مركز جميل للفنون في دبي ... واحة إبداعات معاصرة

من معروضات مركز جميل للفنون في دبي. (الحياة)
دبي – "الحياة" |

لا يقتصر عمل مركز جميل للفنون الذي افتتح في دبي أخيراً على عرض أعمال فنية أو الترويج لها. يبدو ان القيمين عليه، لديهم خطة عمل ليكون مركزاً أساسياً للفن المعاصر في الشرق الأوسط، اضافة الى برامج تدعم الفنانين وتحتضن ابداعاتهم. واللافت أن مؤسسة فن جميل تدعم التراث والفنون والتعليم في عموم أنحاء المنطقة. وعلى رغم كثرة الفعاليات الفنية في دبي والامارات عموماً، بيد ان المركز يتميز بنوعية الاعمال المعروضة فيه، والافكار التي تحاكيها.

تدعم فن جميل الفنانين والمجتمعات الإبداعية وتشمل مبادراتها حالياً إدارة مدارس الفنون التراثية وبرامج الترميم، إضافة إلى برامج فنية وتعليمية متنوعة لكافة الأعمار. وتعزز برامج المؤسسة دور الفن في بناء وترابط المجتمعات، ففي الوقت الذي تشهد فيه المجتمعات تغيرات وتحولات هائلة، أصبح هذا الدور أكثر أهمية من أي وقت مضى.

وتعمل المؤسسة بطريقة تعاونية، اذ ثمة شراكة مع العديد من كبرى المؤسسات مثل مؤسسة دلفينا، ومتحف فكتوريا وألبرت ومدرسة الأمير تشارلز للفنون التقليدية، ومتحف المتروبوليتان للفنون. أما على المستوى المحلي، فتعمل المؤسسة مع الأفراد والمؤسسات لتطوير برامج مبتكرة تشمل التقنيات القديمة والحديثة، وتشجيع ريادة الأعمال والتواصل الثقافي.

وتستعد فن جميل لإفتتاح مركزين ثقافيين جديدين في 2018-2019 وهما "حي: ملتقى الإبداع" في جدة والذي يعد أول مركز للأعمال الإبداعية في السعودية ومركز جميل للفنون في دبي والذي يعد واحدا من أول المؤسسات للفنون المعاصرة في الإمارة.

وتعمل جنباً إلى جنب مع مجتمع جميل، لتتكامل جهود هاتين المؤسستين في إحداث تغيير إيجابي في المجتمع والمساعدة في توفير فرص العمل والتخفيف من حدة الفقر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا.

وفيما يعكس التزام المؤسسة بتقديم البرامج المتميزة التي تترك أثراً قوياً لدى شريحة متنوعة من جمهورها، أطلق مركز جميل للفنون سلسلة من أربعة عروض فردية، تحت مسمى "غرف الفنانين"، تحتضن فنانين مرموقين من الشرق الأوسط وآسيا، وتعتمد في جزء منها على مجموعة فن جميل، ومعرض جماعي منظّم، "خام"، الذي يتناول موضوع النفط بتشعباته في السياقات التاريخية والمعاصرة من خلال عمل 16 فنانًا ومعارض جماعية من المنطقة ومن خارجها؛ علاوة على مجموعة مختارة من التركيبات والمجسّمات كبيرة الحجم، والعديد منها تم تكليفها حديثاً لتزين شُرفة السطح وحدائق المركز.

وعن ذلك، تقول أنطونيا كارفر، المدير التنفيذي في فن جميل: "بعد سنوات من الاندماج مع المجتمعات في المنطقة وحول العالم من خلال برامج الحفاظ على التراث، والبرامج التعليمية والفنية، كلنا حماس لإطلاق أول مساحة متخصصة، هنا في الإمارات العربية المتحدة. حيث تقوم الفكرة وراء تأسيس مركز جميل للفنون على توسيع نطاق مشاركة وتفاعل الجمهور مع مجموعتنا ومكتبتنا المتنوعة، وكذلك تقديم معارض بجودة متحفية بالشراكة مع المتعاونين المحليين والإقليميين والعالميين. ومن خلال تكليفات جديدة للأعمال الفنيّة، ومساحة أبحاث متخصصة، وبرامج فنية عامة لمجموعات متنوعة من مختلف الأعمار، ويهدف مركز جميل للفنون إلى أن يكون مركزاً ثقافياً جديداً ومبتكراً، سواء في المنطقة أو خارجها".

ويمتد "خام"، المعرض الجماعي الافتتاحي، عبر خمس مساحات عرض تزيد عن 500 متر مربع، ويجمع بين 17 فناناً ومجموعات فنية إقليمية وعالمية، بغية استكشاف أسرار النفط الذي يعد عنصراً فاعلاً في التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، علاوة على كونه محركاً للتقلبات الجيوسياسية. ويتناول "خام"، الذي يشرف عليه القيّم مرتضى فالي، المقيم في الشارقة وفي نيويورك، الجوانب التاريخية المركبة للنفط، باعتباره بشير الحداثة في الشرق الأوسط وما حولها، عبر أفكار من قبيل الأرشفة والبنى التحتية والتكنولوجيا.

