. وثمة إجابة أخرى ترى أن المسرح يتحقق حين تلتقي أية مجموعة من الأفراد ليمارسوا طقساً احتفالياً ما، فيتم التلاقي بينهم على أساس أدائهم مجموعة من الأدوار المتغيرة تبعاً للحظة اللقاء. ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الحضارة العربية الوسيطة عرفت أشكالاً متعددة من الاحتفالات العامة التي تعد أشكالاً متنوعة من المسرح، ولكنها كانت موضوعة في هامش الثقافة العربية وليس في متنها.

> هل بات لزاماً على الناقد أن يجيد لغة أجنبية على الأقل؟

- الناقد العربي الحديث لا يملك اختيار إهمال الاتصال العميق بثقافة أو أكثر من الثقافات الإنسانية، ولكي يتم ذلك يجب عليه أن يجيد لغة أجنبية على الأقل ليكون قادراً على التواصل مع المنجز المعرفي الذي قدمته في مجال الأدب والنقد وعدد من العلوم الإنسانية والاجتماعية ذات الصلة.

إن عدم إجادة الناقد العربي لغة أجنبية يعني أنه اختار تضييق الحدود المتاحة له لعمل صلة حقيقية وموثوق بها بمنتجات ثقافة أخرى، كما يعني أنه حرمَ نفسه من إمكانية أن تكون تجربة علاقته بثقافة أخرى غير ثقافته القومية تجربةً ذات خصوصية مصدرها خصوصيةُ تجربة المعرفة في بعدها الفردي؛ ذلك البعد الذي يمنح الناقد بخاصة أو القارئ بعامة ملامحَ مميِّزة لفكره ونشاطه.

> كيف ترى الدعوات التي تطالب بـ»تجديد الثقافة العربية»؟

- في العقد الأخير صار مطلب تجديد الثقافة العربية محصوراً في إطار مسألة تجديد الخطاب الديني، ولم يؤد هذا إلى إنتاج مشروع أو مشاريع تجديدية حقيقية إلى الآن. والمشكل الحقيقي في مسألة تجديد الثقافة العربية يعود، في ظني، إلى أن مفهوم تلك الثقافة يترسخ في أذهان الكثيرين على أنه الماضي أو التراث وحده، كما أن الكثيرين يتصورون أن مفهوم الهوية يستند إلى صيغة فكرية ثابتة ومتعالية على الواقع. وهذان الأمران يمثلان، في ظني، معوِّقين من أشد معوقات تجديد الثقافة العربية.

> متى يكون لدينا نظرية عربية في النقد الأدبي؟

- يمكننا أن نسجل وجود نظريات عربية متعددة في الممارسات النقدية من منتصف القرن التاسع عشر إلى الآن، وتمكن رؤيتها، على سبيل التمثيل، في كتابات كل من طه حسين وعباس محمود العقاد ومحمد مندور وشكري عياد ومصطفى ناصف. لكن هناك مغالطات شائعة لدى كثير من المشتغلين في حقول الثقافة العربية الحديثة عن فكرة «التبعية» تحول دون رؤية المنجز النظري العربي على حقيقته.

وللتدليل على رؤيتي هذه أدعو إلى تأمل القراءات المتعددة التي أنجزها النقاد والمفكرون العرب المحدثون للتراث الأدبي والفكري العربي رغم أن الكثير من منطلقاتهم الفكرية مستلهمة من الثقافة الغربية. وهذا يعني أننا إزاء منتج نقدي عربي لكننا لعوامل عدة لم ننشغل بتنميته. وصمة «التبعية» تريح الكثيرين من بذل الجهد اللازم لتطوير منتجنا النقدي الخاص. وفي ظني أن الجيل الحالي من النقاد العرب يستطيع تحقيق حلم النظرية العربية في حالة الوعي بما لدينا من جانب، وما لدى الثقافات الأخرى من جانب ثانٍ، وما يحتاجه واقعنا وثقافتنا من جانب ثالث.

