علاوي لـ «الحياة»: حكومة بغداد لا تستطيع ألاّ تلتزم العقوبات

إياد علاوي.
بيروت - وليد شقير |

توقع رئيس الوزراء العراقي السابق الدكتور أياد علاوي ألاّ تكتمل حكومة الرئيس عادل عبد المهدي في جلسة البرلمان التي تنعقد اليوم في بغداد للتصويت على الثقة بالوزراء الذين ستطرح أسماؤهم خلال الجلسة.


ورأى علاوي أن حكومة عبدالمهدي الذي أكد أنه يثق به وكذلك بالرئيس العراقي الجديد برهم صالح و «قلة» من الوزراء، تأتي في ظروف صعبة نتيجة تصاعد الصراع الدولي في المنطقة، لكنه شدد على أنه إذا استمرت العملية السياسية برفض حقائق الشارع العراقي، لن تنجح الحكومة وستسقط.

وتحدث علاوي لـ»الحياة» أثناء مروره في بيروت في زيارة سريعة، معتبراً أن استمرار إيران في التدخل في شؤون الدول الداخلية، «لن يسمح للحكومة العراقية بأن تتوسط لدى الولايات المتحدة من أجل أن تتوقف العقوبات الأميركية ضدها.

وأبدى علاوي الذي ترأس قائمة «ائتلاف الوطنية» في الانتخابات التشريعية العراقية تخوفه من عودة «داعش» إلى الساحة العراقية نتيجة أزمة النازحين من الموصل وغيرها.

وعن جلسة البرلمان اليوم من أجل التصويت على الثقة بالوزراء الذين سيتقدم الرئيس عبد المهدي بأسمائهم لملء الفراغات الوزارية في الحكومة قال علاوي: «أعتقد أن جزءاً من الوزراء الذين لم تتم تسميتهم حتى الآن سيتم توزيرهم، لكن بتقديري ليس كل الحكومة. على الأقل بعض الوزارات ستبقى شاغرة لمدة من الزمن. وأعتقد أن المشكلة ليست مشكلة الوزارة بل هي ماهية خريطة الطريق التي ستنتهجها الوزارة الجديدة في مسيرة العراق نحو شاطئ الأمان، علماً أن هذه الحكومة ولدت من خلال انتخابات غير نزيهة وغير شفافة وعملية سياسية بائسة لم تتمكن من ضم كل الشعب العراقي إليها إنما قامت على جهات وعلى التهميش والمحاصصة السياسية. لذلك فإن الحكومة تتشكل في ظروف صعبة جداً وقاهرة، في ظل الصراع القائم الآن في المنطقة والصراع الدولي، لا سيما في ظل الحصار المفروض على إيران عبر العقوبات».

وعن إعلان الحكومة أنها لن تلتزم العقوبات أجاب: «لا يستطيعون ألاّ يلتزموا. وإذا لم يلتزموا سيخسرون علاقتهم بالولايات المتحدة. يجب أن يكون هناك موقف متوازن ليأخذ العراق دوره في ممارسة الوساطة الحقيقية والبناءة بحيث تكف إيران عن التدخل في الشؤون العراقية وأن تتوقف العقوبات على إيران. لكن من غير المعقول أن تستمر إيران في التدخل في شؤون الدول الداخلية، وهذا لن يسمح للحكومة العراقية بأن تتوسط لدى الولايات المتحدة الأميركية في هذه الحالة. للعراق دور يمكن أن يلعبه باعتباره جسراً بين العمق العربي والعمق الإسلامي، وبالتالي مع أميركا وأوروبا. هذا من التحديات الكبرى التي ستواجه الحكومة الجديدة. لذلك أنا أكترث لخريطة الطريق أكثر مما أكترث للوزراء».

وأضاف علاوي: «نحن لدينا ثقة بالأخ عادل عبد المهدي و (الرئيس برهم) صالح وببعض الوزراء، على رغم أنهم قلة. لكنهم قادرون على التعامل مع الملف إن تعاونوا مع القوى التي تنتمي إلى الواقع العراقي وليس إلى هذا الجانب أو ذاك. ونحن أبدينا استعدادنا لدعم الحكومة لكن المهمات المقبلة والتحديات كبيرة جداً وخطيرة. شاء القدر أن يكون وجود العراق الجغرافي السياسي محاذياً لإيران ولتركيا، وأن يكون محاذياً للدول العربية وعمقاً للأمة العربية. العرب يمرون الآن في أزمة كبيرة وخانقة سواء في اليمن أو في سورية أو البحرين أو غيرها والعالم يمر أيضاً في أزمة كبيرة إن في أوروبا أو أميركا التي لديها مشكلة، والصين بدأت تعود إلى المسرح الدولي بقوة وكذلك روسيا الاتحادية التي بات لها موقع وتلعب دوراً واضحاً في الوضع السوري. لذلك نأمل في أن تكون الحكومة العراقية عندما تكتمل، قادرة على خوض المجابهات والتحديات بنجاح. وهذا يقتضي أول ما يقتضي الخروج من الطائفية واستقلال القرار العراقي وضمان شمول العملية السياسية لكل أبناء الشعب العراقي حتى يتحصن البيت العراقي وليس البيت الشيعي أو البيت السنّي أو البيت الكردي. ومن دون ذلك لن تقدر الحكومة على مجابهة التحديات المفروضة على العراق بنجاح في المستقبل القريب».

