الشورى والمجال العام وفقه العيش المشترك

إبراهيم البيومي غانم |

يكشف النظر الكلي لمبدأ «الشورى» ؛ باعتبارها قيمة أخلاقية ومبدأً سياسياً، عن عمق ارتباطها بالمجال العام Public Space بمعناه في إطار الحداثة السياسية، والدولة الحديثة. ويدلنا على هذه الرابطة أن الأساس الاجتماعي للشورى هو أن كيان الجماعة وحقوقها ومسئوليتها مستمدة من تضامن مجموع الأفراد الذين ينتمون إليها، وأن رأي الجماعة هو رأي مجموع أفرادها، وفكرها هو فكرهم، وإرادتها الجماعية ليست إلا إرادتها العامة التي يفترض أنها تمثل المصالح الجماعية المشتركة. وهذه الإرادة يعبر عنها قرارٌ يتخذونه بناء على تشاور حر وحوار عقلاني يدور بينهم، ويتمتع كل فرد منهم بحرية الاختيار، وبحرية التعبير عن رأيه ومناقشة الآراء الأخرى بالقدر نفسه من الحرية.


وهذا بالضبط هو الأساس المعرفي الذي تولد منه «المجال العام» باعتباره ساحة مفتوحة لشركاء المصلحة العامة والمدافعين عنها. المجال العام بهذا المعنى هو الذي تتجلى فيه المنظومة الأخلاقية الجماعية، وفيه أيضاً تزدهر المُوجِّهات المعيارية العليا التي يؤمن بها المجتمع. ومن المفيد هنا أن نستطرد قليلاً في بيان الصلة بين فقه الشورى، وحداثة مفهوم «المجال العام».

«الشورى» أمر قرآني ومفهوم شرعي أصيل، بينما «المجال العام» مفهوم وضعي تبلور في سياق الحداثة وعمليات التحديث في المجتمعات الغربية. وتواجهنا عدة مشكلات مورفولوجية ونحن نحاول رسم ملامح الحقل الدلالي لـ «المجال العام»، وهو ما لا نواجهه بالدرجة نفسها على الأقل بشأن الحقل الدلالي لمفهوم الشورى.

بعض هذه المشكلات راجع إلى كون»المجال العام» مفهوماً وافداً من خارج النسقِ الأصولي والفقهي الذي ينتمي إليه مفهوم الشورى، وإن كان مضمونه موجوداً في صلب هذا النسق، وبعضها الآخر راجع إلى ضيق «المجال العام» إلى حد التلاشي في واقع مجتمعات أمتنا منذ بداية زمن التدهور والانحطاط الحضاري قبل ما يقرب من ثلاثة قرون مضت وحتى اليوم.

من أهم المشكلات المورفولوجية في تحديد ملامح «المجال العام»: وجود أكثر من «تركيب لفظي»، تشترك دلالاته، أو بعض منها، مع دلالات «المجال العام».

ومن ذلك مثلاً: الحيز العام، والنظام العام، والمصلحة العامة، والقانون العام، والحقوق العامة، والرأي العام. وسنلاحظ أن جوهر مفهوم الشورى يدخل بدرجات متفاوتة في مستوى نظريته العامة في أغلب هذه التراكيب؛ حيث تشترك جميعها في أنها تسهم في تأسيس سحة للتواصل الحر، وتهيئ أرضية التوافق الاجتماعي، وتساعد على الوصول إلى «الوئام العام» بين مختلف التكوينات الاجتماعية والثقافية والمصلحية عبر تداول الرأي بحرية، ومن خلال تمحيص الأفكار والسعي للوصول إلى أفضل الاختيارات؛ التي تحقق الصالح العام، وتؤمِّنُ العيشَ المشترك والسلم الأهلي .

وطبقاً لنظرية «تكوين الحقول الدلالية» في اللغة العربية؛ فإن تلك التركيباتِ اللفظيةِ التي تتداخل مع «المجال العام» تجمع بينها علاقات مبنية على التشابه في المعنى، وليس في المبنى أو في اللفظ وحده؛ وهي تدلُّ على مجال محدد من مجالات الخبرةِ الإنسانيةِ؛ هو مجال العمل المشترك، والمسئولية المشتركة، والمصلحة المشتركة؛ التي لا يختص بها فرد دون آخر، ولا تحتكرها مجموعة أو فئة دون أخرى، وتحكمها منظومة قيمية تتقاسمها فئاتُ المجتمع وأفرادُه، ومنظومة أخرى من المؤسسات والمرافق العامة التي يجب أن تتسم بالتطور والكفاءة؛ حتى يكون المجال العام استيعابياً وليس إقصائياً، وفعالاً وليس خاملاً، ووئامياً وليس انقسامياً.

مفهومُ «الحيز العام» مثلاً؛ يكاد يكون مرادفاً في الاستعمال الاجتماعي/السياسي لمفهوم «المجال العام» من حيث الدلالة على مكان التقاء بين أبناء الوطن الواحد، وفيه يتم الاحتواء الهادئ والسلمي لكلِ تبايناتهم مهما بلغت شدةُ الاختلاف فيما بينهم.

