أزمنة التَّغيير وأزمات المُثقَّفين

محمَّد حلمي عبدالوهَّاب |

لعلَّ من أبرز تجليات أزمنة التَّغيير المعاصرة؛ أنَّها نجحت- بفضل انتفاضات ما سمِّي أعلاميًّا بأحداث الرَّبيع العربيِّ- في أن تضع جموع المثقفين على محكِّ الاختبار والمساءلة؛ ربما لأوَّل مرَّة منذ استقلال الدُّول العربية عن قوى الاستعمار الغربيِّ. صحيح أنَّ ثمة حوادث أخرى وقعت هنا وهناك- في هذا القطر العربيِّ أو ذاك- ما فتئت تفتح جراحات الماضي على واقع المثقَّفين العرب؛ لكنَّ أغلب تلك الحوادث كانت بعيدة عن «الشَّأن الدِّيمقراطي» من جهة، كما أنها كانت مرتبطة- على الأكثر- بقضايا الصِّراع العربيِّ الإسرائيليِّ من جهة أخرى.


ضمن هذا السِّياق؛ ربَّما كان الملمح الأبرز- في ما يتعلَّق بالحديث عن الواقع المأزوم للمثقَّف العربي المعاصر: سلبًا، أو إيجابًا إزاء انتفاضات الرَّبيع العربي- يكاد ينحصر بصفة خاصة في الحديث عن علائق المثقَّفين بالسُّلطة، أو بالأحرى «خيانة المثقَّفين» لأدوارهم الاجتماعية والسِّياسية والثقافية. أمَّا علاقة المثقَّف بالجماهير على وجه الخصوص أو تحديدًا؛ فقد ظلَّت رهنًا ببعض «الفُقَّاعات» التي تطفو على سطح الأحداث من حين إلى آخر، من دون أن تترسَّخ النِّقاشات الدَّائرة بشأنها: سواء على صعيد الندوات والمؤتمرات واللقاءات العلمية، أو على مستوى الإعلام والكتابات الصَّحافية.

فمع بوادر انتفاضات «الرَّبيع العربي» تنامى الحديث في الأوساط الإعلامية والفضاءات الإلكترونية عن مواقف المثقَّفين، ومواقعهم في النِّضال إلى جانب الجماهير، وحجم مشاركتهم الفعلية، ومدى تأثيرهم في تحريك الشَّارع ...إلخ. لكنَّ فارق السُّرعة ما بين تحرُّكات الجماهير الغاضبة من جهة، وردود أفعال المثقَّفين المتردِّدة، المتحفِّظة، المتأخِّرة من جهة أخرى، كشفت عن محدودية دور المثقَّفين في الشَّارع، وضمور حضورهم في المجال العام بشكل كبير؛ كما لو أنَّهم استقالوا فجأة من التَّاريخ والحاضر! فقد فضَّل كثيرٌ منهم أن يلتزم الصَّمت إزاء الأحداث، كما غلب عليهم الذُّهول بسبب تصاعد وتيرة الأحداث، وساد الاضطراب بشكل عام في تقييم أهميتها، أو اتخاذ موقف إيجابيٍّ بشأنها؛ خشية أن يفشل الحراك وتعود الأمور إلى سابق عهدها فيدفع المثقَّف بدوره فاتورة موقفه غاليا في المستقبل!

بموازاة ذلك- وعلى الجانب التَّنظيري- جرت نقاشات موسَّعة بشأن تحديد مصطلح «المثقَّف»، مع مُلاحظة أنَّه يُحيل- في الفضاء العام التَّداولي- على طيف واسع من الدَّلالات، بحيث يبدو من التعسُّف حصْرُها في معنى واحد. أمَّا تيارات «الإسلام السياسي»؛ فقد أبدت- على العكس من ذلك- جهوزيةً وتنظيمًا دقيقين على مستوى كلٍّ من النُّخبة والجماهير، كشفتا لأعين المراقبين عن تبعثُر رُقعة المثقَّفين من غير التَّيَّار الإسلامي. ونتيجة لذلك، عوضاً عن أن تحمل النخبة المثقَّفة همَّ الأسئلة الحارقة؛ أسئلة النُّهوض من الكبوة، وتطرحها للنِّقاش العام، فضَّلتْ من جانبها أن تبقى رهينة الانتظار! وبدلاً من أن تحاول إذكاء الغليان الجماهيريِّ من أجل تعزيز قيم الدِّيمقراطية وحقوق الإنسان؛ آثرت التمسُّك بتحفُّظاتها إزاء كلِّ تغيير ممكن، أو حتى محتمل!

