«روح شنغهاي» الوثّابة وقلب جامعة الدول العربية العليل

أحمد خميس |

تأسست منظمة شنغهاي، بتشجيع من الصين عام 1996، إذ تم الإعلان عن إقامة مجموعة شانغهاي للدول الخمس، التي ولدت من رحم سلسلة من محادثات ترسيم الحدود ونزع السلاح بين الصين وكل من روسيا وكازاخستان وطاجيكستان وقرغيزستان، وحققت إنجازات في مجال تسوية النزاعات الحدودية، وطرح تدابير لبناء الثقة، والتحرك بطرق تعاونية لمكافحة الأنشطة غير المشروعة في المنطقة مثل الإرهاب وتهريب المخدرات. وفي عام 2001، تغير اسم المجموعة إلى «منظمة شانغهاي للتعاون»، وتم توسيع أهداف ومبادئ وبنى المنظمة لتشمل المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية، إضافة إلى بناء الثقة العسكرية. كما تم ضم الهند وباكستان ومنغوليا وإيران إليها بصفة دول مراقبة. المبادئ الثلاثة التي رفعتها المنظمة منذ البداية هي مكافحة الشرور الثلاثة: «الإرهاب، والتطرف، والنزعة الانفصالية». هذه الشرور، لم تعان منها الصين والدول الأعضاء في منظمة شنغهاي وحسب، وإنما تعاني منها الدول العربية أيضاً. ومن الجدير بالذكر، أن منظمة شنغهاي للتعاون هي من أولى المؤسسات متعددة الأطراف التي أخذت على عاتقها مكافحة الإرهاب، من خلال عدد من الآليات والاتفاقات. أما جامعة الدول العربية التي تأسست في العام 1945، فلم تقدم الكثير لأعضائها. في حالة ليبيا؛ مثلاً، جانبَها الصواب في تقدير الآثار السلبية للتدخل الدولي فيها عام 2011. بينما قدمت منظمة شنغهاي لأعضائها الثمانية، الكثير، ومنه على سبيل المثال: استطاعت المنظمة من خلال الهيكل الإقليمي لمكافحة الإرهاب RATS، الحد من انتشار ظاهرة الإرهاب في المنطقة، ففي الفترة بين عامي 2011 و2015، نجحت سلطات الدول الأعضاء في المنظمة في منع 20 هجوماً إرهابياً، وتجنب 650 جريمة ذات طبيعة إرهابية ومتطرفة، وتحييد 440 معسكر تدريب للإرهابيين و1700 من أعضاء المنظمات الإرهابية الدولية. فضلاً عن اعتمادها الحوار الثقافي، كتدبير وقائي ضد التهديدات الأمنية، كعامل أساسي في إقامة الثقة المتبادلة والصداقة وعلاقات الجوار بين الدول الأعضاء في المنظمة. وهو ما حدى بالرئيس الصيني شي جين بينج؛ في الاجتماع الثامن عشر لمجلس رؤساء دول منظمة شانغهاي للتعاون، إلى القول: «أن تطور المنظمة يمثل إبداعاً مهماً لنظرية العلاقات الدولية وممارستها، ويخلق نموذجاً جديداً للتعاون الإقليمي، ويقدم إسهامات جديدة للسلام والتنمية الإقليميين».


بعد 17 عاماً من تأسيس منظمة شنغهاي للتعاون، تطورت وأصبحت أكبر منظمة إقليمية شاملة من حيث عدد سكان أعضائها. تبلغ مساحة المنظمة أكثر من 60 في المئة من مساحة يابسة منطقة أوراسيا، وتمتد من القطب الشمالي إلى المحيط الهندي جنوباً، ومن ليانيونقانغ شرقاً في الصين إلى كالينينغراد في روسيا. ومهمتها الأساسية هي الحفاظ بشكل جماعي على الاستقرار ومواجهة التهديدات الأمنية بشكل فعال. ومن أبرز ملامح هذه المنظمة ما يسمى بـ»روح شنغهاي»، التي تجسد قيم الثقة والمنافع المتبادلة والمساواة والتشاور واحترام التنوع الحضاري والسعي نحو التنمية المشتركة. فالثقة والمنافع المتبادلة، شرط أساسي لضمان التشغيل السلس للمنظمة وتحقيق التعاون والفوز المشترك. وتمثل المساواة والتشاور، مبدأ المعاملة وتضافر الجهود والآراء والقيام بالتعاون المتعدد الأطراف. أما احترام التنوع الحضاري، فهو موقف المنظمة تجاه الاختلاف بين الحضارات والثقافات والأنظمة السياسية ومسارات التنمية في الدول الأعضاء. ويظل السعي نحو التنمية المشتركة، الهدف الذي تعمل المنظمة من أجله.

