الانتقال من الثورة والاحتجاج... إلى الإرهاب

مهند مبيضين |

تعود فكرة العنف السياسي في أول تجلياتها الحديثة وأكثرها وضوحا إلي الثورة الفرنسية (1789م) التي تعد أول ثورة شعبية، ومن ثم هذا النوع من الثورات في التاريخ الحديث. حيث كانت ثورة تحررية، استهدفت تحرير الشعب عموما، والبرجوازية الصاعدة خصوصا، من هيمنة السلطة الارستقراطية الظالمة، وقهرها، وإغلاقها للمجال العام، السياسي والاقتصادي والثقافي والديني.


ولم تكن للثورة الفرنسية على هذا النحو أية علاقة باليسار، أو أي اتجاه فكري أو سياسي آخر، وإن عُد اندلاعها تعبيرا عن أول انتصار للأفكار الليبرالية التحررية، والتنويرية والتقدمية التي تراكمت منذ بداية القرن السابع عشر، ولكن بعض الممارسات العنيفة التي وقعت فيها، وتواصلت في موجاتها الكبيرة بعدها، وخاصة في ثورتي 1848 و1871م، واللتين وضعتا أساساً لمفهوم العنف الثوري، الذي قام قطاع من اليسار المتشدد بتطويره نوعيا بعد ذلك حسب رأي الباحث رياض جمال في كتابه دراسات في الفلسفة السياسية (ص، 281).

فقد شهدت تلك الحالة الثوريّة عنفا بدأ محدودا ومعبرا عن تراكم طبيعي للغضب في أوساط قطاعات واسعة من الشعب، بعد أن ظهرت مقدماته في الأعوام السابقة عليها؛ نتيجة التدهور الشديد في الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وحدوث صراعات ذات طابع طبقي في بعض المناطق الريفية. وقد استهدف العنف المواكب لاندلاع الثورة أكثر مراكز السلطة دلالة على القهر، وفي مقدمتها سجن الباستيل، الأوسع شهرة في التاريخ. ولكن قدرا معتبرا من هذا العنف أيضا مارسه فلاحون معدمون، ومستأجرون للأرض، حين هاجموا قصور النبلاء (الإقطاعيين) في كثير من الأرياف، فيما سماه بعض المؤرخين «ثورة الفلاحين». وقد حدث مثل هذا العنف التلقائي بدرجات متفاوتة في مختلف الثورات الشعبية التحررية التي توالت في العالم منذ ذلك الوقت.

ولكن ما حدث في الثورة الفرنسية، بعد ثلاث سنوات على اندلاعها، كان نوعا مختلفا من العنف، اتسمّ بأنه منظم جزئيا لتحقيق هدف سياسي محدد. فعندما بلغ الصراع ذروته، وصعّدت القوى المضادة للثورة هجومها باستخدام خليط من القوة، والتحايل، والخداع، والدعم الإقليمي (من جانب الملكيات التي أقلقتها ارتدادات الثورة الفرنسية في بعض البلاد الأوروبية)، وأخذت الأوراق تختلط وتتداخل، لجأ بعض الثوار إلي مناشدة الشعب للدفاع عن الثورة والتسلح، حتى بالحراب.

غير أن الاتجاه الغالب في أوساط القوى الثورية ظل محافظا على التزامه بالأطر الدستورية والقانونية، والسعي لإقامة ملكية دستورية ديمقراطية، والرهان على أن تتراجع القوى المضادة للثورة، ويستوعب الملك لويس السادس عشر الواقع الجديد. ولكن فشل هذا الخيار، الذي أبقى العنف محصورا في نطاق أضيق، أدى إلي تغير ميزان القوى لمصلحة الجناح الثوري الأكثر تشددا، بدءا من آب 1792م، وترتب على ذلك توسع في العنف الثوري الذي بلغ منحاً استدعى استخدام كلمة الإرهاب (Terrors) التي لم تكن تحمل دلالتها الراهنة للتعبير عنه.

ويصعب تحديد بداية استخدام هذا التعبير على وجه الدقة. لكن مؤرخ الثورة الفرنسية الأكبر، جول ميشليه (1798-1874م)، استخدمه كما لو أنه تعبير مألوف، عندما تحدث عن حقبة الإرهاب في هذه الثورة.

ورغم أن هذا الإرهاب بدأ منظما برعاية قطاع من الثوار، فإنه سرعان ما انفلت، واستهدف عددا معتبرا من الثوار أنفسهم، وهذا هو أصل فكرة أن الثورة تأكل أبناءها. ولم يستطع «اليعاقبة» الذين عرفوا أنفسهم بأصدقاء الدستور ثم أصدقاء الرحية والمساوة، وضع حد لهذا الانفلات عندما أدركوا أخطاره. فكان أن انقلب العنف الثوري، وقد صار إرهابا ضد من شجعوه.