وبطبيعة الحال؛ فإنَّ كثيراً من الكتَّاب سرعان ما استحضروا تقسيم المفكِّر الإيطالي الشهير أنطونيو غرامشي للمثقف العضويّ والمثقف التقليديّ؛ من أجل تفهُّم طبيعة «النُّخبة المثقَّفة» في العالم العربي.

وأول ما نلاحظه إزاء هذا التَّقسيم أنه يقصد بالمثقَّف العضوي: ذلك المثقَّف القادر على توضيح أنَّ الواقع الاجتماعيَّ القائم غير طبيعيٍّ ومن ثمَّ يتعيَّن تغييره من خلال تحليل الثقافة السَّائدة ونقدها، وصولا إلى تحقيق الهيمنة الثقافية لجموع المضطهدين. أمَّا المثقَّف التَّقليديُّ، أو العموميُّ Public Intellectual في فهم غرامشي، فيعني به: المتخصِّص، صاحب الثقافة الواسعة، الذي يكتب ويُنتج بلغة مفهومة للعموم عن قضايا الدَّولة والمجتمع بشكل عامّ.

والواقع أنَّ النَّظرة العامَّة إلى المثقَّف تميل في عالمنا العربي إلى إضفاء كثير من المُبالغات حول طبيعته ودوره المرتقب في التَّغيير، حيث يغلب عليها الطَّابع الطُّوباوي المثالي في كثير من الأحيان، وهو ما تكشف عنه توصيفات من مثل: الضَّمير الحي، والمرآة الحضارية، ورأسمال الأمَّة ...إلخ. ولعلَّ هذا هو السَّبب الذي أصاب الكثيرين بخيبة أمل عميقة تجاه مواقف المثقَّفين من الحراك العربي، حيث بدا كثير منهم بصورة أقرب إلى المهرِّج! في ما تناغم عدد منهم مع تعريف إدوارد سعيد للمثقف الحقيقي بأنه «غريبٌ أو خارجيٌّ يفرض على ذاته المنفى على هامش المجتمع»!

وفي الأحوال كلها؛ فإنّ أزمنة التغيير أحدثت ارتباكًا عامًّا وكبيرًا في صفوف المثقَّفين العرب على مستوى الرُّموز والأفكار، الأفراد والمؤسّسات، وعلى مستوى القبول أو الرفض لأحداثها. فقد كشفت رقعة الانتفاضات الـمتوالية أوَّلا غيابَ المثقَّف عن حراك الَّشارع، ثم كشفت تاليا الكفرَ البواح بالمثقّف واللواذ بالمُخلِّص الدِّيني؛ ممثَّلا في قيادات حركات الإسلام السياسي.

أمَّا التخبُّط الذي طال عددا كبيرا من المثقَّفين، فقد ساهم بدوره في اتِّساع الفجوة في ما بينهم وبين نبض الشَّارع من جهة، كما فسح المجال واسعا أمام بروز كوكبة من سَدَنَة الشَّاشات الفضائية؛ من نشطاءَ سياسيين، وخبراء في الإسلام السياسي، وروَّاد مواقع التَّواصل الاجتماعيِّ، وقد بدا واضحًا أنَّ لديهم القدرة على تحريك الشَّارع، والتَّأثير في الأحداث الـجارية بصورة أكبر مما عليه حال ووضعية «المثقَّف التَّقليديِّ».

لكن على الرُّغم من جميع المعطيات السَّابقة، يحاجج جابر عصفور على سبيل الـمثال بأنَّ «الربيع العربي كان ثورة مثقَّفين بأدوات اتصال حديثة، فالذين قاموا بالثورة هم الشباب أبناء أدوات الاتصال الحديثة، لذلك كانت حركتهم أوسع من حركة الدَّولة وأدواتها الرُّوتينية القديمة». ومع ذلك فإنَّ النظرة السائدة على مستوى الوظيفة التي يُفترض أن يقوم «المثقَّف» بها تختلف اختلافا كبيرا في المجال العربيِّ المعاصر عن مثيلاتها في المجال الغربي. فثمة من يرى ضرورة أن يكون المثقف بمثابة ناقد اجتماعي ينحصر همُّه الأساسي في أن يُحدِّد ويُحلِّل الوقائع من أجل تجاوز العوائق التي تحول دون التقدُّم. وثمة من يرى أنَّ وظيفة المثقف تكمن في القيام بدور النَّاصح، والمرشد الأمين، والحكيم الملهم! وبموازاة ذلك أخذت أنساق جديدة من صور المثقف تتشكَّل وتتبلور شيئا فشيئا على السَّاحة الثقافية- الإعلامية بخاصة- في ظل انزواء وانكماش أدوار المثقَّفين التَّقليديين على أرض الواقع.

