بين القومية والإسلام السياسي: الصراع الذي شكل العالم العربي

غلاف الكتاب.
البدر الشاطري |

يختلف الباحثون المهتمون بالعلوم الاجتماعية على العوامل التي تشكل الدول وأنظمتها السياسية والاجتماعية. فهناك من يرى أن الأفكار والمثل هي التي تلعب الدور الحاسم: فالأفكار والمنظومة القيمية هي التي تصوغ الدول وأنظمتها السياسية والاجتماعية. وهناك من يعتقد أن القوى الاجتماعية والاقتصادية تلعب دورا حاسما في نشؤ هذه الأنظمة وتشكل الدول. وترى مجموعة أخرى من الباحثين أن العوامل الدولية هي التي تسبك هذه الدول بالشكل التي تفتأ لها.


الكتاب الذي بين أيدينا يأخذ موقف مختلفا من كل سابقيه من الباحثين. ويرى الكاتب، البروفيسور فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، أن الصراع بين القوتين السياسيتين والاجتماعيتين المتمثلة بالقومية العربية العلمانية والإسلام السياسي هما من شكلتا العالم العربي. وان الشخصيتين والتي تسلطتا على المشهد السياسي العربي وهما جمال عبدالناصر وسيد قطب هما بطلا الدراما العربية؛ الأول كزعيم للقومية العربية والثاني كمنظر وقائد لتيار الإسلام السياسي.

ويؤكد الكاتب، في أكثر من موقع، أن التصادم بين التيارين ليس بسبب اختلاف الآراء أو الأيديولوجيتين— بل أن الكتاب يجزم بتشابه منطلقات أفكارهما. فالتياران تطورا بسبب عداءهما المستفحل ضد الاستعمار البريطاني أولا، وثانيا، من طبقة حاكمة في مصر موالية للمستعمر. فالصراع كان من أجل «القوة، لا الأيديولوجية» بين الطرفين (ص. 5). ويضيف الكاتب أن «الإخوان المسلمين كانوا القوة المعارضة الوحيدة التي تمتلك القوة الكافية لمواجهة حكم ناصر وتحدي هيمنته» (ص. 16).

ولكن إلى أي مدى استطاع الكاتب أن يثبت أن الصراع بين العلمانية السياسية والإسلام السياسي شكل العالم العربي الحديث من خلال سرديته التاريخية؟ وفي هذا السياق يتتبع الكاتب الجذور التاريخية للصراع بين العلمانية والأيدولوجية الدينية في الحقبة الليبرالية. وقد سبق هذه الفترة التاريخية تشكل مصر كدولة وأمة محددة المعالم منذ عهد الوالي محمد علي والذي أسس لتحول مصر كقطر منبتا عن الدولة العثمانية.

وينصب التحليل التاريخي على السجال الليبرالي منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى قيام نظام دستوري تتنافس فيه الأحزاب ويتداول فيها الحكم بشكل سلمي. وما يبرز من التحليل ليس صراع العلمانية والدين، ولكن نزاع على هوية مصر في محاولة لنشوء وطنية مصرية على أسس تتدثر بعباءة الليبرالية والعلمانية.

ولكن كان بالإمكان التقاط خيط أخر في السرد التاريخي والذي يشير إلى فشل ثورة 1919 بقيادة سعد زغلول كثورة برجوازية وطنية تستطيع خلق مجتمع سياسي أو بالتعبير الغرامشي «هيمنة ثقافية». والهيمنة بمعنى الإقناع أكثر من الإكراه. ويعود السبب إلى ضعف النخبة الحاكمة حينها أمام السيطرة البريطانية، التبعية الاقتصادية للنظام الرأسمالي بلعب دور المنتج للمواد الأولية بدلا من التصنيع، عدم تمكن النخبة السياسية من إنتاج أيديولوجية وطنية متماسكة، بل نسخة باهتة من الليبرالية— وكما عبر عنها الكاتب بان الليبرالية كانت تعني الرأسمالية لتحقيق الحداثة وللإثراء الذاتي (ص.49). ويقر الكاتب بنهاية الفصل بهذه الحقيقة حين يقول إن النخبة أخفقت في تخيل مجتمع سياسي بدلا من مجتمع وطني وحسب (ص. 59).

ولما عجزت النخب من إنتاج هيمنة ثقافية أو أيديولوجية متماسكة أو مشروع وطني رائد، ارتد المجتمع إلى جذوره التقليدية متنكرا ومستنكرا للحداثة. وقد عضد من هذا التوجه الكفاح من اجل تحقيق الاستقلال ضد المستعمر البريطاني والذي عزز من القيم الإسلامية والوطنية والقومية المناهضة للغرب. ويستشهد الكاتب بالأكاديمي المصري-الأميركي، نداف صفران، والذي أشار إلى أن «المثقفون تنازلوا عن توجهم السابق—العقلانية والميل الثقافي الغربي—دون تمكنهم من إنتاج أي بديل مستوحى من الإسلام» (ص. 64).

