«حوار طرشان» بين الحكومة الفرنسية و«السترات الصفر»

متظاهرون أمام سيارة انقلبت في مرسيليا. (أ ف ب)
باريس - «الحياة» |

تتحسّب السلطات الفرنسية لموجة أخرى من «عنف هائل» وشغب في باريس غداً، ينفذها محتجو حركة «السترات الصفر». يأتي ذلك بعدما فشل قرار الإليزيه إلغاء الزيادة الضريبية البيئية على المحروقات، في تقليص التعبئة لدى المتظاهرين الذي انضمّت إليهم شرائح أخرى من المجتمع.


وكانت الرئاسة الفرنسية بذلت جهوداً مكثفة لإقناع «السترات الصفر» بالعدول عن الاحتجاجات وتشكيل وفد يمثل الحركة، للتفاوض مع مسؤولين حول سبل الخروج من الأزمة، لكن هذه الجهود بقيت بلا جدوى، نتيجة هوّة عميقة بين الجانبين، باتت أشبه بحوار طرشان.

وإدراكاً منه لخطورة الأزمة وحدة الغضب الشعبي الذي تعبّر عنه، نتيجة تراجع ضخم في مستوى معيشة فرنسيين، أعلن رئيس الحكومة إدوار فيليب تجميد تطبيق الضريبة على المحروقات لستة أشهر، علماً انها كانت ستُطبّق مطلع العام المقبل.

لكن «السترات الصفر» رفضت القرار، ما جعل الرئاسة الفرنسية تدخل على الخط، معلنة إلغاء الضريبة طيلة العام 2019.

على رغم ذلك، اعتبر كثيرون من أعضاء الحركة، وباتوا حاضرين بقوة في وسائل الإعلام، ان المعطيات القائمة لا تحضّهم على التراجع، بل العكس على مواصلة تحرّكهم لانتزاع مزيد من التنازلات من الحكم الذي يواجه واحداً من أخطر الأزمات في فرنسا، منذ التظاهرات الطالبية في أيار (مايو) 1968.

وما يعزّز قناعة هؤلاء بجدوى تحرّكهم، أن استطلاعات للرأي تظهر تأييداً واسعاً من الرأي العام الفرنسي لقضيتهم، على رغم عنف مبالغ فيه شهدته تظاهرتهم الأخيرة في باريس السبت الماضي.

ويراهن هؤلاء في الوقت ذاته على إرباك واضح وتوجّس يسودان الطبقة السياسية، وعلى إنهاك بدأ يصيب قوات الأمن التي يرى بعضهم أنها باتت مستنزفة. وتشي تصريحات أعضاء «السترات الصفر» بأنهم يتصرّفون على طريقة مَن لم يعد لديه ما يخسره، ويطلق بعضهم مواقف غير واقعية، مردها كونهم غير منظمين وغير مسيّسين، بلغت حدّ الدعوة الى الاستيلاء على قصر الإليزيه.

وتترتّب على هذا الإصرار تبعات تثير مخاوف جدية لدى الطبقة السياسية، والحكم الذي يجهد لإعداد خطط تتيح الحؤول دون تجدّد «حرب شوارع» شهدتها العاصمة السبت الماضي. وفي غضون ذلك يسود قنوط التجار، بسبب خسائر لحقت بهم نتيجة الاحتجاجات، لا سيّما خلال موسم أعياد يراهنون عليها لتحقيق الجزء الأكبر من عائداتهم.

وقال مسؤول في الرئاسة الفرنسية إن السلطات قلقة من موجة أخرى من «عنف هائل» وشغب في باريس غداً، لافتاً الى معلومات تفيد بأن محتجين سيأتون إلى العاصمة لـ «التخريب والقتل».

ونبّه وزير الموازنة الفرنسي جيرالد دارمانان الى أن بلاده تواجه «لحظة خطرة»، مشيراً الى أن التخلّي عن خطط لزيادة الضرائب على الوقود عام 2019 سيكبّد خزانة الدولة 4 بلايين يورو.

وأعلنت شركة الكهرباء الفرنسية أنها ستقدّم مزيداً من الدعم لأسر تحوّل أنظمة التدفئة المركزية لديها، المعتمدة على الوقود، إلى أنظمة تعمل بالكهرباء. وذكر جون برنار ليفي، المدير التنفيذي للشركة التي تديرها الدولة، أن الشركة ستقدّم دعماً مالياً يبلغ نصف الإعانات التي تقدّمها الدولة (3 آلاف يورو) للأسر محدودة الدخل، وألفَي يورو لأسر أخرى.

وكان الناطق باسم الحكومة بنجامين غريفو نقل عن الرئيس إيمانويل ماكرون قوله خلال لمجلس الوزراء ان «الوقت لم يعد وقت معارضة سياسية، بل الجمهورية». وأضاف أن «الرئيس طلب من القوى السياسية والقوى النقابية وأرباب العمل توجيه نداء واضح وصريح إلى الهدوء واحترام الإطار الجمهوري»، لافتاً الى ان هذا النداء موجّه إلى «الذين يثبتون عن خبث وانتهازية، لا داعي لذكرهم بأسمائهم، إذ سيعرفون أنفسهم».

أما إدوار فيليب فأبلغ البرلمان أن «ما هو على المحك هو أمن الفرنسيين ومؤسّساتنا»، داعياً الى التحلّي بالمسؤولية. وأضاف: «جميع أطراف النقاش العام، من مسؤولين سياسيين ونقابيين وكاتبي مقالات ومواطنين، سيكونون مسؤولين عن تصريحاتهم في الأيام المقبلة». وشدد على أّ الحكومة «لن تتهاون» حيال «المخرّبين» و»مثيري البلبلة».

لكن التظاهرات اتسعت لتشمل طلاباً يحتجون على إصلاح نظام امتحانات البكالوريا وقانون أُقرّ العام الماضي لتنظيم دخول الجامعات، ومزارعين يشكون من أن تجار التجزئة يخفضون هوامش ربحهم ومن تأخر زيادة مزمعة للحدّ الأدنى لأسعار الغذاء. كما يهدد سائقو الشاحنات بالإضراب منذ الأحد.