في نصِّه الموسوم بـ «جواب على السُّؤال: ما هي الأنوار؟» يؤكِّد الفيلسوف الألماني ايمانويل كانط أنَّ بلوغ الأنوار يعْني: خروجَ الإنسان من القصور؛ نتيجة عجزه عن استعمال عقله من دون إرشاد الآخرين. وينتهي إلى تقرير أنَّ الجمهور لا يبلغ الأنوار إلَّا ببطءٍ، وأنَّه يمكن فعلا لثورة أن تؤدِّي إلى الإطاحة بالاستبداد الشَّخصيِّ والاضطهاد القائم على التَّعَطُّش إلى المال والهيمنة، ولكنَّها لن تودِّي أبدًا إلى إصلاح حقيقي لنمط التَّفكير السَّائد؛ بل على العكس من ذلك تمامًا سوف تقوم بوضع/ فرض أحكام مسبَّقة جديدة، شأنها شأن الأحكام المسبَّقة القديمة؛ لتُضَيِّقَ الخِنَاق على ذلك السَّواد الأعظم المحروم من التَّفكير باستقلالية.

أمَّا ميشيل فوكو- الفيلسوف الفرنسيّ المعاصر- فيذهب إلى تقرير أنَّ دور المثقَّف لا يعني «أنَّ يقول للآخرين ماذا يتعيَّن عليهم فعله. وبأيِّ حقٍّ سيفعل ذلك؟ فليس عمل المثقَّف أن يُشكِّل الإرادة السِّياسية للآخرين؛ وإنَّما يكمن عملُه في التَّحاليل التي يقوم بها لميادين هي ميادينه، وفي إعادة مُساءَلة البديهيات والمسلَّمات، وزعزعة العادات وطرُق العمل والتَّفكير، كما يكمن في تبديد الأمور المألوفة المقبولة، وإعادة النظر في القواعِد والمؤسَّسات؛ مع المساهمة- انطلاقاً من عملية الأَشْكَلة هذه التي يؤدِّي فيها وظيفته النَّوعية باعتباره مُثقَّفاً- في تشكيل إرادة سياسية عليه أن يلعب فيها دوره كمواطن».

وما بين استعمال العقل النَّاقد من جهة وأَشْكَلة البديهيات من جهة ثانية، يحتاج المثقَّف العربيُّ- في الوقت الرَّاهن- إلى إعادة النَّظر أولا في وضعيته؛ وذلك بالنَّظر إلى جهات ثلاثة تتضمَّن علائقه: بالسُّلطة، والمجتمع، والنصِّ الدِّيني على وجه الخصوص. كما يحتاج إلى رسم استراتيجية جديدة، في ما يتعلَّق برؤيته لهمِّ الإصلاح والتَّجديد، ومركزية الدِّيمقراطية في التصوُّرات السِّياسية، وإعلاء منظومة قيمها على مستوى كلٍّ من: العمل الأكاديمي، وعلى مستوى الفاعلية الاجتماعية في مختلف الفضاءات الثقافية والسِّياسية والتَّربوية.

وختاما، هل انجرفنا بدورنا إلى شيءٍ من الطوباوية في تمثُّل أدوار المثقَّف ووظائفه وعلائقه بالـمجتمع والنصِّ والسُّلطة؟! ربَّما؛ ولكنّ أعباء اللحظة التّاريخية الفارقة التي نمرُّ بها اليوم- والتي كشفت عنها انتفاضات الرَّبيع العربي، فأزالت السِّتار عن تراكُماتٍ تاريخيةٍ وآنيةٍ شديدة التَّعقيد والتَّداخل- كل ذلك يحتِّم على المثقَّف المعاصر أن يقوم بوظيفة ذات طابع «إنقاذي»، ومزدوجة في آن معا: أن يُعيد ترتيب العلاقة في ما يتعلَّق بنقطة انطلاقه، وما إذا كانت من التَّاريخ إلى الواقع أم العكس، وأن يستشرف في ضوء النتائج المترتِّبة على ذلك آفاقَ المستقبل المنظور: سيرورةً، ومآلا! وكما يقول أبو العلاء المعرِّي:

فَيَا دَارَهَا بِالْخَيْفِ إِنَّ مَزَارَهَا قَرِيبٌ، وَلَكِنْ دُونَ ذَلِكَ أَهْوَالُ!