مصطفى صفوان يعلن انتهاء النظرية الأوديبية

خالد بريش |

يُعْتبر الدكتور مصطفى صفوان المولود في مصر عام 1921، واحدا من أبرز علماء علم النفس التحليلي على المستوى العالمي في وقتنا الحالي. حيث حقق هذه المكانة المرموقة من خلال بحوثه، وكتاباته التي ترجمت إلى لغات العالم المختلفة، والتي تدرس في جامعات عريقة عبر العالم، مما أكسبها وهجا، ومكانة يفتقدها باحثونا القلائل في هذا المجال. وأيضا لكون ما يكتبه الدكتور صفوان في مجال علم النفس التحليلي، يعتبر إبداعا جديدا، وإضافات جوهرية. وليس شروحا لبعض المقولات، أو تعليقات عليها. فإنه ما إن يخرج له كتاب إلى أرفف المكتبات، حتى يهرع المتخصصون إلى تلقفه، وتناوله بالدراسة والنقد، وسرعان ما يترجم إلى عدة لغات مختلفة، ويأخذ بالتالي مكانه كمرجع.


صدر له مؤخرا في العاصمة الفرنسية عن دار Hermann Edition، كتاب بعنوان La civilisation post-œdipidienne (حضارة ما بعد الأوديبية)، يتناول فيه أهم مبدأ ارتكز عليه فرويد في كتاباته ونظريته في علم النفس التحليلي، واستندت عليه كل الدراسات التي قامت على النظرية الفرويدية من بعد، وهو « العقدة الأوديبية». حيث ذكر الدكتور صفوان في مقدمة كتابه التغييرات التي طرأت على علم النفس التحليلي بسبب تطور المجتمعات، وتغير كثير من عادات أفرادها، والقوانين التي أقرت في أوروبا مثل قانون حق إسقاط الجنين، والقانون الذي يبيح زواج المثليين، وغيرها من التغيرات.

لم يخرج الدكتور صفوان في كتابه هذا عن أسلوبه ومنهجيته في الكتابة، حيث رصد كعادته التحولات الحادثة من حوله في المجتمع، من اقتصادية، واجتماعية، وفلسفية، وأدبية، وعائلية، مستندا عليها للبرهنة على أفكاره برصانة وموسوعية، ضمن خط أفقي باتجاه الهدف. مما جعل من كتابه هذا صدى لتلك التغيرات والأحداث، أو أنه يشكل معها أقنوما متكاملا، يعضد ويقوي وجهة نظره.

ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام، تناول في أولها الحديث عن الإنسان كفرد، وكأحد مكونات المجتمع والعائلة. مسهبا في شرح مفهوم العائلة فيما مضى « البارحة »، ووضعها، والبيت ودوره كمعبد للفضيلة والأخلاق (La maison et le temple)، عارضا للقدسية التي كانت سائدة حول تلك المفاهيم. ثم ينتقل للحديث عن الواقع، والحاضر الذي نحياه، بكل مساوئه الإنسانية، والعاطفية، والتربوية، لينتقل في القسم الثالث إلى الحديث عن الإنسان، وشيوع مبدأ الفردانية والفرد (L’individualisme et l’individu) في كثير من المجتمعات، وهو موضوع محط اهتمام علماء النفس والاجتماع والفلسفة في الوقت الراهن.

ركز الدكتور صفوان في صفحات كتابه على الأمومة ودورها، والعلاقة بين الأم والمولود، والعلاقات العائلية التي هي أساس في النظرية الأوديبية، وعملية التحليل النفسي، وفي تكوين المجتمعات، والعلاقات بين الأفراد. مُظهرا دور التطور التكنولوجي، والعولمة، في التغيرات الطارئة على تلك العلاقات الإنسانية وأخلاقياتها بشكل مفصل، وكذلك تأثيراتها على طبيعة تركيب المجتمعات. والتي انعكست بالتالي سلبا على تكوُّن العائلة، والعلاقات بين أفرادها، وبالأخص علاقات الأبوة والبنوة الحقيقية، التي فقدت كثيرا من معانيها وخصائصها. مقدما بعض الأمثلة كوجود المتبرعين بالمني (Les Donneurs de sperme)، وشيوع عمليات التبني، خصوصا في المجتمعات الغربية من قبل الأبوين، متزوجين كانا، أو متساكنين، أو مثليين، وأيضا من قبل الذين لم يستطيعوا الإنجاب. وكيف انعكس كل ذلك بدوره على علم النفس، والنظرية الأودبية.

ويفسح في سطوره مكانا بارزا لبعض آراء أستاذه وصديقه Lacan Jacques، وما أحدثته من تحولات وتطورات في الأودبية عندما جعل منها نظرية رغبة. متبنيا ما قرره لاكان عام 1974، عندما نفى وجود مرحلة إنجابية، وأيضا مرحلة تناسلية. وهو ما أحدث ضجة حينها، ولكنه أصبح واضحا، بل واقعا في أيامنا هذه من خلال زواج المثليين، وما يطلق عليه الـ Monopurantal (العائلة ذات القطب الواحد)، مؤكدا أن لاكان كان محقا عندما اعتبر أن الأودبية في التحليل النفسي، قد عاشت زمانها، ولم يعد لها معنى. شارحا كل ذلك بإيقاع منضبط، وألفاظ تعتبر كل كلمة كتبها لا يمكن استبدالها بكلمة أخرى. وكأن القارئ أمام كتاب لأرسطو في المنطق، أو كتاب شعر موزون، بحيث يكون تغيير عبارة في بيت من أبياته يكسر وزنه، ويغير معناه ومؤداه. وهو في هذا الأسلوب متوافق مع أسلوبه الذي عهدناه له في كل كتبه السابقة.

ليجزم في نهاية المطاف بشكل لا يقبل النقاش، بانتهاء حقبة النظرية الأوديبية وانهزامها بالضربة القاضية، للأسباب التي ذكرها وعددها، ولأسباب أخرى جوهرية تتمثل في تعمق مجتمع الفردانية والعولمة، وما خلفته فلسفة النيوليبرالية (néolibéralisme) من آثار على العلاقات الاجتماعية، فأنتجت عادات كانت تُعْتبر فيما قبل شاذة، وغربية ومستهجنة، ولكنها أصبحت اليوم أمرا مقبولا في المجتمعات الغربية على وجه الخصوص. وذلك مثل تأجير بعض النسوة لأرحامهن، أو بيع الرجال لمنيهم، وكذلك نشوء سوق تجارية منظمة، عبر مختبرات متخصصة تتعاطى بيع البويضات (les ombryones) المحفوظة، والمهيأة سلفا للتلقيح. دون أن تُعْرف أية معلومات عمن باعها، وشخصيته، وطبائعه. مما يعني أن المولود لم يعد يحمل نفس صفات الأب الخَلقية، والخُلقية وأنه لم تعد تربطه به أيضا نفس الروابط، من حيث التشابه العضوي، والطباع. وذلك ضمن سياق فلسفة اجتماعية جديدة، أنتجت هذا النوع من التجارة التي قننتها بعض الدول في تشريعات

وضوابط خاصة.

* كاتب وباحث مقيم في باريس.