«داعش» والنازحون والوحدة المفقودة

وعن المخاوف من عودة «داعش» إلى بعض المناطق بعد الانتصار عليها، في ظل هشاشة الوضع العراقي قال علاوي: «لم ننتصر على داعش». انتصرنا في صفحة من صفحات المعارك ضده، هي الصفحة العسكرية، لكن لا يزال موجوداً في ثنايا المجتمع العراقي بسبب سياسات التهميش والإقصاء والتعامل السلبي مع أطراف، وبفعل السياسة الطائفية التي فرقت الشعب، ولهذا دعوت إلى استثمار الانتصار العسكري على «داعش» وإنهاء إمساكه بالأرض العراقية، لنحقق وحدة الشعب العراقي ولتحصينه ضد الطرف. لكن عندما يكون هناك ما يقارب مليوني نازح عراقي في معسكرات النزوح، ولا يقل عن 3 ملايين لاجئ خارج العراق، وعندما يكون هناك رفض لعودة بعض النازحين إلى وطنهم مثل منطقة جرف الصخر وغيرها، التي هي حزام بغداد، حينها سيكون هذا المكافأة التي نعطيها لـ «داعش» وبقاياه. وأعتقد أن الجيل الثاني من «داعش» يعود إلى تكتيكات «القاعدة» نفسها، بالضرب والاختفاء وليس الإمساك بالأرض. وهذا خوف كبير وجدته عند الدول أيضاً وكان موضوع نقاش مع وفد روسي زار العراق أخيراً، ومع وفد أميركي زار العراق أيضاً، بأن الشكل التالي من الإرهاب لن يكون عبر الإمساك بالأرض، وإنما الكر والفر وإلحاق أضرار كبيرة بالمجتمعات والحكومة الضعيفة التي يستهدفها هذا الإرهاب.

وعن الحاجة إلى إعادة إعمار المناطق التي دمرتها الحرب على «داعش» في وقت لا رصد في الموازنة لأموال من أجل ذلك، أكد علاوي أن الموازنة ضعيفة وهناك زيادة في الموازنة التشغيلية بحيث تصل إلى نسبة 90 في المئة، ويفترض أن يكون 10 في المئة لإعادة الإعمار لكننا ما زلنا بعيدين من المطلوب لأن جزءاً من هذه الـ 10 في المئة سيدفع لتسديد فوائد الديون. المشكلة ليست في إعادة الإعمار فقط، إنما في وحدة الشعب العراقي التي هي مفقودة الآن بسبب التأسيس الطائفي. وحتى الحكومة الحالية تأسست على شكل طائفي ولم تتألف في شكل وطني وعبر مرجعيات وطنية. هذا سيشجع «داعش» والإرهاب ومن سيكون باسم «داعش» من المتطرفين في المستقبل. الأوضاع السياسية وانعدام وحدة الشعب ووجود هذه الكمية الهائلة من النازحين كلها ستشجع «داعش». أنا زرت بعض معسكرات النزوح وعبرت عما رأيت في الإعلام وأمام المسؤولين العراقيين السابقين والحاليين. هذه قنبلة موقوتة. تخيّل ما يجري في الموصل، وفق ما يروي لي وزير الداخلية في كردستان كريم سنجاري، بأننا نستقبل يومياً الآن في معسكرات النازحين 10 إلى 15 عائلة كل منها يضم 4 إلى 5 أشخاص. هم يقومون بهجرة معاكسة ويتركون الموصل. هناك خطر كامن الآن، سينفجر في مرحلة ما، وسيكون هؤلاء المساكين عرضة للتجنيد من قبل أجهزة الإرهاب والمتطرفين. في مقابل هذا هناك حالة رفض في المناطق الشيعية من خلال التظاهرات السلمية والمطلبية، نتيجة معاناة محافظات الجنوب من مظاهر التخلف والتأخر كالبصرة. وهذه تظاهرات تبقى سلمية وتنتقل إلى حيز القوة لجهة مطالبها التي بدأت تتضح للمجتمع العراقي، لأنهم يطالبون بإصلاح الأوضاع الخدماتية والإنسانية والاقتصادية. وقبل أيام قتل منسق التظاهرات وهو أحد الشيوخ الذي اغتيل أمام منزله من قبل مسلحين مجهولي الهوية. الأمن والاقتصاد في مأزق، والوحدة الاجتماعية في مأزق، و «داعش» لا يزال كامناً ويشن هجمات بين الحين والآخر في العراق على طريقة الكر والفر، يضرب ويهرب. حصل ذلك في الموصل وكركوك وفي أطراف ديالى والأنبار، أي المناطق التي كما نقول، غالبية سكانها من إخواننا السنّة. في المناطق الشيعية هناك حالة فوضى واضطراب وهيجان وتظاهرات سلمية.

