اليوناني السوري جمال جرعتلي على «طريق الحرير»

نديم الوزه |

علاقة الفن بالاقتصاد قديمة؛ قِدم اختراع الإنسان لأدواته البدائية من أجل الصيد ومن ثمّ الزراعة. ومع ظهور التبادل التجاري بين الرعاة والفلاحين، تمّ اختراع الصناعات المدمجة بين المجالين. وبرعت الحضارة الصينية في الاختراعات ذات الطابع الفني، ولاسيما الحرير منها. احتفى العالم آنذاك بهذا المنتج الجديد، حتى وصل إلى أوروبا. وكثرت التجارة بين الشرق والغرب واتخذت مساراً سلمياً ما يقارب ألفاً وخمسمئة عام قبل الميلاد، بسبب حكمة الصينيين ومحبتهم للسلام، وسميَّ هذا المسار - المتفرع شمالاً وجنوباً - بطريق الحرير.


لم يبق من هذ الطابع السلمي لطريق الحرير بعد ذلك سوى الذكرى، فلا همّ للقوى الكبرى في العالم سوى السيطرة عليه، ولو أدّى ذلك إلى الحروب المدمّرة منذ تشكّل الامبراطوريات وحتى الآن. وربما هذا ما يدفع محبّي السلام إلى استعادة تلك الفترة الهنية من التواصل بين مختلف الشعوب من طريق التجارة وما يتخللها من تبادل للاختراعات والثقافات. فلا غرابة أن تظهر الدعوات العالمية ين الحين والآخر لإحياء طريق الحرير بأشكال مختلفة تجارية وصناعية وسياحية، وربما يكون الشكل الذي اتخذه الفنان السوري جمال جرعلتي في مشروعه التشكيلي «طريق الحرير» أجملها إبداعاً وإفادة معرفية، في تصدّيها السلمي لعدمية الحداثة المطلقة ورغبتها بالتنافسية الاقتصادية المحضة ولو عن طريق الحرب ودمار الشعوب وثقافاتها الوطنية والقومية.

ربما كان لولادة جمال في سورية (1961) ثم هجرته إلى اليونان (1987) وما يعنيه ذلك من تفاعل بين الحضارتين الفينيقية والإغريقية، أثراً واضحاً في تبنيه لرؤية كونية ما بعد حداثية لحوار الحضارات، أنتجت رؤية فنية مبتكرة في حوار الفنون وتحديداً بين النحت والرسم حيث امتزجا في لوحة واحدة، ولكن بعيداً عن الإلصاق الداداي وتقنياته التجمعية السهلة والفظّة غالباً. ويبدو من المناسب، هنا، تأكيد أنّ الإلصاق هو احتجاج حداثي سطحي أكثر مما هو قيمة ما بعد حداثية أصيلة كما هو شائع لدى مفكري ما بعد الحداثة وشراحها. بينما تقنية جمال المبتكرة تحاور بين الأنواع الفنية من خلال نحت اللون بطريقة حفر الحجر ذاتها، ومن غير التخلّي عن الجنس الفنّي للوحة المرسومة. وبهذا المعنى صار يمكن الحديث عن النحت البارز الذي يمتلك خواص الرسم والتصوير جميعاً، كما كان يطالب ليوناردو دافنشي متحدياً في معرض المفاضلة بين فني النحت والتصوير؛ ليمكن في الوقت نفسه الحديث عن التصوير الذي يمتلك خواص النحت البارز، وقد يضع هذا الإنجاز عمل جمال كأحد مجدّدي تقنيات الفنّ البارزين عبر التاريخ كما حاولت أن أبرهن من خلال دراسة مطوَّلة أنتظرُ نشرَها.

ربما جعلت طبيعة طريق الحرير المتحركة من الحصان ثيمة أساسية في لوحات جمال، باعتباره وسيلة نقل أكثر من كونه وسيلة حرب، لولا أنّ جدل هذه الحركة الأفقية في المكان والعمودية في الزمان سوف يسمح في استحضار الصراعات الاستعمارية الأولى، وماتعرضّت له زنوبيا؛ ملكة تدمر من ظلم، وكان من اللافت أني عيد جمال لتمثال زنوبيا أنفه المكسور، كإعادة اعتبار حقيقية لكبريائها وعزّتها طالما لم يبق من تدمر – أحد المراكز الكبرى لطريق الحرير – سوى الآثار والتماثيل.

ألّا تقتصر لوحات طريق الحرير على الحصان وحده، وإن رافق معظم محمولاتها الأنثروبولوجية، ربما باستثناء لوحات التجار الصينيين؛ كونهم منتجين للحرير، ومستقرين، سوف يفتح مجال الرؤية على مستويات اللوحة وتفاصيلها وقراءتها المتعدّدة ولاسيما الأدبية منها، لولا أنّني،هنا، سأكتفي بأهمية المواد واحتفائها بالحوار الحضاري بين الصين المنتجة للحرير والألوان الطبيعية لحوض البحر الأبيض المتوسط، بما يشكّل حواراً جغرافياً وجيولوجياً وصناعياً في تكوين اللوحة، سوف يمنحها فرادة بصرية لا سابق لها.

هذه الفرادة في الإبداع ستلقى تقديراً لائقاً بها في العرض، فقد عرضت لوحات طريق الحرير عام 2016 في متحف بيناكي اليوناني الوطني، أحد أهم خمسة متاحف أوروبية. وهذا العام اختارت دار النشر اليونانية العريقة «ڤيماتانيا» لوحات جمال جرعتلي، لتصاحب تقويم عام 2018. وقد اختارت الدار مجموعة من لوحات «طريق الحرير»، فضلاً عن سبع لوحات جديدة، لترافقك لصفحة من صفحات التقويم السنوي لليونان. وفي يوم 18 10 2018، أفتتح معرض جمال جرعتلي الجديد في متحف داليان في الصين بدعوة من كلية الفنون، ويتركّز عمله هذه المرّة على دور الحرير في مسرح البانتو مايم الصيني، وأهمية الحرير في توضّع الألوان المباشر عليه!