«الفكاهة والضحك» طرح موسوعي غير مسبوق عربياً

شاكر عبدالحميد. (الحياة)
عبدالكريم الحجراوي |

يكشف كتاب "الفكاهة والضحك رؤية جديدة"، للمصري شاكر عبدالحميد، والذي صدرت طبعته الأولى ضمن سلسلة عالم المعرفة - المجلس الوطني للثقافة والفنون - الكويت، ثم أصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن سلاسل "مكتبة الأسرة، عن طرح موسوعي عربي غير مسبوق. ناقش هذه القضية من قبل زكريا إبراهيم في كتابه "سيكولوجية الفكاهة والضحك" الصادر عام 1958، في 150 صفحة؛ بعرضه لمختلف الآراء حولها، تاركاً للقارئ اختيار ما يناسبه منها.


ويقع كتاب شاكر عبدالحميد في 500 صفحة من القطع الكبير، ويسعى من خلاله إلى دراسة الفكاهة والضحك دراسة بينية في مجالات الأدب وعلم النفس والفن التشكيلي، علماً أن هذا الموضوع تتقاطع في دارسته حقول معرفية كثيرة؛ منها علم وظائف الأعضاء، والفلسفة، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والتاريخ، والنقد الأدبي، والسيموطيقيا، والفنون التشكيلية، والسينما، والمسرح، والتلفزيون... إلخ؛ إذ أحصى الدارسون أكثر من مئة نظرية للضحك والفكاهة حتى الآن.

ويبدأ عبدالحميد بفصل إجرائي يضبط مفاهيم الدراسة؛ مشيراً إلى أن الفكاهة هي المفهوم العام للظاهرة، أما الضحك والحماقة والكوميديا، فهي مظاهر دالة عليها. وبعدها يتناول المفاهيم الأساسية في هذا المجال والتفرقة بين المتشابه من المصطلحات، وسرد آراء العلماء حول سؤال: هل هناك من يضحك غير الإنسان؟ ويشير إلى وظائف الضحك الأساسية من التخفيف من وطأة القيود الاجتماعية، والنقد الاجتماعي الساخر. كما يساهم الضحك في مواجهة الخوف والقلق، ويرسخ عضوية الفرد في الجماعة.

ويلفت شاكر إلى أن معظم الفلاسفة من أصحاب النظريات الكبيرة هم أصحاب إسهامات في نظريات الضحك، ومنهم أفلاطون وأرسطو، وكانط، وشوبنهور، وبرجس، عارضاً منجزاتهم في الفصل الثاني من الكتاب، والتي يمكن تصنيفها في ثلاث فئات: نظريات عامة لتفسير الضحك وهي التفوق أو السيطرة، ونظريات التناقض في المعنى، والنظريات التي تدمج بين نظريتي التفوق والسيطرة. أما في مجال علم النفس، فيلاحظ عبدالحميد أن غالبية نظريته لتفسير الضحك تقع بين فئتي التناقض في المعنى والسيطرة والتفوق.

ويسرد الفصل الرابع ما يخص الفكاهة والضحك عبر العمر، فالابتسام هو وحدة من خمس استجابات غريزية تعمل على زيادة الربط والترابط بين الطفل والأم في شكل تفاعلي ويزداد من خلالها إمكان بقاء الطفل حياً. وهذه الاستجابات هي: "التقلب على الفراش، العناق، المص بالفم، الاتصال بالعين، القبض باليد"، فيما يصبح الطفل قادراً على الضحك خلال الشهر الثالث أو الرابع من عمره. ثم يمر الضحك بتغيرات وارتقاء تدريجي في سلوك الفكاهة الذي يختلف حسب كل مرحلة عمرية للإنسان، من الضحك من موقف كوميدي، إلى الضحك العداوني، ثم الضحك المصحوب بالتأمل. وفي كل حالة يكون الضحك بمثابة الخبرة المخففة من التوترات والصراعات الجسمية والنفسية والاجتماعية.