لقد دفعت روح شنغهاي تطور المنظمة من مجرد منصة للتعاون الأمني إلى إطار تعاون لتحقيق التنمية الإقليمية عبر تيسير التجارة والاستثمار وتعزيز التعاون الصناعي فضلاً عن تكثيف التبادلات الشعبية. ومع مبادرة الصين «الحزام والطريق» التي تشمل مشروعات رائدة في مجالات البنية الأساسية والمالية والتبادلات الشعبية، يبشر بوجود فرص أعظم للتنمية، فإن ثمة آفاقاً أرحب للتعاون في العديد من المجالات التي تتجاوز الأطر التقليدية. الفارق بين منظمة شنغهاي بعد سبعة عشر عاماً من الإنشاء، وجامعة الدول العربية بعد قرابة أكثر من نصف قرن، تتمثل في: أولاً، الإنشاء: فمنظمة شنغهاي أنشئت في البيئة الدولية بعد نهاية الحرب الباردة؛ استجابة لتطلع ورغبة أعضائها في تعزيز التعاون الإقليمي إلى حد كبير، وليس استجابة للتغيرات في البيئة السياسية الدولية. بينما أنشئت جامعة الدول العربية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية؛ إستجابة للتغيرات في البيئة السياسية الدولية. وثانياً، الإنضمام إلى المنظمة: بدأت منظمة شنغهاي بخمس دول، هي: الصين وروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان. وانضمت إليهم الهند وباكستان عام 2017. وهي منظمة مفتوحة في هذا المجال، ولديها تسامح تجاه الاختلاف بين أعضائها، وتلتزم بتعزيز التفاهم بين الثقافات والحضارات كمهمة مهمة لها؛ ما يجعلها منظمة فريدة في المجتمع الدولي. بينما جامعة الدول العربية بدأت بخمس دول أيضاً- كما سبق ذكرها- وانضمت إليها باقي الدول العربية، حتى وصلت إلى 22 دولة عضواً، وفرضت قيوداً على عضويتها بعد ذلك.

وثالثاً، الروح: فمنظمة شنغهاي، سيطر عليها روح شنغهاي من ثقة ومنافع متبادلة ومساواة وتشاور واحترام للتنوع الحضاري، وغير ذلك من سمات تدفع نحو التقدم والرقي. فالثقة والمنافع المتبادلة، تساعد الدول الأعضاء على تخفيف مخاوف المعاملة غير المتساوية في إطار المنظمة. وتساعد المساواة والتشاور، على التغلب على مخاوف الدول الأعضاء الصغيرة من استئساد، الدول الأعضاء الكبيرة في المنظمة. ويساعد احترام التنوع الحضاري، الدول الأعضاء على التخلص من نبوءة صراع الحضارات، من خلال الحوار الحضاري. بينما سادت روح التحدي وغياب الثقة بين الدول العربية، ومحاولات البعض تغليب مصالحه على مصالح باقي الدول العربية، والأمثلة على ذلك كثيرة. ورابعاً، أولوية الاقتصاد (المنافع المتبادلة): في إطار منظمة شنغهاي للتعاون، عملت الدول الأعضاء على تعزيز وتسهيل التجارة والاستثمار، وإزالة الحواجز التجارية البشرية. وتقوم الأعضاء بتحديد مجموعة كبيرة من المجالات والمشروعات الرئيسة من خلال التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف، وتوقيع اتفاقيات لتسهيل النقل البري. فالغاز الطبيعي يصل من آسيا الوسطى إلى بيوت الصينيين، ويستخدم الخشب الروسي في صنع الأثاث الصيني، وتتحول غزول القطن القادمة من باكستان وأوزبكستان إلى ملابس يرتديها الصينيون، بينما السيارات التي تسير في شوارع الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون ومحطات وشبكات الكهرباء التي توفر الكهرباء والتدفئة وأجهزة الهاتف النقال في أيدي عامة الشعب في هذه الدول، مصنوع الكثير منها في الصين. وفي عام 2017، أصبحت ماركة «هاير» (ماركة صينية) أسرع ماركة نمواً في السوق الروسية. وفي الثامن والعشرين من أيار (مايو) 2018، أقيمت مراسم وضع الأساس لحديقة «هاير» وقاعدة «هاير» لإنتاج الغسالات الكهربائية في روسيا. ويتوقع أن تبدأ هذه القاعدة الإنتاج في تموز (يوليو) 2019، وستسوق منتجاتها في روسيا ومنطقة آسيا الوسطى والسوق الأوروبية. ويشكل إجمالي الناتج المحلي للدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون ربع إجمالي الناتج المحلي العالمي تقريباً. إذ تشكل هذه الدول أكبر سوق إقليمية في أوراسيا. وتجاوز حجم التبادل التجاري بين الصين والدول الأعضاء الأخرى في المنظمة 200 بليون دولار في العام 2017. ووفقاً للإحصاءات من الجمارك الصينية، شهد حجم واردات وصادرات الصين مع الدول السبع الأخرى الأعضاء في المنظمة، زيادة كبيرة في الشهور الخمسة الأولى للعام 2018، إذ وصل إلى 31,636 بليون يوان، بزيادة نسبتها 3,10 في المئة عما كان عليه في الفترة نفسها من العام السابق، إذ بلغ حجم صادرات الصين إلى هذه الدول 09,413 بليون يوان بزيادة 5,6 في المئة، وبلغ حجم واردات الصين من هذه الدول 22,223 بليون يوان بزيادة 2,18 في المئة.

