أمل حمادة... نموذج من «إعلام الفقاعات»

أمين حمادة |

ما أسهل السخرية، وما أصعب النقد والموت، فكلاهما حق لا يمنعهما الحزن البشري. بعيداً من شخصها، تستحق حالة اللبنانية أمل حمادة التي وافتها المنية عن عمر ناهز 41 عاماً إثر إصابتها بجلطة دماغية الثلثاء الماضي، الدرس كنموذج يثبت اهتزاز السلوك الإعلامي في لبنان، بشقيه الجديد والتقليدي، وتهاويه من تقديم المحتوى الترفيهي والمعرفي اللائق، إلى إعلام الفقاعات. في مقابلة سبقت موتها، قالت حمادة في برنامج «بلا تشفير» على شاشة تلفزيون «الجديد»: «أنا ما بموت... انا مثل صباح»!، في قياس ومقارنة لا يخلوان من السذاجة والتعجرف، فكيف وصل الأمر إلى هذا الدرك الأسفل؟

تُستخدم عبارة «مرّاق طريق» في اللهجة اللبنانية العامية، من أجل الدلالة على عدم ارتباط المقصود بها بأي علاقة بالأمر المطروح. هكذا، بدأت شهرة حمادة مصادفة منذ ثلاث سنوات خلال استطلاع «كاميرا رصيف» تلفزيون «المستقبل»، حين ألقت عبارتها الشهيرة «انقرضوا الرجال» بلهجة الجنوب اللبناني المحبّبة.

واستفادت لاحقاً من منابر مواقع التواصل الاجتماعي، لتطلق رشقات سخريتها مرة تلو مرة باتجاه «الكبير والصغير»، والتي كانت كافية لتضعها نجمة في حسابات الشاشات الصغيرة والمواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الإجتماعي، وضيفة دائمة «تنتقد» الفنّانين وأزياءهم وأشكالهم وحياتهم الشخصية والعائلية، بلسان سليط وبعبارات لاذعة تنخفض عن مستوى الإحترام في معظم اوقاتها، رغم غرقها في كل ما تسخر منه، من عمليات تجميلية والمبالغة في الهندام، وغيرها.


وشرّعت التلفزيونات لصاحبة عبارة «مين ماخدة»، التي أطلقتها في هجوم ضد المغنية الإستعراضية ميريام فارس بسبب إخفائها هوية زوجها في حفاظ على خصوصيتها، باب «أهل الإختصاص»، من دون إيضاح صفة خاصة لها أو مسوّغ لحضورها، بما يعنيه الأمر من استسهال وخطورة على رغم طرافتها وفق قسم كبير من الناس، فلا هي ناقدة فنية ولا خبيرة موضة أو أزياء أو إعلام، وما عرف عنها إذا ما أصابت أو أخطأت في آرائها الشخصية حصراً، أي خلفية ثقافية أو نصيب اكاديمي يمكناها من لعب دور الخبير أو صاحب العلاقة، الذي تفرضه «الف باء» الإعلام. اقتصر الحضور على المسخرة. كان الإضحاك المجاني أعلى ما وصل إليه، في مشهد كانت امل حمادة فيه «ضحية وجانية»، مُستغلةً فرحة باستغلالها، يقدمون لها الشهرة، وتقدم لهم الجدل ورفع نسب المشاهدة.

قالت ميّ عبدلله دكتورة الإعلام في الجامعة اللبنانية في اتصال لـ»الحياة»: «هذه الظاهرة موجودة وتتسع، وستزيد يوماً بعد يوم، والمشكلة أنها باتت أمراً طبيعياً بسبب اختلاف المعايير، كما من الممكن القول انعدامها، إضافة الى تغير المفاهيم. النجومية مثلاً لم تعد لمن يستحقها، بل لمن يحدث أي ضجة عالية او بلبلة واسعة من أي مستوى هبوطاً او صعوداً». وأضافت: «للأسف يلقى الضوء على أصحاب الجدل، على حساب تغييب النخب، فأصبح الخبراء خارج الكادر، بسبب تخبط الإعلام في بحثه عن التأثير السريع، لا المحتوى صاحب المصداقية، ووضعه جانباً احترام المشاهد الذي يعتاد النمط المقدم اليه شيئاً فشيئاً، وتركيزه على الاثارة القائمة على الثرثرة الفارغة والمجانية، بعيداً من الحقيقة والعمق».

ومن دون نكران أن تزلّف وتبعية وفقدان الجرأة لدى فريق كبير من أهل النقد والصحافة، أفسح المجال لحالات كأمل حمادة لا تخضع لقيود «من يزعل ومن يرضى»، ولكن لا شك أن حالتها التي بدأت بصدفة عفوية، تحولت الى جزء من ظاهرة انتقاد المشاهير عبر الإعلام التفاعلي، بمستويات مختلفة تتراوح بين الفكاهة وقلة الإحترام، كحسابات قائمة على شخصيات افتراضية مثل «عديلة» و»شرطة المشاهير»، بدأت بالسخرية والتهكم على هيئة وملابس الممثلين بعيداً من أي معيار نقدي فني أو علمي، لتتجرأ أخيراً على اختيار أفضل ممثل وممثلة في عام 2018 الحالي، بعدما نسجت شبكة علاقات منفعة متبادلة مع محتاجيها من «أهل الفن» وأصحاب الإعلانات، بعيداً من أي قيمة في الرأي، فتحولت إلى صفحات «إعلان أسود» خاضعة لمنطق الربح حصراً.