ويتناول الكتاب في فصليه الخامس والسادس، العلاقة بين الفكاهة والشخصية، والضحك والمجتمع، إذ لاحظَ بعض العلماء أنه لا يوجد إنسان ولا جماعة إنسانية من دون حس خاص لها بالفكاهة يميزها، والذي ينقل فيه ملمحاً مهماً عن العلاقة العكسية بين غياب الحرية والقمع وانتشار الضحك؛ الأمر الذي قد يفسر شغف المصريين بالضحك والنكتة أكثر ربما من أي شعب آخر. وهو ما رصده الرحالة والمؤرخون منذ القدم حول طبيعة الشعب المصري، إذ وردَ عن ابن خلدون قوله في المقدمة: "إن أهل مصر يميلون إلى الفرح والمرح والخفة والغفلة عن العواقب"، ونُقلَ عنه أيضاً أنه حين رأى المصريين قال: "أهل مصر كأنهم فرغوا من الحساب". وقال عنهم المقريزي: "مِن أخلاق أهل مصر الإعراض عن النظر في العواقب". وفي الفصل الخامس من كتاب "الفكاهة وآليات النقد الاجتماعي" والذي شارك شاكر عبدالحميد نفسه في كتابته مع كل من معتز سيد عبدالله وسيد عشماوي، توجد الكثير من المقولات التي تكشف عن طبيعة الشعب المصري الضاحكة. وهناك كتب كثيرة تناولت هذه الطبيعة في الشعب المصري الذي يعد الضحك والنكتة لديه وسيلة من وسائل المقاومة لما يلاقيه من عسف وظلم من قبل الحكام.

فالنكات السياسية موجودة بكثرة في مصر، وأفردَ لها الصحافي عادل حمودة كتاباً عنوانه "النكتة السياسية: كيف يسخر المصريون من حكامهم". فكلما ضاق هامش الحرية انتشر هذا النوع من النكات. فهناك نكات سياسية في الغرب بطبيعة الحال، ولكن ليست بالكثرة الموجودة في مصر والبلاد المقموعة، وذلك لأنه ليس من المحرم هناك أن يقوم الناس بنقد الحكومة أو النظام السياسي وإبداء المعارضة له، كما تقوم وسائل الإعلام على نحو منتظم بالنقد الحاد المباشر والسخرية اللاذعة من بعض الأمور أو الشخصيات السياسية.

ويقدم عبدالحميد في هذا الفصل أشكال الفكاهة في عدد من البلدان الغربية مثل أستراليا وبلجيكا وفرنسا وبريطانيا، وأيضاً الكيان الصهيوني، وإيطاليا والولايات المتحدة واليابان، من دون أن يكون هناك رصد لطبيعة الضحك في البلدان العربية. وربما يكون سبب ذلك أن الكتاب ذو طابع تجميعي يقوم برصد ما كتب حول الموضوع في الغرب، فيحلله ويبدي ملاحظات مهمة حوله. أما الفصل السابع فيخصصه المؤلف للفكاهة والضحك في التراث العربي، ويرصد فيه نظرة الإسلام إلى الضحك وأشهر مَن كتبوا في هذا المجال، مثل الجاحظ في البخلاء"، وظرفاء العرب مثل جحا وأبو علقمة وأبو دلامة، والكتب التي تناولت أخبار الحمقى، فالفصل ذو طابع تراثي كما يبين العنوان ولم يرصد الفكاهة والضحك لدى العرب في الحياة المعاصرة.

وفي الفصل الثامن يعرج عبدالحميد على موضوع الضحك في الأدب؛ بخاصة ما أنجزه ميخائيل باختين في هذا المجال؛ بخاصة المحاكاة التهكمية الاحتفالية. ويتناول هذا الفصل أيضاً عدداً من الأعمال الروائية المضحكة مثل "الشريف العبقري" لدون كيخوته، و"التاريخ السري لنعمان عبدالحافظ" لمحمد مستجاب.

ثم يناقش في الفصل التاسع علاقة الفكاهة بالفنون التشكيلة وتاريخها، وتطوراتها وأهم أعلامها، وفن الكاريكاتير وجذوره ويتناول أيضاً فناني الكاريكاتير العرب. ويعرض في الفصل الذي يليه للنكتة وأهدافها. والفصل الحادي عشر يتناول أنوع المضحكين. والفصل الأخير يعالج أمراض الضحك وأساليب العلاج به.

وهكذا نجح شاكر عبدالحميد، الأستاذ في أكاديمية الفنون المصرية، في دراسة الضحك بين مجالات معرفية مختلفة، وفي محاولة الربط بين النظريات المختلفة للضحك وتقديم رؤية جديدة له من اتجاهات متباينة.