لقد قدمت الصين قروضاً ميسرة بلغت أكثر من 22 بليون دولار في إطار منظمة شنغهاي للتعاون، وأنشأت لجنة حسن الجوار والصداقة والتعاون، ومركزاً للتعاون لحماية البيئة. وتهدف هذه التدابير إلى توسيع أطر الصداقة لتشمل الأجيال القادمة، وتوسيع التبادلات غير الحكومية، وخلق رأي عام إيجابي من أجل إرساء أساس متين للتعاون الإقليمي. وطرح الرئيس الصيني شي جين بينج - في الاجتماع الثامن عشر لمجلس رؤساء الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون- خمسة مقترحات تشمل التضامن والثقة المتبادلة والسلام والأمن والتنمية والازدهار والتبادل الإنساني والتعاون الدولي وغيرها، قائلاً إن «بناء محرك قوي لتحقيق التنمية المشتركة والازدهار المشترك يشير إلى اتجاه منظمة شنغهاي للتعاون نحو التعاون الاقتصادي والتجاري في المستقبل». وأشار الرئيس الصيني إلى: «دفع الربط بين إستراتيجيات التنمية ودفع بناء الحزام والطريق، والإسراع في مسيرة تيسير التجارة الإقليمية، وتنفيذ اتفاقية تسهيل النقل على الطريق الدولي وغيرها من اتفاقيات التعاون»، وفقاً لمبادئ التشاور المشترك والبناء المشترك والاستفادة المشتركة. كما أعلن أن الجانب الصيني سيقيم مؤسسة إقراض خاصة بقيمة 30 بليون يوان (الدولار الأميركي يساوي 4,6 يوان) في إطار تحالف بين بنوك الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون. ومن ثم، تعزز العلاقات التجارية ازدهار أسواق مختلف الدول، وتشكل هيكلاً للمنفعة المتبادلة، يتمثل في المثل الصيني: «أنا أعيش بداخلك، وأنت تعيش بداخلي». إن دفع الصين للتعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء في المنظمة، في إطار مبادرة الحزام والطريق؛ سيسهم في رفع مستوى التعاون الاقتصادي بين مختلف الدول ويزداد التوافق بين مصالحها، وتتطور كل هذه الدول في نهاية المطاف نحو رابطة المصير المشترك، حسبما صرح قاو يوي شنج، سفير الصين السابق لدى أوزبكستان، على هامش أعمال الاجتماع الثامن عشر للمنظمة.

وعلى الجانب العربي، حدث ولا حرج عن الحجم الهزيل للتجارة العربية البينية، وحاول أن تفهم لماذا يحدث ذلك؟ وكيفية الخلاص؟

وخامساً، أسلوب التعامل بين الدول الأعضاء: تعد منظمة شنغهاي للتعاون أول منظمة إقليمية تحمل إسم «مدينة صينية»؛ ما يؤكد الخصائص الصينية التي تسبغ عمل هذه المنظمة، ورغم ذلك لم تجد إختلافاً حول مسماها، أو سعياً نحو تغييره. فضلاً عن إختلاف أسلوب المعاملة بين الدول الأعضاء فيها، عن المنظمات الدولية الإقليمية الأخرى، التي تلجأ الدول الكبرى فيها إلى فرض عقوبات على الدول الصغرى. وسيشهد التاريخ عدم ظهور أي حالات لإستقواء الدول الكبيرة على الدول الصغيرة في هذه المنظمة حتى الآن. وقد أحسن الرئيس الصيني، عندما قال: «مستقبلنا مشرق، لكن الطريق أمامنا لن يكون سلساً». أما على المستوى العربي، فالجميع يعرف الحساسيات الموجودة بين الدول الأعضاء، وسعي بعض الدول إلى فرض نفوذ أكبر من حجمها؛ ما يسهم في عدم قيام جامعة الدول العربية بدورها.

وسادساً، توسيع التعاون ليشمل المستويات والمجالات كافة: فآليات عمل منظمة شنغهاي تسمح بإمتداد التعاون بين الدول الأعضاء في مختلف القطاعات والمجالات لتعزيز التبادلات الثقافية والشعبية. فضلاً عن تشجيع المنظمات المدنية والحكومات المحلية على إجراء التبادلات، في مجالات مثل التعليم والثقافة والصحة والعلوم والتكنولوجيا والرياضة وشؤون الشباب والإعلام والسياحة.

وعلى المستوى العربي مازالت الدول الأعضاء متمسكة بالإطار الرسمي، وتتعامل على استحياء فى القطاعات والمجالات الأهلية والشعبية.

* باحث مصري؛ نائب مدير «مركز الوعي العربي».