وقد عمل تيار الإخوان المسلمين إلى سحب البساط من تحت أقدم الأحزاب الوطنية المصرية، حزب الوفد، باستمالة قاعدة الحزب الاجتماعية. كما عقد الإخوان تحالفاً مع الضباط الساخطين على نظام الحكم في مصر قبيل ثورة 1952، وأدى إلى اشتباك مع النظام الملكي حينها (ص. 72-73).

وعندما حصل التغيير على يد الضباط الأحرار، رغم التوافق المبدئي بينهم والإخوان المسلمين، إلا أن الاثنين دخلا في مواجهة بسبب الصراع على السلطة. وقد تحول هذا الصراع إلى احتراب دموي بسبب انحياز الإخوان إلى محمد نجيب في صراعه على السلطة مع عبدالناصر. واخذ منحى اشد عندما حاولت جماعة من التنظيم السري للإخوان المسلمين (المليشيات المسلحة) اغتيال عبدالناصر في العام 1954. وقد استغلها الأخير لقمع منافسيه من الإخوان ومعهم نجيب، وقد استطاع أن يجيش الشعب ضدهم.

ولا يستطيع القارئ إلا أن يعجب من تمكن البروفيسور جرجس من المادة التاريخية التي استقاها من مصادرها الأولية عبر مقابلات أجراها مع اللاعبين الرئيسين في هذه الملحمة المصرية من الضباط الأحرار وقادة الإخوان. ويؤكد الكاتب على أن المواجهة لم تكن بسبب الاختلاف الأيديولوجي بل بسبب الصراع على السلطة ليس إلا.

ورغم المعالجة التاريخية العميقة والدقيقة لهذه المواجهة إلا أن الكاتب لا يتعامل بالتفصيل حول ماهية ما حصل في 23 يوليو 1952. هل كانت ثورة أم انقلاباً؟ ولعل ضبط هذا المفهوم كان سيشع الضوء على أسس الخلاف بين التيارين واللذين تحالفا وتصارعا في الأخير. ففي الواقع أن التغيير في 1952 كان انقلاباً من ناحية الآليات وثورة من ناحية النتائج. ولعل توصيف عالمة الاجتماع ألين تريمبرغر لهذا الحدث كـ «ثورة من الأعلى»، أدق من وصف هذا الحدث المفصلي على انه مجرد انقلاب عسكري. لان ما حصل بعد سيطرة الضباط على الحكم، كان تغييرا بنيويا في تركيبة الدولة والمجتمع. وقد يفسر هذا التوصيف ما حصل من مواجهة بين حكومة تروم، بشكل واعي أو لا واع، إنجاز غاية الثورة من الأعلى وبين مشروع ديني محافظ يقوده تنظيم الإخوان. بل أن الكاتب يقر بها عندما يقول «إن العلاقة الرسمية بين الإخوان والضباط الأحرار تحولت إلى صراع سياسي حاد حول مستقبل الهوية المصرية والدولة» (ص. 127). وبعد عدة فصول، يضيف الكاتب، بأن «قمع الضباط الأحرار للإخوان تبلور إلى صراع مسلح بين المشروع القومي العربي ممثلا بالدولة الناصرية والتيار الإسلامي الراديكالي الناشئ بقيادة قطب»(ص. 236).

وأدى الصراع بين الطرفين إلى ما يرى الكاتب تحولاً في الدولة إلى كيان « شرير ومستبد، إلى دولة عميقة وعريضة»(ص. 128). وقد شاع مفهوم «الدولة العميقة» في تركيا، وقد يكون له دلالات في ذلك السياق، أما بالنسبة لنظام عبدالناصر فانه لم يكن دولة مؤسسات، عميقة أو سطحية، بل حكمه كان قائماً على شخصية كرزماتية بالمفهوم الفيبيري، وقصوره انه لم يستطع مأسسة نظام حكمه. ولا غرو أن خلفه، الرئيس أنور السادات، استطاع تفكيكها بيسر: ويؤكد ذلك أن السادات استطاع بضربة واحدة في مايو 1971 أن يتخلص من الإرث الناصري (ص. 315) —فأين تلاشت الدولة العميقة حينها؟ ويقر الكاتب أيضا حين يحاجج بان لو أمد الله في عمر عبدالناصر لما حصل التحول الكبير في التوجه السياسي لمصر (ص. 313).

بمعنى أخر، فان النظام وعبدالناصر توأم سيامي لا ينفصم. ويسهب الكاتب في استعراض تاريخ أفول الناصرية وصعود تيار الإخوان، خاصة بعد تولي الرئيس السادات الحكم والذي تحالف مع الإخوان لتقويض التيارات اليسارية والقومية في مصر. ورغم انه يقدم مادة تاريخية غزيرة عن الحقب المتتالية، إلا أنها تعاني من التكرار ولا تصب بشكل واضح في الأطروحة الأساسية للكتاب والتي تقول إن الصراع بين الشخصيتين (عبدالناصر وقطب) في تاريخ مصر شكلت العالم العربي. وهو ما لا يستطيع تبيانه في استطراده التاريخي.

