السعودية وتونس... علاقات تاريخية متجذرة وتعاون وثيق

الرياض - «الحياة» |

تمثل العلاقات بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التونسية حجر زاوية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية وغيرها، ويعتز البلدان بما يحققه كل منهما من تطور ونماء تعزيزًا على ما بني تاريخيًا من أواصر الأخوة وعلاقات للتعاون بين قيادات المملكة وتونس.


وترتقي العلاقات السعودية التونسية بأهميتها إلى مصاف العلاقات التاريخية المتجذرة، ذلك لما للمملكة وتونس من ثقل تاريخي في العالمين العربي والإسلامي، حيث يحرص البلدان في كل لقاء يجمعهما على زيادة تفعيل آليات التعاون وتعزيز العلاقات تماشيًا مع النهج نحو إرساء علاقات طيبة بينهما.

ومنذ تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز مقاليد الحكم وهو يواصل ما سارت عليه المملكة من سعي لتعزيز أُطر التعاون في مختلف المجالات والوقوف مع تونس والتونسيين بشكل خاص.

وكان خادم الحرمين الشريفين سباقًا في تهنئة ومواساة تونس في الكثير من المناسبات والأحداث، فقد حرص، رعاه الله، على بعث برقيات التهنئة في ذكرى أعياد البلاد وبرقيات التعزية والمواساة في الأحداث الإرهابية، وفي وفاة بعض الشخصيات، كما أجرى - أيده الله - يوم التاسع من شهر رمضان المبارك لعام 1436هـ اتصالاً هاتفيًا بأخيه رئيس الجمهورية التونسية الباجي قائد السبسي، معربًا فيه عن إدانته وعزائه ومواساته في ضحايا الهجوم المسلح الذي وقع في مدينة سوسة الساحلية بتونس.

وفي شهر ذي الحجة من العام ذاته وامتدادًا لتبادل المشاعر بين البلدين تجاه كل منهما تسلم خادم الحرمين رسالة خطية من فخامة الرئيس التونسي خلال استقباله لمعالي وزير الشؤون الدينية رئيس الوفد الرسمي للحجاج التونسيين عثمان بطيخ، وحوت الرسالة التهنئة بمناسبة عيد الأضحى المبارك، والتعازي والمواساة في حادث التدافع بمشعر منى وما نتج عنه من وَفَيَات وإصابات.

وشهد عام 1437 هـ لقاءً بين خادم الحرمين ورئيس الجمهورية التونسية الباجي قائد السبسي وذلك خلال الزيارة التي قام بها فخامته للرياض، والتي أشاد في تصريحات إعلامية سبقتها بالعلاقات الأخوية التي تربط البلدين الشقيقين ووصفها بالتاريخية والمبنية على الاحترام المتبادل والتشاور المستمر، وقال فخامته: «علاقات تونس مع المملكة العربية السعودية يرجع تاريخها إلى الملك عبد العزيز - رحمه الله - والزيارة التي قام بها الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة إلى المملكة والتي كان لها تأثير بالغ في مستقبل تونس».

كما شهدت الأعوام التالية عدة لقاءات بين القائدين على هامش القمم العربية والإسلامية منها اللقاء الذي جمعهما في العام 1438 هـ على هامش أعمال القمة التي عقدت في منطقة البحر الميت، والذي جرى خلاله تبادل الأحاديث حول العلاقات الأخوية ومجالات التعاون بين البلدين الشقيقين.

وعلى صعيد العلاقات السياسية والعسكرية بين البلدين فقد التقى ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز المستشار الأول للأمن القومي لدى رئيس الجمهورية التونسية اللواء كمال العكروت، وذلك على هامش الاجتماع الأول لمجلس وزراء دفاع التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب الذي عقد في العاصمة الرياض عام 1439هـ.

وتبعه في العام الحالي 1440هـ تنفيذ مناورات جوية مشتركة بين القوات الجوية الملكية السعودية وسلاح طيران الجيش التونسي، بهدف دعم أواصر التعاون والعلاقات بين القوات الجوية في البلدين وصقل وتأهيل الأطقم الجوية من طيارين وفنيين وتبادل الخبرات في مجال الإمداد والإسناد الفني، وتوج ختام هذا التمرين برعاية الفريق ركن تركي بن بندر بن عبدالعزيز قائد القوات الجوية الملكية السعودية.

وبالعودة للجانب السياسي فلا تكاد اللقاءات الثنائية أن تنقطع بين البلدين الشقيقين من أجل التباحث في الأمور ذات الاهتمام المشترك بينهما والسعي لتطويرها وتعزيزها، ويرى ذلك جليًا في اللقاءات المتعددة التي تجمع وزير الخارجية عادل الجبير بنظيره وزير الشؤون الخارجية بجمهورية تونس، سواء كان ذلك في الاجتماعات المشتركة التي تجمعهما أم في الزيارات المتبادلة ومنها زيارة وزير الخارجية لتونس في العام 1437هـ.

وتشهد العلاقات الاقتصادية بين المملكة وتونس في عهد خادم الحرمين الشريفين نموًا ملحوظاً، وقد نوه سفير خادم الحرمين الشريفين لدى تونس محمد بن محمود العلي بالعلاقات الاقتصادية المتنوعة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التونسية الشقيقة، مبرزاً التطور الملموس الذي تشهده التبادلات التجارية بين البلدين في ظل الرعاية الكريمة من خادم الحرمين الشريفين ورئيس الجمهورية التونسية، مؤكدًا أن استمرار انعقاد أعمال اللجنة السعودية التونسية المشتركة، يعد دليلًا قاطعًا على عزم قيادة البلدين الشقيقين للمضي قدماً نحو فتح آفاق جديدة من التعاون الاقتصادي تعتمد على تحقيق التوازن والتنمية بين الجانبين.

