«مَن أنا عندما هجموا» لحسين الأمير... تداعيات الوجع والأحلام المبتورة

طاهر الزارعي |

استطاع الكاتب الشاب حسين الأمير في روايته «مَن أنا عندما هجموا» الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون 2018، أن يستدعي الذاكرة القريبة حول قضايا الإرهاب الإنساني، واستطاع أن ينتقل بالقارئ ما بين إرهاب قرية الدالوة بالأحساء وإرهاب العراق بمدينة الموصل على وجه الخصوص. إضافة إلى أرصدة الحب والموت ومشاعر إنسانية تطرقت إليها هذه الرواية، وهي الثانية للكاتب بعد روايته الأولى «دمعت هجر».


ليس من السهل القبض على فكرة الرواية وشخوصها إلا حينما تتعدى صفحات عدة، ليكتشف القارئ بعد ذلك أنه بين أحداث كثيرة تتعلق بالإرهاب وبالموت والاختطاف والحب والحنين إلى مشاعر الأبوة، ويبدو أن الكاتب برع في المزاوجة بين إرهاب القرية وإرهاب المدينة عبر نسق الرواية الذي يكشف عن مفاهيم ذات طابع خصوصي تتعلق بالعلاقة بين هذا الإرهاب وذاك، برجوعهما إلى مصب واحد، وهو الكره والحقد من طرف إلى آخر.

الرواية تحكي قصة الشاب «إحسان» من عائلة شيعية تسكن الأحساء، يتوفى والده في حادث سير أثناء ذهابه للعمل في شركة أرامكو السعودية، وقصة «مايا» من عائلة مسيحية تقطن العراق يتم اختطاف أبيها من قبل الجماعات الإرهابية، وتتوالى الأحداث والتي فصلها الكاتب بصفحات خاصة لبطلي الرواية «إحسان» و«مايا»، ولكنهما يلتقيان في مصير واحد يكاد يكون مشتركاً، وهو «الإرهاب»، هذا الوحش الذي يأتي بأنيابه ليقتل كل مشاعر الإنسانية من دون وجه حق.

يصور الكاتب وعبر مشاهد حقيقية ذلك المصير الذي أصاب عائلة «إحسان» وعائلة «مايا» بتقنية روائية مختلفة، إذ بدأ الرواية بالنهاية، وظل القارئ حبيساً يترقب تلك البداية التي أعلنت عن: «في منتصف عام 2016 التقطت أول صورة لإحسان، وهو واقف عند بوابة جامعة كنساس بجانبه مايا وهي تحاول إسناده». إنها تجربة أخرى للكاتب يشرعن فيها «الموت» ككائن متوحش يظل يلاحقنا مهما حاولنا البعد عنه، فتتوحد فيها الأحداث والمشاعر على رغم اختلاف الشخوص وبيئاتهم، إنها رواية الحدث والشخوص والمشاعر أستطيع أن أسميها، إذ تصبح شخوص الرواية منكسرة إثر فعل الموت الذي سببته الطبيعة أو سببه شبح الإرهاب. ومن هنا جاءت فكرة الرواية ذات أجنحة استطاع الكاتب أن يطير بالقارئ من بلد إلى آخر، ومن حدث إلى آخر على رغم ما يشغل شخوصه بتفكير دائم عن حالات الفقد التي أصبحت تيمة الرواية، جسّدها الكاتب بأسلوب تعبيري بسيط ولغة سهلة يستطيع القارئ أن يتعايش معها ومع أحداثها، على رغم حالات الارتباك التي ستعتريه تبعاً لتقنية النهاية والبداية في الصفحات الأولى، والتي تحدثت عن الصحافي محمد منصور الذي جاءه صندوق من جمعية الشرق الأوسط للأسرى والمفقودين يشتمل على رسائل عدة وأوراق وصور خاصة بـ «إحسان» و«مايا».

الرواية ورغم ما فيها من إرهاب كحدث رئيس وكخط رسمه الكاتب ليسيّر به الرواية، إلا أنها تشتمل على مشاعر صادقة، تمثل ذلك في حالة اليتم الذي خلفه «إبراهيم» زوج «ليلى» أخت «إحسان»، الذي راح ضحية إرهاب قرية الدالوة، وحالة البكاء التي أصابت إحسان باعتبار «إبراهيم» هو الأب الذي عوضه عن موت أبيه. ولا يمكن أن نغفل دور «مايا» وأختها «نسرين» اللتين ساعدتا المخطوفات من الجماعات الإرهابية وعطفتا عليهن. كذلك مشاعر الحب الذي اقترن ما بين «إحسان» و«مايا» حينما تعرف عليها أثناء سفره إلى العراق لزيارة الأماكن المقدسة. ندرك ذلك في أسطر عدة من الرواية حينما كتب لمايا «لم أشعر بشيء، أو ربما هذا الشعور لم يكن مسجلاً في ذاكرتي لكي أشعر به في وقته، كل ما أستطيع قوله هو إنني إنسان جديد، لا نغزة في روحي، ولا قرصة عند أعلى قلبي، لا هم كبير، ولا وجع صغير...».

ويبدو أن قارئ الرواية سيتساءل كثيراً عن اختيار الكاتب هذا العنوان وماهيته «من أنا عندما هجموا»، إنه سؤال الوجود رغم ما فيه من قلق، سؤال يقود الذاكرة حول ماهيته، والتي تكمن في سلسلة الوجع والأحلام المبتورة التي صادفت شخوص الرواية. إنه سؤال الضياع الذي بدأ منذ الزغردة الأولى للولادة.

إنه سؤال القدر الذي يرافق الإنسان منذ اللحظات الأولى: «مَن أنا؟ كثير ما كان يأتيني السؤال، يزورني على شكل طائر، يحوم حولي، يرسم دائرة فوق رأسي، يجعلني أسيراً عنده، أنقاد إلى بحر سؤاله، ثم أعود إلى أعماقي نحو قلبي، منطلقاً منه إلى أخمص قدمي، ثم معاكساً باتجاه رأسي. من أنا؟».

ويظل السؤال معلقاً وحائراً في هذه الرواية: لِمَ يتحول الجمال إلى بشاعة؟ إنها رواية تكشف عن الوجع الذي يختزنه الإنسان في ذاكرته بفعل الغياب أو الموت، عبر سؤال يتنقل في ذاكرة الإنسان ليتمكن من إيجاد إجابة تعيد إليه الحياة والجمال وقيمته كإنسان، يعيش دائماً على مقربة من الموت والرحيل.