فهناك عدة عوامل صاغت العالم العربي المعاصر أكبر أهمية من مجرد الصراع بين تيارين أو شخصيتين سياسيتين. فالصراع بين القوى الكبرى على مناطق النفوذ في المنطقة العربية منذ الحرب العظمى وما نتج عنها من تقاسم النفوذ. كما أن الصراع العربي-الإسرائيلي ترك بصمات واضحة على المنطقة.

وبلا شك أن المقاومة للقوى الخارجية والإيديولوجيات المتعددة بما فيها التيار الإسلامي والقومي العربي لعبت دورا مهما في تشكيل الوعي والبنية السياسية للمنطقة. ولا يمكن أن يتفرد عامل دون العوامل بكذا تأثير. وكما يقول الكاتب فان هزيمة 1967، على سبيل المثال، «حولت السياسة على المدى المتوسط والبعيد في مصر» والعالم العربي (ص. 284). كما أن العامل النفطي لعب دورا محوريا في صياغة النظام الإقليمي العربي.

ويعاني الكتاب من كثير من الأخطاء والتي كان يمكن تفاديها إذا ما روجع الكتاب من قبل محرر محترف. فعلى سبيل المثال يذكر أن يعقوب صروف وفارس نمر أصدرا مجلة «المقتتل» والصحيح « المُقتطَف» (ص. 43). ويذكر أن ناصر يقول إن «الإخوان ليس لهم إيمان»(ص. 133) والصحيح أمان.

يقول الأستاذ جرجس إن عبدالناصر دعم الضباط الأحرار في اليمن بقيادة علي عبدالغان (يقصد علي عبدالمغني احد قيادات ثورة 26 سبتمبر) ضد حكم الإمام أحمد (ص. 192)؛ الصحيح أن الضباط كانوا بقيادة عبدالله السلال وليس عبدالمغني، وكان ضد الإمام البدر وليس الإمام احمد الذي توفي قبل أسبوع من الثورة. كما يشير إلى كاتب باسم أنصاري (لعله محمد جابر الأنصاري) (ص. 311) وفي الحاشية رقم 91 (ص. 451) المرجع كتاب هشام شرابي.

وهناك خلط بين مجلس الشورى ومكتب الإرشاد في تنظيم الإخوان وهما مختلفان (ص. 352). الأول يعمل كلجنة تنفيذية والثاني كمجلس تشريعي. يذكر أن نوال السعداوي روائية بارزة. مع أنها كتبت روايات عدة، إلا أن شهرتها ككاتبة نسوية (الحاشية 63 ص. 415).

وهناك تراجم لمفردات إما خاطئة أو تعوزها الدقة. يترجم كلمة «فتنة» في سياق النساء في البلاجات على انه “sedition” أي فتنة اقتتال، والمقصود فتنة إغواء “seduction” (ص. 184). وهوامش يترجمها “footnotes” والأصح “margins” (ص. 296)، وكلمة «كافر» ليست بالضبط “atheist” بل “infidel” (ص. 346). ويترجم «شيخوخة» على أساس أنها «خرف» “senility”، والأصح “aging” (حاشية 3، ص. 445). وأيضا يترجم «أقوال» إلى “mind” (حاشية 34 ص. 434) والصحيح “sayings”، كما يترجم كلمة «الديني» إلى “literary”، والصحيح “religious” (حاشية 1 ص. 436).

وهناك مشاكل في الرومنة (أو النقحرة أي نقل الحروف من لغة إلى أخرى كالحروف العربية إلى الحروف اللاتينية)، رغم أن البروفيسور جرجس أستاذ كرسي في الدراسات الشرق أوسطية، كما أن لغته الأولى هي العربية. فعلى سبيل المثال يستشهد بالكاتب وحيد عبدالمجيد ويكتب اسمه بالحروف اللاتينية Majid، ثم في نفس الفقرة يكتبها Maghid (ص. 318)، ومنشقون يكتبها Munshawun (ص. 404)، ويكتب مذبحة Mazbaha (ص. 322)، وجذور يكتبها guzour (حاشية 22 ص. 411)، التجربة يكتبها Taghreba (حاشية 69 ص. 454) والاستثمار يكتبها Al-Ithtithmar (حاشية 58 ص. 459)، برلمان يكتبها Parlmanرغم أن العربية ليس فيها حرف الپاء( حاشية 126 ص. 462)، وإجراءات igraat (حاشية 2 ص. 464).

أورد هذه الملاحظات لأنني واثق أن الكتاب سيكون له عدة طبعات ولعل في الإصدارات القادمة تصحح هذه الأخطاء. والله وراء القصد.

* كاتب وأكاديمي إماراتي.