وفي 4 ذو القعدة 1438 هـ عقدت في تونس العاصمة أعمال المنتدى الاقتصادي السعودي التونسي على هامش أعمال الدورة التاسعة للجنة السعودية التونسية المشتركة، بمشاركة حوالى 60 رجل أعمال من المملكة وتونس وممثلين عن قطاعات اقتصادية مختلفة.

وتقدر حجم التجارة بين البلدين بحوالى 1.1 بليون ريال سعودي، حيث تمثّل الصادرات الحصة الأكبر بقيمة 935 مليون ريال سعودي، ويأتي كل من «بولي إيثيلين عالي الكثافة « و «بولي بروبلين» في مقدمة السلع المصدرة بقيمة تتجاوز 465 مليون ريال سعودي، في حين يتصدر «زيت زيتون بكر» و «فوسفات من كالسيوم» قيمة السلع المستوردة بقيمة تتجاوز 70 مليون ريال سعودي، ويبلغ إجمالي عدد المشروعات الممولة 19 مشروعاً برأس مال يتجاوز 40 مليون ريال سعودي، ينال القطاع الخدمي منها ما يتجاوز 75 في المئة من القيمة الإجمالية للتمويل.

وتأكيدًا لوقوف المملكة بجانب تونس في المجالات التنموية فقد أوضح نائب الرئيس العضو المنتدب للصندوق السعودي للتنمية المهندس يوسف البسام خلال تمثيله للمملكة في منتدى الاستثمار «تونس 2020» المنعقد خلال العام 1439هـ، أن المملكة تدعم كل ما من شأنه أن يرسخ الاستقرار السياسي والاقتصادي التونسي، ومن ذلك المساهمة في تحفيز إنعاش النشاط الاقتصادي من خلال مساهمات مستمرة للصندوق السعودي للتنمية في تمويل المشاريع التنموية المختلفة في تونس منذ سبعينات القرن الماضي والتي تجاوزت مبالغها 3.375 مليون ريال، معلناً في حينها عن دعم المملكة لتونس بمبلغ 3 بلايين ريال منها 375 مليون ريال منحة خصصت لإنشاء مستشفى شامل التخصصات في مدينة القيروان وترميم مسجد عقبة بن نافع والمدينة القديمة في القيروان، وبقية المبلغ وضع في هيئة قروض ميسرة لتمويل مشاريع تنموية في قطاعات مختلفة وتمويل الصادرات بين البلدين.

كما شهد العام نفسه مصادقة مجلس نواب الشعب التونسي على اتفاق قرض بقيمة 318 مليون ريال لاستكمال المرحلة الثانية من مشروع السكن الاجتماعي لفائدة محدودي الدخل.

وفي الجانب الثقافي وصف وزير الثقافة التونسي محمد زين العابدين علاقات التعاون السعودية التونسية بأنها تجسدت ملامحها على أرض الواقع خلال السنوات الثلاث الأخيرة في ظل الرعاية الكريمة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ورئيس الجمهورية التونسية الباجي قايد السبسي، وذلك من خلال مجموعة من الاتفاقيات والمشاريع التي بدأ تنفيذ البعض منها وما يزال البعض الآخر في طور التنفيذ، منوهًا بما شهدته المملكة خلال عهد خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - من تطور واكب النمو التقني المتسارع على جميع المستويات في العالم، مؤكداً أن التطور المتسارع والتغييرات الجذرية التي شهدتها المملكة انعكست على علاقاتها بالدول العربية والإسلامية ودول العالم ومنها تونس التي تعززت علاقتها مع المملكة لا سيما في مجال تبادل الخبرات والتجارب في جميع المجالات وخاصة الثقافي.

ونظم مركز الملك عبدالله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في 28 جمادى الأولى 1438هـ في جزيرة جربة التونسية أعمال الدورة التدريبية بعنوان «وسائل التواصل الاجتماعي كمساحة للحوار» بمشاركة 40 متدربًا من الناشطين في وسائل التواصل الاجتماعي، وناشطين في مؤسسات من دول اتحاد المغرب العربي، بهدف تعزيز قدرات المشاركين في مجال دفع ودعم الحوار باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر ثقافة الحوار وترسيخ قيم التسامح.

وفي عام 1439 هـ ألقى المستشار في الديوان الملكي إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد، محاضرة بجامعة الزيتونة في تونس العاصمة بعنوان « وأهميته في وحدة الأمة»، أكد خلالها أن الحديث عن التعايش ليس وليد اليوم، وإنما ممتد من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، مشيرًا إلى أن حب الله لا يأتي إلا بالتعايش، وأنه ليس للأمة سبيلًا إلا بالتعايش.

وتطرق فضيلته لأسباب التعايش، مشيرًا إلى أن الوجود المشترك بين الناس على اختلاف طبائعهم ومقاصدهم هو لا يعني الإلغاء إنما يعني الاعتراف بالآخر، مؤكدًا أن التعايش هو تنظيم لوسائل العيش بين الناس.

وتستحوذ الرياضة على جانب مهم من جوانب العلاقات بين المملكة وتونس ذلك أن التنافس الشريف بين البلدين حضر مرارًا في مناسبات متعددة ومنها كأس العالم وبطولات أخرى.