نبيل بهجت: جهودي للاعتراف الدولي بـالأراجوز بدأت قبل 18 سنة

نبيل بهجت.
القاهرة – علي عطا |

«أظنُّ أنَّ مصرَ لا بد وأن تحتفلَ بهذا اليوم، فالأراجوز رمزٌ مصري، وهو أحد رموز الشخصية المصرية، وتسجيله على قوائم اليونسكو حدثٌ مهم». هكذا علَّق رئيس قسم المسرح في كلية الآداب- جامعة حلوان، الدكتور نبيل بهجت على قرار تسجيل الأراجوز على قوائم اليونسكو، من خلال صفحته على «فايسبوك».


وبهجت الذي شغل من قبل منصب الملحق الثقافي المصري في الكويت؛ بدأ جهوده الرامية إلى الاعتراف عربياً ودولياً بالأراجوز وضرورة صونه باعتباره فناً مسرحياً ذات سمات خاصة، منذ نحو 18 سنة.

والأراجوز أو القراقوز هي كلمة ذات أصل تركي لكلمة «قره قوز» والتي تتكون من مقطعين هما «قره» بمعنى سوداء و»قوز» بمعنى عين، وبذلك يصبح المعنى العام لكلمة «قره قوز» هو «ذو العين السوداء»؛ وذلك دلالة علي سوداوية النظر إلى الحياة. والأراجوز هو أحد الأشكال التي تنتمي لما يعرف باسم (مسرح العرائس) وهو على وجه الدقة عبارة عن دمية قفاز، حيث نجد رأسه مصنوعة من خامة خفيفة وصلبة كالخشب، مرسوم عليها وجه ذو تعبيرات حادة، وتنتهي من أعلى بـ»طرطور أحمر اللون». أما وسط الدمية «الأراجوز» وصدرها، فهما عبارة عن جلباب أحمر طويل، ويداها قطعتان من الخشب. ويتم التحكم في تحريك الدمية، عن طريق اليد، حيث يستطيع اللاعب أن يحرك رأسه بإصبع السبابة. وتختفى يد اللاعب كاملة داخل جلباب الأراجوز الأحمر.

وشهد اجتماع اليونسكو المنعقد في مورشيوس بتاريخ 28 تشرين الثاني نوفمبر 2018 اعتماد ملف الأراجوز في قائمة الصون العاجل للتراث الثقافي غير المادي. وسبق أن تم في الإطار نفسه تسجيل السيرة الهلالية والتحطيب، باعتبارهما من التراث المصري غير المادي. ومثَّل مصر في هذا الاجتماع الدكتورة نهلة إمام والدكتور أحمد مرسي، وتم تقديم الملف بواسطة «الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية»، وأعد صيغته الدكتور نبيل بهجت.

وقال بهجت: «لقد حفِظت ذاكرتي أول عرض رأيته لرجل عجوز بجلباب أبيض في شارع سعد زعلول بمدينتي الصغيرة «أبو كبير»-في شمال مصر- وأنا ابن الرابعة. من تلك الساعة أدركت أن هذا هو مسرحنا، فعشتُ عمري أدافع عن هذا المسرح لأجل هذا الرجل الذي أبهجني عرضه في طفولتي. كبرتُ ودخلت المسرح، كنت دائماً ما أشعر بغربة بيني وبين العلبة الإيطالية، وأشعر أنها صُنِعَت لظروف البيئة الغربية كي يتجمعَ الناسُ وقت البرد. أما مسرحنا فهو مسرح الساحات المفتوحة الأفق؛ الصحاري، الحقول، الأسواق، حيث يتجمع الناس».

واتجهت جهود بهجت منذ قرابة 18عاماً لإحياء الأراجوز وخيال الظل، فأسس فرقة «ومضة»، وشعارها: «لدينا ما يستطيعُ أن يُعَبِّرَ عنا»، بعد أنْ لاحظ أنَّ «كل شئ يتغير»، فمصر «تخرج من نفسها» كما وصفها في ذلك الوقت.

ويضيف:»بدأت رحلتي رغم انتقاد الجميع لي وقتها: إنت عايز تبقي بتاع أراجوز؟ عيب؛ إنت أستاذ جامعة. كانت تلك هي الكلمة الأشهر على لسان الجميع، وكنت أُجيب بسخرية: ابن عطاء الله يقول: إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر في ما أقامك. أنا أراجوز لأنه مصري. أنا أراجوز لأنه منا».

وهكذا كان الرهان والتحدي... «كان أولَ ما واجهني عدمُ المعرفة بأي شي عن هذا الفن، فلم نكن نعلم من يلعبه، وأين وكيف، وما هي نصوصه. وبدأت رحلتي في الموالد أبحث عنه، إلا أنه كان قد اختفى».