> ما السبل لخروج النقد العربي من كبوته؟

- النقد العربي بوصفه ممارسة ثقافية واجتماعية ذات خصوصية يعاني وضعاً صعباً؛ بسبب ضعف المؤسسات التعليمية وتغييب الأدوات النقدية في تلك المؤسسات وغلبة المنظورات التقليدية على معظم مؤسسات الثقافة العربية. وإذا كان النقاد بوصفهم مسؤولين عن تلك الكبوة، فلا شك أن المسؤولية الكبرى تقع على المؤسسات الثقافية والاجتماعية التي نأمل أن تدرك حيوية دورها في دفع حركة النقد العربي مِن طريق إتاحتها الفرصة ليكون النقد بأدواته ومناهجه المتعددة واحداً من مقومات التكوين الأساسية التي يمتلكها المواطن العربي ويتدرب على تفعيلها في نشاطه العام.

> أصدرت مجموعة قصصية واحدة بعنوان «أسفار الوجد» بينما أعمالك النقدية بين كتب وبحوث ومقالات تخطت المئة، فما سبب هذا التفاوت؟

- أنا في الأصل قارئ محب لتأمل النصوص وفهم الحياة من خلالها. ومن هذا المنطلق بدأت بكتابة الشعر والقصة. وشيئاً فشيئاً أخذتني دراسة الأدب والنقد من الإبداع الأدبي إلى أن وجدتُني في ربيع عام 2014 أتوقف تماماً لكتابة مجموعة «أسفار الوجد» مستمتعاً بإعادة نسج الأشياء والأشخاص والمواقف بحثاً عن معنى. كتبتُ نصوص المجموعة في ظل مشاعر مختلفة من الحب والألم والأمل والرفض وإن كانت السعادة الغامرة التي شعرت بها في لحظات الكتابة منحتني نوعاً من الاتزان النفسي. ولكنني أدركتُ أن مواصلة معايشة تلك اللحظات تتطلب نوعاً من التفرغ الذي لا تتيحه ظروف العمل الأكاديمي؛ فقررت أن أجعل تلك المعايشة واحداً من مشروعاتي المؤجلة.

> ما تأثير الصراعات العربية على الإبداع العربي؟

- لم تنفصل حركة الإبداع العربي عن قضايا تلك الصراعات؛ فقد عالجت كثيراً من جوانبها إما بطريقة تنحو إلى الرصد والتسجيل «التأريخي»، وما نتج عن هذه الطريقة كتابات يمكن وصفها بأنها محدودة القيمة. وثمة طريقة أخرى تقوم على تأمل المبدعين مسارات تلك القضايا وتحولاتها بطريقة عميقة، في ظل إدراك تشابك العام والخاص وإمكانية أن تكون معايشة الشخصيات تلك اللحظات وسيلة لاكتشاف عوالمها وإعادة اكتشاف ذواتها. وهذه الطريقة هي التي أنتجت كتابات سردية تجمع بين التعمق في تصوير لحظتها التاريخية وتصوير الإنساني الباقي المجاوز لتلك اللحظة. ولكن تلك الكتابات تظل قليلة مقارنةً بالنوع الأول.

> هل نجح المبدعون العرب في رصد ثورات الربيع العربي وتبعاتها؟

- هناك قدر ملحوظ من الكتابات الإبداعية، في مختلف الأنواع الأدبية، التي تناولت ثورات الربيع العربي، ويمكن وصفها بأنها وليدة لحظة معايشة الحدث التاريخي وهو يتشكل، ولذا فهي كتابات تسجل وتصف وتستثمر قليلاً من عناصر الواقع. أما تلك الكتابات التي تتعمق في رؤية لحظات تلك الثورات والنظر إليها بوصفها جزءاً من تاريخ حركة المجتمع العربي بما يتضمنه من ماضٍ وحاضر ومستقبل، فهي كتابات لم يأن أوانها بعدُ لأن مقومات وجودها لم تكتمل حتى الآن. ومن المنتظر أن يكون أمامنا ما لا يقل عن عقدين أو ربع قرن حتى تتولد تلك الكتابات الإبداعية.