أما مفهوم «النظام العام»، فهو فكرة محورية يرتكز عليها أيُّ نظام قانوني؛ إذ يقومُ بضبط الإرادات الفردية والجماعية، فيحدُّ الإرادة الفردية، كما يَحِدُّ الإرادةَ الجمعية؛ بما فيها إرادة الدولة ذاتها؛ كي لا تبغي إحدى الإرادات على الأخرى. كما يسهم «النظام العام» في صوغ «العقل الجمعي» في المجتمع، ويساعد الدولة في الحفاظ على الأنساق القيمية المتبناة من قبلها في مواجهة كل دعاوى الهدم باسم التغيير أو باسم الإصلاح، على ما ذهب إليه القانوني المصري عماد طارق البشري، فكرة النظام العام، في النظرية والتطبيق. بيروت: المكتب الإسلامي للطباعة والنشر،2005). وقد ساوى بعض الأصوليين المحدثين بين النظام العام و»المقاصدِ» التي توصف بأنها ضرورية، ويكون الحكم في شئون النظام العام متعلقاً بالمصلحة العامة للمجتمع، ومن أبرزهم علال الفاسي، في كتابه المشتهر « دفاع عن.الشريعة، بيروت- القاهرة: دار الكتاب المصري اللبناني، ومكتبة الإسكندرية، 2013.ص201، ص202.).

ولا يستقيم الأداءُ الوظيفي «للنظام العام» قبل أن ينضج «الحيز العام» بالمعنى السالف. ولا تبتعد عن ذلك المعاني والدلالات التي تشير إليها مفاهيم «القانون العام»، و»المصلحة العامة»، و»الحقوق العامة»، و»الرأي العام» رغم أن لكل منها اختصاص أصيل بفكرة أساسية تميزه عن غيره؛ فجميع هذه المفاهيم وثيق الصلة بفكرة النظام العام، ومن ثم تدخل في تكوين «المجال العام» في مستواه المادي، وفي مستواه المعنوي، وإن بدرجات متباينة.

إن مفهوم «الرأي العام» بمعناه الحديث المرتبط بمسيرة التطور الديمقراطي، وبإعلاء إرادة الفرد في المجال العام، يلقي بنا ـ هذا المفهوم ـ في صلب نظرية الشورى بمحتواها الفقهي والأصولي في آن معاً، ومن ثم في صلب نظرية «الدولة» ؛ تقليدية كانت هذه الدولة أم حديثة.

وفي ضوء ما بلغه مفهوم «الرأي العام» في الممارسات المعاصرة من نضج نظري وتطبيقي؛ ما عاد يكفي القول بأنَّ ثمة قواسمَ مشتركة بينه وبين نظرية الشورى وآلياتها، وإنما برقَ في ذهننا أن الأمر بات أوسع من ذلك بكثير، إلى الحد الذي يدفعنا دفعاً إلى إعادة النظر في نظرية «الإجماع» بمعناه الفقهي/الأصولي؛ وأن ننظر إليه باعتباره وسيلة لا غنى عنها من وسائل التعرف على «الرأي العام»، أو «الإرادة الجماعية»؛ أي ننظر إليه ليس باعتبار معناه الأصولي الضيق وحده؛ وإنما باعتباره أيضاً أساس النظرية الأصولية «المجهضة» (في نظري) في تكوين «الرأي العام» بالمقارنة مع نظرية الرأي العام الحديثة.

يضيف مفهوم «الرأي العام» بعداً آخر بالغ الأهمية في بيان الصلة بين الشورى و»المجال العام». فالرأي العام يشير إلى محصلة رؤى المواطنين لجملة قضايا يختلفون بشأنها وتؤثر في حياتهم اليومية، وفي مصالحهم المشتركة، وفي مصائرهم المستقبلية أيضاً. ويفترض الرأي العام بداءة وجود مشكلة خلافية. كما يفترض إمكانية المناقشة بحرية حولها، وتوافر القدر الأساسي والمناسب من المعلومات الصحيحة عنها، مع الحق في إعلان الرأي بمختلف وسائل التعبير السلمية؛ التي لا تتم إلا داخل مجموعة من القنوات والمؤسسات التي تُكتِّلُ الآراءَ بطريقة سلمية، وتحفظ الطمأنينة العامة، وتحول دون انزلاق أصحاب الآراء والمصالح المختلفة إلى العنف، أو إلى استخدام الأدوات الخشنة في حل الصراعات فيما بينهم.

وتلك المؤسسات والقنوات يتشكل منها «الحيز العام» في بعده المادي/المؤسسي. وإذا توافرتْ للرأي العامِ تلك المقومات فإن دورته الطبيعية تكتمل. وعندما تكتمل تكون الفروق بين الرأي الراجح والرأي المرجوح واضحة ومعقولة ومقبولة.