ويستطرد نبيل بهجت قائلاً: «ثم علمت أن شارع محمد علي (في قلب القاهرة) يحتفظ ببعض اللاعبين، وقبلها علمت أن مولد فاطمة النبوية به خيمة أراجوز، كذلك مولد السيدة زينب به عربة أراجوز، وفي الباطنية التقيت بمحمد كريمة متجولاً في الشوارع، وفي فاطمة النبوية التقيت بصلاح المصري، وفي السيدة زينب التقيت بسمير عبد العظيم وحسن سلطان، وفي قرية في الجيزة التقيت بسيد الأسمر، وفي شارع محمد علي التقيت بالعظيم أو كما أقول البصير الذي أنار بصائرنا صابر المصري». ويضيف: «كان كل شيء سراً لا أحد يريد أن يخبرني بشيء أو يعلمني شيئاً، وعندها فقط قررت أن أذهب إليهم في أماكنهم. وبهذا فتحوا لي قلوبهم وعقولهم وبيوتهم أيضاً فعلموني لغة السيم الخاصة بهم... كانت «الأمانة» سراً أعظم لا أحد يخبرك كيف تُصنع أو كيف ينطق الأراجوز... بدأتُ الخطوات وبدأتُ في التعلم كيف تُصنع الأمانة، وكيف تَنْطِق، وكيف يُصنع وسيط العرض (البرفان- العربة الباردة- الخيمة) وما هي الدمى، والأسماء المختلفة لها... هكذا بدأتُ ثم قررتُ أن أقومَ بعمل جيلٍ جديدٍ فكانت أولُ ورشة لطلابي من قسم المسرح وبعض الفنانين، تعلموا فيها قواعد الفن علي يد الفنانين الشعبين حملة هذا الفن، ثم جاءت فكرة تأسيس فرقة لتقديم عروض الأراجوز وخيال الظل «فرقة ومضة» التي كان مفتاح لصناعة الأمل ومضة أي بريق في الظلام... ومضة هي الأمل. وهذا هو المعني الذي قصدته وكان أول عرض لنا».

وجاءت بعد ذلك مهمة أخرى وهي صناعة أول أرشيف للأراجوز، إذ لم تُسَجَّلْ عروضُه أو تُحفظ في كتاب، وأخذ نبيل بهجت على عاتقه هذه المهمة، حيث سجلت عروضه وكتبت كتاب الأراجوز المصري، الذي حرصتُ على نشره في المجلس الأعلى المصري للثقافة باللغتين العربية والإنكليزية، ومعه 19 فيلماً وثائقياً لتسجل فقرات الأراجوز حية.

ثم جاءت خطوة أهم وهي كيف نحافظ على حملة هذا الفن الشعبي ككنوز بشرية؟ يقول بهجت: «استطعتُ وقتها إقناع وزير الثقافة المصري فاروق حسني بتخصيص أجر شهري لعدد من اللاعبين، وتخصيص بيت السحيمي في القاهرة لعروض الأراجوز وخيال الظل، وبدأت سلسلة العروض، وكنت أرفض منطق الإنتاج السائد أن تتحمل ميزانية الدولة التكلفة الانتاجية للعروض، كذلك أرفض منطق التمويلات، لذا حرصتُ أن أُنتجَ كلَّ العروض من جيبي الخاص، ومن ثم تسويقها لدى وزارة الثقافة والجهات المختلفة عالمياً ومحلياً، ولقد كان موافقة الوزير فاروق حسني على تخصيص رواتب شهرية لحملة هذا الفن هي انتزاع باعتراف محلي لفنون الأراجوز».

واجتهد بهجت لنيل اعتراف عربي بأن تلك الفنون مسرح كامل، «بخاصة وأني كمخرج ومؤلف لتلك العروض حرصت على أن أصنع مسرحاً تكونُ لغتُهُ خيال الظل والأراجوز والراوي، مسرحاً أدواته مصرية وعربية. وبدأت سلسلة من العروض والورش في دول عربية، حتى جاء عرض مسرح بلومسبرغ في بنسلفانيا، من تأليفي وإخراج مشترك مع المخرجة لوري مكانتس. ذهبنا لتنفيذ 30 ليلة عرض، وإذا بالمشروع ينجح ونقدم 121 ليلة عرض لأربعين ألف مشاهد فانتزعنا اعترافاً عالمياً بفنون الأراجوز وخيال الظل. وبعد تلك الرحلة قدمنا عروضنا في أكثر من 30 دولة».

ويؤكد بهجت: «أنتجتُ 36 عرضاً من تأليفي وإخراجي تعتمد تلك اللغة المسرحية الأراجوز/خيال الظل/ الراوي؛ في شكل أساسي، وعناصر شعبية أخرى. قدمتُ مئات الورش حول العالم. نفذتُ 12 معرضاً للدمي الشعبية. عرضتُ في فرنسا وتركيا وأميركا والكويت وأسبانيا. كثير من تلك العروض قدمناه في متاحف الدمي حول العالم بلغات مختلفة وقمنا بإنتاج مشترك مع فرق من المكسيك وأميركا وإيطاليا ولصين والكويت وغيرها. أقمنا خمس دورات لملتقي العروسة الشعبية الذي أسستُه، ودورة واحدة لمهرجان الأراجوز وخيال الظل. رحلة تعلمنا فيها من الجمهور الكثير. حملنا مسرحنا إلى أكثر من 30 دولة من خلال المهرجانات والمؤتمرات.

وجاء تكريم الهيئة العربية للمسرح بحضور رئيسها إسماعيل عبد الله والفنان غنام غنام للعم صابر تتويجاً لاعتراف عربي بهذه الفنون، ثم تكريم سمو الشيخ سلطان القاسمي للعم صابر في 2016 كأحد أهم الكنوز البشرية كان تتويجاً آخر. ويقول بهجت: «انطلقتُ منذ العام 2011 في رحلتي لوضع الأراجوز على قائمة الصون العاجل؛ عبر تأسيس مدرسة لتعليم الأجيال هذا الفن».

واختتم بهجت حديثه بتقديم الشكر لأعضاء فرقة «ومضة»، و»كل من ساهم معي في إحياء هذا الفن، وللوفد المصري المشارك في اجتماع موريشيوس، ولوزارة الخارجية المصرية ممثلة في المستشار وائل عبد الوهاب والسفير ايهاب بدوي لدعمها الملف».