هذه من جملة التحديات التي تواجه الحكومة. من هنا ينبغي أن تكون للحكومة خريطة طريق واضحة تصب في استقرار العراق التدريجي من خلال معالجة المشاكل الأساسية، ومنها مسألة التمييز في المجتمع، والخروج من الطائفية السياسية للوصول إلى مفهوم الوطن والمواطنة التي تقوم على قدر من المساواة. من دون ذلك أرى من الصعب على الحكومة أن تواجه الصعوبات، لا الاقتصادية ولا الأمنية ولا الاجتماعية، ولا حتى أن يكون العراق قادراً على أن يلعب دوراً رائداً، إذ جرد من كل أسلحته في الصراع الأميركي- الإيراني الذي سيتضاعف في الأشهر القريبة المقبلة.

العملية السياسية وحقائق الشارع

وعن إمكان تجدد الانتفاضات الشعبية وإذا كانت قادرة على فرض التغيير أوضح أن «انتفاضة البصرة مستمرة، وهي بالتأكيد ستساعد في التغيير لكن التغيير يجب أن يأتي من داخل العملية السياسية. أما إذا استمرت العملية السياسية برفض حقائق الشارع العراقي، لن تنجح هذه الحكومة وستسقط. ولهذا جاء الأخ عبد المهدي في ظرف صعب ودقيق جداً. لكن ينبغي أن يأخذ القرارات والاتجاهات الصحيحة لمصلحة العراق. وإذا صوت ضده مجلس النواب لإخراجه فليخرجه. عندها يصبح زعيماً وطنياً». العبرة الآن ليست في الاشتراك في الحكم بقدر ما هي في عبور العراق العقبات الكأداء.

حكومتا لبنان والعراق

وعن ربط البعض في بيروت، ما يجري لجهة تعطيل الحكومة بما يحصل في العراق، أو في انتظار ما سيتم على صعيد الحكومة في بغداد قال علاوي: «لا أعتقد. مرة أخرى أعود للقول إن في العراق ليس الهدف تشكيل الحكومة. لكن في لبنان تشكيلها هو الهدف.

وأعتقد أن هذا منفصل عن الوضع العراقي وظروفه. تشكيل الحكومة في لبنان أصبح مطلباً ضرورياً وأساسياً لبناء الاقتصاد اللبناني. التقيت بعض الإخوان هنا وهم يتحدثون عن أن الاقتصاد اللبناني في كبوة شديدة وخطيرة، وسينهض متى شكلت الحكومة. لهذا على الفرقاء السياسيين في لبنان أن يتجاوزوا هذه العقبة كي يعود لبنان مركز استقطاب اقتصادي ويعيش اللبناني الذي كان دائماً مثلنا في التفكير والانفتاح والإيمان بالعيش المشترك والديموقراطية، في شكل سليم بحيث لا ينكسر لبنان اقتصادياً، لأن هذا شيء مؤذٍ لجميع العرب. الأزمة العراقية أبعد من الأزمة اللبنانية، لأنها تقع مع الجوار الإيراني وعلى خط النار كما يقال. هناك ظروف أخرى مختلفة في العراق. لكن هناك تشابه عام من حيث وجود رؤية مشتركة تقريباً من قبل الجارة إيران في ما يتعلق بالعراق. أنا شخصياً أرفض بوضوح التدخل في الشأن العراقي من حيث أتى سواء من إيران أو من السعودية أو من تركيا ومن أميركا ومن أي دولة. وهذا لا يجوز حتى في لبنان، الذي علمنا على الدوام أنه بلد العيش المشترك والدديموقراطية الحقيقية، وبلد المثقفين والفكر، مع بلاد الشام. وهو الذي أطّر منطق العروبة لمدة طويلة.

ولا يزال لبنان القلب النابض للفكر السياسي. هناك بلدان برزت فيهما الأفكار الوطنية والمهمة هما لبنان ومصر. ونحن نريد أن يعود لبنان هكذا بالإسراع في تشكيل الحكومة. ونصيحتي بصراحة لكل الإخوان والفرقاء اللبنانيين، أن تشكيلهم للحكومة سريعاً من دون النظر إلى المكسب الشخصي أو الحزبي مسألة مهمة، لأنه إذا غرقت لا سمح الله السفينة فالكل سيغرق معها. والشعب اللبناني أمانة في أعناقهم أولاً وأمانة في أعناقنا جميعاً نحن العرب. وهذا يقتضي تحصين الوضع الاقتصادي فيه. وأنا وفي المؤتمرات الدولية والعربية التي أحضرها حديثي هو عن تحصين بعض الدول العربية وفي مقدمها لبنان والأردن ومصر. هذه دول أساسية. وعلى رغم صغر حجمه فإن كُبر لبنان في ما يختزنه من فكر. وهذا ما يوجب على العرب أن يتنبهوا إليه ويدعموا تشكيل الحكومة سريعاً.