وتشتمل دورة الرأي العام على سبع مراحل على الأقل بحسب نظريات الاتصال وتكوين الاتجاهات الجماهيرية.

وعملية التشاور الحر بمفهومه الإسلامي؛ تمثل العصب الرئيسي الضامن لنجاح هذه «الدورة» بمراحلها المختلفة. وهذه المراحل هي:

1- وقوعُ مشكلة ذات طابع عام (نازلة عامة بالمعنى الفقهي القديم) يدركها أصحابُ المصلحة والمتأثرون بها، ويبدأون في التداول حولها للإحاطة بمختلف جوانبها. وهذه المرحلة تفترض حرية تداول المعلومات ونشرها. وهو ما تقوم به في الواقع المعاصر وسائل الإعلام الحر، ووسائط نقل المعلومات بمختلف صورها. ولقيادات الرأي في هذه المرحلة دور كبير في تحضير ونشر المعلومات والأفكار التي تهم الجمهور العام.

2- ظهورُ آراء متعددة حول تلك المشكلة، أو النازلة، واحتدام النقاشات حول عدد من وجهات النظر المبرهنِ عليها بأدلة تتسم بالمصداقية والمعقولية، واستبعاد الآراء الضعيفة؛ التي لا سندَ لها ولا برهانَ عليها. وهذه المرحلةُ تفترض توافر أطرٍ للالتقاء أو قنوات للتواصل المنتظم بين أصحاب الآراء المختلفة؛ مثل: وسائل الإعلام، ومنتديات الحوار، والندوات العلمية، والمناظرات الفكرية، ومؤسسات المجتمع المدني...إلخ.

3- مرحلة التركيز، وهي تتسم بوضوح الملامح العامة للتوجهات الرئيسية للرأي العام بشأن القضية المثارة، وتعدد المواقف بين: مؤيد، ومعارض، ومحايد، أو مَنْ لا رأي له.

4- مرحلة الرضا، وهي مرحلةٌ متقدمة من تبادل وجهات النظر ومقارعة الحجة بالحجة، حتى يتمكن الأقوى منطقاً والأكفأ في التعبير عن المصلحة العامة من إقناع الأغلبية بالانضمام إلى صفهم، وحثهم على القبول بالمصلحة التي سيحققها هذا البديل.

5- اندماجُ الآراء المشتتة والمتباينة في عدد محدود من الخيارات والبدائل التي تجرى حولها المقايضة Trade-off. ويكون المشاركون في التداولِ أو التشاور على وعي بالتكلفة البديلة لكل اختيار من الاختيارات؛ ويصبح الرأي الذي اختاره الفرد «جزءاً من مبادئه» التي يؤمن بها. وهنا تكتسب الجماعة قدراً من الرشادة في المفاضلةِ بين البدائل المختلفة؛ بحيث يدركُ كل طرف أنه لو أخذ بالحل (أَلِف) ، فمعناه أنه سيحقق أكبر قدر من المصلحة المشتركة، ويرضى في الوقت نفسه بأن تفوت عليه فرصة أو أكثر كان يوفرها الحل (باء)، أو الحل (جيم) مثلاً، وهكذا.

6- الاستقرار، وهو حالةٌ من السكينة تتحقق عندما يصبح الفرق كبيراً لصالح الأغلبية التي تبنت رأياً، واقتنعت به في مقابل الأقلية التي تبنت رأياً آخر واقتنعت به. هنا يصلُ العقل الجمعي (أغلبية وأقلية) إلى حالة من الاستقرار والهدوء والقبول بما ذهبت إليه الأغلبية دون حاجة إلى إكراه الأقلية على التنازل عن رأيها، ودون أن تتحدى هذه الأقلية رأي الأغلبية.

7- مرحلة الشمول، وهي المرحلةُ التي تصل فيها الجماعة إلى حالة من «الوئام الشامل»، وتشعر فيها كل الأطراف والقوى التي أسهمت في الحوار والتشاور وتداول الآراء حول «المشكلة»، أو «النازلة» ؛ من الأغلبية والأقلية، أن من واجبها الدفاع عن الحل، أو البديل الذي وقع عليه الاختيار، وأن يكون المجال مفتوحاً في الوقت نفسه للعمل وفق الآليات التداولية/ التشاورية الحرة لتدارك أي خلل، أو دفع أي ضرر قد ينال من حقوق أنصار الرأي أو البديل الذي لم يحظ إلا بأقلية الآراء.

وعندما تكتمل تلك الدورة تبدأ نتائجها في الظهور، ومن أهمها: حمل إرادة المواطنين إلى مواقع صنع القرار، ووضع القواعد القانونية التي تضمن أكبر قدر من العدالة، وبناء مساحات عامة في الوعي الجمعي، وعلى أرض الواقع؛ أي في الفكر وفي الممارسة؛ بحيث يجد أغلب المواطنين، أن من مصلحتهم الدفاع عنها عند الضرورة، بالوسائل السلمية التشاورية نفسها، ودون حاجةٍ إلى امتشاق السلاح، أو استنفارِ القوة الخشنة.