وكان هذا النوع من العنف أوسع نطاقا في ثورة 1870-1871 (الكومونة) التي اندلعت، إثر هزيمة قوات لويس بونابرت (1778- 1846م) أمام بروسيا. فقد أدت تلك الهزيمة إلي إعلان الجمهورية الثالثة على أنقاض الإمبراطورية المهزومة، وتسليح الشعب لمواجهة قوات بروسيا، واستيلاء أطياف عدة من اليسار على السلطة، وإعلان تأسيس «الكومونة» في أجواء اختلط فيها الصراع الطبقي بالحرب الإقليمية.

وقد أعيد إنتاج «العنف الثوري» الذي يتجاوز الحدود المعتادة في معظم الثورات، وهو يعبر عن فائض القهر، والظلم، والكبت، حين يتحول إلى فائض غضب وانفلات، في عدد من الثورات، مثل الثورتين الرومانية (1990م)، والليبية (2011م) اللتين سيظل فيهما مشهدا قتل شاوشيسكو والقذافي بطريقة همجية معلمين بارزين من معالمهما. كما نجد مثله في حركة المقاومة الإيطالية ضد الفاشية عبر إعدام الدوتش (موسوليني) في نيسان 1945م، وتعليق جثته أمام محطة وقود لأيام، حتى يتأكد الناس

من مقتله.

وعليه فإن الإرهاب ليس عبثيا، بل يسعى إلى تحقيق أهداف سياسية واضحة، على العكس من التطرف الذي له علاقة بالعقلية أو ( العقل الجمعي)، إذ إن الإرهاب بمفهومه السياسي يهدف إلى الإقناع أو التأثير على الخصم، بحيث يعتقد أن قيامه بالعمل العدائي يرتب عليه خسائر ومخاطر أكبر من قيمة الكسب المحتمل الحصول عليه جراء القيام بالعمل العدائي ذاته، وذلك عن طريق اقتناعه بأن النتيجة النهائية ليست في صالحه، وذلك بتضييق نطاق البدائل في الاختيار أمام الشخص المراد التأثير في سلوكه فيما يتماشى مع مصلحة الشخص الراغب بالتأثير.

إسلامياً وعربياً، يمكن القول أن ثمة نوع من فقه الاحتجاج ظهر وتطور مقابل فقه الطاعة، هذا الفقه دعم حركات الاحتجاج في الزمن العثماني عربياً الذي امتدّ من القرن السادس عشر وحتى مطلع القرن العشرين، وهذا الفقه الاعتراضي على الاستبداد والقهر، اخذ سياقاً راديكالياً في القرن الثامن عشر في بلاد الشام، وتطور في ثورات الريف في جنوب دمشق وجبل لبنان، كما دعم رجال الدين المسيحي ثورات الريف في جبل لبنان ضد سلطة الإقطاع.

في هذا السياق ينبغي الإشارة إلى أفكار الفقية والشيخ الصوفي الدمشقي عبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني النابلسي الحنفي، الذي أفتى بوجوب هجرة أبناء القرى لقراهم وريفهم لحرمان السلطة المستبدة القاهرة من الرسوم والضرائب، وهو ما دفع بالكثير من أبناء الريف بالهجرة إلى دمشق، والذين شكلوا مادة الثورات والاحتجاجات لاحقاً والتي لم تنقطع ضد الاستبداد العثماني، ثم تفجرت في منتصف الستينيات من القرن العشرين في سهل حوران ووصولاً إلى عام 2011. وقال النابلسي في رسالته المسماة «تخيير العباد في سكنى البلاد «.

وقد قرر النابلسي بأن «خروج أهل القرى من قراهم وتركهم مساكنهم وأملاكهم بسبب الجور والظلم الزائد عليهم، وعدم تحملهم ذلك لضعف قدرتهم عليه، إذ لا تمكنهم عبادة الله تعالى، بتحريم الحرام وتحليل الحلال، من فسق الظلمة وعدوانهم عليهم، وطلبهم منهم ما لا يرضي الله تعالى فإن الذي يفعله أهل القرى من الخروج عن قراهم أمر يثابون عليه».

هذا الحالة تعيد أيضا وجوب دراسة موقع الفقه في الدفع باتجاه الثورات، أو بدراسة دور المحمول الديني، الذي تحول إلى إعادة إنتاج فكرة الجهاد بوجه الأنظمة القائمة بوصفها أنظمة جاهلية لا تمت للحكم المرجو إسلامياً بصلة، وهو ما تطور قبل نحو ثلاثة عقول برفع شعار الإسلام هو الحل، مع موجه الصعود الإسلامي نهاية الثمانينيات.