الكتابات والكتابات على النقود والتحف المعدنية

محمد عبدالفتاح السروري |

تُعد المسكوكات الإسلامية من أهم المصادر الأثرية لدراسة التاريخ السياسي والديني والاقتصادي والفني للحضارة الإسلامية، والمسكوكات بما تحمله ُ من كتاباتٍ وعباراتٍ وزخارف وألقابٍ وأسماءٍ تعد سجلاً مهماً يُلقى الضوء على كثيرٍ من الأحداث التي عاصرت سكها. حيث أنها كانت أيضاً مظهراً من مظاهر السيادة والسلطة ووسيلة من وسائل الإعلام الرسمي للدولة آنذاك.


في الدراسة التي أعدّها الباحث محمد عبد الودود عبد العظيم و الصادرة عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية تمثل إضافة جديدة في مجال الآثار الإسلامية بصفةٍ عامة والسَكة الإسلامية بصفةٍ خاصة حيث تم إصدار البحث بعنوان (دراسة مقارنة للكتابات والزخارف على النقود والتحف المعدنية في العصر المملوكي البحري) وترجع أهمية مثل هذا النوع من الدراسات إلى القيمة الكبيرة لعلم المسكوكات في دراسة التاريخ الإسلامي لكونها وثائق يصعب الريب فيها ، بالإضافة إلى ما عبرت عنه النقود الإسلامية بما سجل عليها من نصوصٍ كتابية عن الكثير من مظاهر الحياة وقتها.

الكتابات على التحف المعدنية في العصر المملوكي البحري:

كان العصر المملوكي بصفةٍ عامة ٍ عصراً ذهبياً في الصناعات والفنون المختلفة بمصر، وهناك عوامل متعددة كانت وراء هذا الازدهار الفني، منها ما عُرف عن سلاطين المماليك من رغبةٍ في تشييد العمائر الكثيرة كالمساجد والمدارس، وقد ساعدَ ارتباط معظم المنتجات الفنية بطبيعة الحكام على توّخى الفنانين والصنّاع للدقة والإتقان في صنعها وزخرفتها، فضلاً عن ارتباط كثيرٍ من المنتجات بالمساجد والمدارس كان يضاعف من عناية الفنان بمنتجاتهِ وحرصهِ على أن تكون ملائمة لوضعها في هذه المؤسسات الدينية .

وكان لوفرة الصنّاع الأكفاء بمصر في عصر المماليك أثرها في ازدهار الفنون والصناعات المختلفة، وكان الإقبال على المنتجات والتحف المعدنية كثيراً جداً في العصر المملوكي، وقد وصلت إلينا من هذا العصر أبواب وثرياتٍ وكراسٍ ومرايا...، وغيرها مما يستعمل فيه مختلف الأساليب الفنية في زخرفة المعادن وحفر وتثقيبٍ.

كما حرص الفنان المملوكي على تسجيل الكتابات ذات المضامين المختلفة، مثل اسم صاحب التحفة وتاريخ الصناعة، كذلك التبرك ببعض الآيات القرآنية أو العبارات الدعائية وتسجيلها في صورة نصوص بأشكالٍ مختلفة ، وهى كتاباتٍ ذات غرضٍ تسجيلي ليس لذلك فقط، بل كانت ذات غرضٍ زخرفيّ أيضاً وساعد على ذلك طبيعة الكتابة نفسها، حيث أخذَ الفنان يُدرك أن حروف لغته ما يصلح لأن يكون أساساً لزخارف جميلة تمشياً مع سُنة التطور والارتقاء في رؤس الحروف وأقواسها وخطوطها الرأسية والأفقية .