ويقدم المعرض أعمال فنانين حداثيين ومعاصرين، أمثال: لطيف العاني، منال الضويان، منيرة القادري، أليساندرو بالتيو-يزبك، ميديا فارزين، الخليج (خالد الغربللي، نانو الحمد، عبد الله المطيري، فاطمة القادري، منيرة القادري، عزيز القطيمي، براك الزيد، أمل خلف)، رجاء خالد، ليديا واراهمان، هوشانج بيزيشكنيا، حسن شريف، وائل شوقي، نسرين طباطبائي، باباك أفراشيابي، ريان تابت، حجرا وحيد، مايكل جون ويلان، لانتيان شيه، وعلاء يونس.

ومن بين أقدم الأعمال في هذا المعرض ما يقدمه الفنان لطيف العاني، أحد أشهر المصورين في العراق وأحد أوائل الفنانين الذين تفاعلوا مع شركات النفط في المنطقة. حيث تقدم مجموعة مختارة من الصور التي التقطها الفنان في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، تلك التغيرات الاجتماعية والثقافية والبيئية التي أحدثتها الثروة النفطية الجديدة في البلاد. وتمتزج تلك الأعمال مع نظيراتها الحديثة التي تعود لتناول فترات متنوعة من تاريخ صناعة النفط في المنطقة، بما في ذلك تكوين أبدعه أليساندرو بالتيو-يزبك ويربط فيه بين غزو العراق في العام 2003 وتواريخ أوسع نطاقاً للفنون والدبلوماسية. كما يضم المعرض العديد من التكليفات الجديدة، بما في ذلك أعمال الفنانة حيجرا وحيد التي تستعرض الشخصيات التاريخية في شركة أرامكو، وهناك مجسّمات زجاجية لمايكل ويلان صنعها من رمال جمعها من مواقع آبار النفط التاريخية عند ساحل أبوظبي التي اكتشفها جاك كوستو في أوائل الخمسينيات؛ وتدخلات أدائية أبدعها لانتيان شيه لتفحص بعض الطقوس المعاصرة وثقافة السيارات.

غرف الفنانين عبارة عن سلسلة مستمرة من المعارض التي تركز على فنان منفرد تمثله مجموعة فن جميل؛ ولأنه عرض تعاوني بطبيعته، فإن الفنان هو من يطوره ويشهد تكليفات جديدة تتجاوب مع أفكار القيمين في المركز.

وبما يعكس اهتمام فن جميل الدائم والمستمر بتعزيز الروابط الثقافية بين منطقة الخليج واليابان، تم تكليف الفنانة تشيهارو شيوتا بإنشاء تكوين ميداني لغرفة الفنان الخاصة بها في مركز جميل للفنون. وعمدت الفنانة إلى الاشتغال بكميات كبيرة من خيوط الغزل، لتبدع تكوينات كبيرة اتخذت هيئة بيوت العنكبوت وهيمنت على غرف بأكملها. وكان إلهامها هو الهوية التاريخية والمعاصرة لدولة الإمارات بما فيها من مدن موانئ، مثّلت ملتقى التجارة والتفاعل البشري، علاوة على موقع مركز جميل للفنون على الواجهة المائية بالجداف.

ويتضح من أعمال مها ملوح، الفنانة السعودية الشهيرة، ارتباطها الروحاني بمنطقة نجد التاريخية في المملكة العربية السعودية. ويقدم أول عرض منفرد لأعمال الفنانة في الإمارات مجسّمات كبيرة الحجم أبدعتها من مواد حياتية منزلية.

ننتقل إلى غرفة فنان أخرى، حيث تتميز أعمال الفيديو والنسيج التي تبدعها الفنانة اللبنانية منيرة الصلح بالحدة وخفة الروح والسخرية. وهي تجمع بين تيارات رئيسية في ممارستها، وتتعامل من خلال أعمالها مع قوة وعنف، وعبثية، الأحداث السياسية وتأثيرها في الحياة الشخصية، فضلاً عن اهتمامها المستمر بشكل ووظيفة اللغة.

وإضافة إلى المعارض على هذا النحو المبتكر، يقدم مركز جميل للفنون أعمالاً رئيسية من إبداع فنانين محليين ودوليين تتفاعل وتتناغم مع المبنى ذاته: فنجد في بهو المركز عمل تفاعلي جديد من لارا فافاريتو؛ ومجسّم لفيكرام ديفيتشا تم تعليقه فوق واحدة من الحدائق السبع؛ كما تقدم شيخة المزروع أول مشروع لها ضمن سلسلة سنوية من مشاريع التكاليف الخاصة بحديقة الفنانة. واختارت المزروع إقامة منزل زجاجي منحوت مقسم ليتماشى مع هذا الحيز الخارجي التجريبي الذي يغمره الضوء الطبيعي عند ضفاف الخور.