وتضمنت الكتابات التي وردت على التحف المعدنية في العصر المملوكي البحري كثيراً من الكتابات التسجيلية سواء كانت ألقاب أصحاب التحف أو أسمائهم ، بالإضافة إلى التواريخ ومكان صنع تلك التحف، وقد تشابهت النقود والتحف المعدنية في كثيرٍ من الأحيان، كما اشتملت تلك المضامين على العديد من الكتابات الدعائية لصاحب تلك التحف المعدنية فضلاً عن الكتابات الدينية ، التي كانت من أكثر المضامين التي شاعت على كلٍ من النقود والمعادن في العصر المملوكي البحري، وكان من أكثر الكتابات التسجيلية شيوعاً على النقود والتحف تلك الكتابات التي توّثق الألقاب، ومن أكثر الألقاب تسجيلاً على النقود والتحف ألقاب مثل الأشرف وهو من أكثر الألقاب الرفيعة والعالية في ذلك العصر وحرصَ الكثير من سلاطين المماليك على تسجيل هذا اللقب على تم صنعه لهم من النقود والتحف مثل السلطان (خليل بن المنصور قلاووم 1290 – 1293 م)، ومن الألقاب أيضاً التي اتخذها سلاطين المماليك (شهاب الدنيا والدين)، وقد انتشر هذا اللقب في العصر المملوكي البحري حيث كان يطلق أيضاً على القضاة والعلماء بالإضافة إلى اتخاذ بعض السلاطين هذا اللقب لهم مثل السلطان أحمد بن الناصر محمد( 1342م) وتم تسجيل هذا اللقب على ما صُنع له من تحفٍ معدنية، فجاءَ هذا اللقب على ثُريا من نحاسٍ مطعمةٍ بالفضة.

الزخارف الهندسية على النقود والتحف المعدنية:

غلبَ استخدام الزخارف الهندسية على النقود المملوكية مع عناصر أخرى، وكانت الزخارف الهندسية لازمة لتحقيق التوزيع الهندسي للزخارف، لتصبح بذلك علاقة تشكيل لها قيمة جمالية من خلال ما تخضعه من إحساسٍ بالنظام في العمل الفني بالإضافة إلى التكوينات الهندسية المتمثلة في إطارات متعددة الأشكال تحيط بالزخارف والنقوش الكتابية على النقود المملوكية، وكانت أكثر تلك الإطارات استعمالاً – على النقود الإسلامية عامة والمملوكية خاصة – الدوائر المتعددة والإطارات الدائرية المُفصَصَة، والمربعات، وغير ذلك

وقد تميزت الرسوم الهندسية المملوكية بالتجريد، بحيث أدى الفن المملوكي دوراً أساسياً من الطرزِ المزدهرة في الأقاليم التي كانت تحت الحكم المملوكي حينذاك، ومن الزخارف الهندسية التي انتشرت على كثيرٍ من التحف المعدنية ووجدت على النقود المملوكية البحرية، سررٍ مفصصة مستديرة ومتساوية في الحجم والشكل، حيث اتخذت فصوصها أشكالاً دائرية تتصل ببعضها البعض بواسطة حلقاتٍ أو عقد رابطة، كما تتصل في الوقت نفسه بالإطار الذي يحدها وقد ظهرت هذه السرر المفصصة على طستٍ من النُحاس المزخرف بالفضة.

وبذلك يمكننا القول أن الزخارف الهندسية الإسلامية تُعد من أهم المبادئ في الفنون الإسلامية، حيث وجدَ الفنان المملوكي المكان مناسباً لوضع تشكيلاته الهندسية كالإطارات والحواشي، وانسجمت الأشكال المتقاطعة والمربعات والدوائر المتتابعة مع موضوع العمل الزخرفي ككل، ويجدر الإشارة هنا أن الزخارف على المسكوكات لم تكن بنفس الدقة التي وردت بها على التحف المعدنية، وذلك لاختلاف المساحة المتاحة أم النقش، وكذلك الغرض الذي صنعت من أجله هذه المنتجات سواء كانت المسكوكات أو التحف المعدنية التي أتيحت فيها المساحة أمام النقش كي ينطلق وينفذ كل ما يريد من زخارفٍ دون الخوف من عدم المواءمة بين العنصر الزخرفي والمساحة.

يتضح لنا مما سبق أن العناصر الزخرفية ازدهرت على النقود المملوكية ازدهاراً كبيراً لم يسبق له مثيل، لذلك فإن دراستها تُعد جزءاً أساسياً بالنسبة للنقود المملوكية، بل إنها مكملة لما نُقشَ عليها من نصوصٍ كتابية.