«متحف الجبس»... مجسمات نحتية تعكس التباين الطبقي للمصريين

من المعرض.
القاهرة- ياسر سلطان |

تستضيف قاعة مشربية في القاهرة حتى العاشر من كانون الثاني (يناير) المقبل معرضاً لأعمال الفنان هاني راشد تحت عنوان «متحف الجبس». التجربة التي يقدمها راشد، وهو يعد واحداً من أبرز الفنانين المصريين المعاصرين، تبدو مختلفة كثيراً عن مجمل أعماله التي قدمها من قبل على مستوى الخامة وطبيعة العمل الذي يقدمه. في «متحف الجبس» يعرض راشد وللمرة الأولى مجموعة من المجسمات النحتية المصنوعة من خامة الجبس تمثل نماذج مصغرة لأشكال السيارات في الشارع المصري. تحولت قاعة العرض إلى ساحة مكتظة بهذه النماذج الصغيرة مع خطوط مرسومة على الأرضية تحدد مسارات هذه السيارات وأماكن انتظارها. هو مشهد عشوائي لا يخلو أيضاً من الإشارة إلى ضحايا حوادث الطرق في مصر، والتي تحتل ترتيباً متقدماً في عدد الضحايا البشرية لهذه الحوادث بين دول العالم.


ما يقدمه راشد يبدو غريباً بالنظر إلى اعتماده في تجاربه الفنية السابقة على معالجاته البصرية المسطحة بالرسم والكولاج والفوتوغرافيا، وعدم تطرقه من قبل إلى مثل هذه المعالجات المجسمة بهذه الكيفية والكثافة. غير أن المتابع للفنان هاني راشد يدرك جيداً أن الأمر ليس بغريب على تجربته الفنية ككل، هذه التجربة المتمردة على الأنماط والتكرار، والتي خاض خلالها العديد من المغامرات البصرية. ما يعرضه هاني راشد هنا يتسق مع مسعاه إلى التأويل البصري للكثير من القضايا الذاتية والعامة، وتوظيفه لخامات وعناصر غير مألوفة كالصور الفوتوغرافية وقصاصات الصحف والمجلات الملونة، وكذلك ميله الساخر في معظم معالجاته.

في هذا المعرض يتوقف راشد أمام أحد الملامح المميزة للشارع المصري، متجاوزاً حالة الزحام والعشوائية، إلى نوع من التأمل الشخصي في أحد الجوانب التي قد لا تلفت انتباه أحد. في معرضه يستكشف راشد هذا التنوع والتباين الشديد في طرز السيارات وأشكالها، وما يعكسه من تفاوت طبقي واجتماعي. يرى الفنان أن للسيارات في مصر شكلها المميز، ربما لطبيعة الطُرُز السائدة، أو لتباين تاريخ صناعة هذه السيارات التي لا تكف عن الحركة في الشارع المصري. طرز مختلفة ومتباينة بعضها يعود إلى خمسينيات وستينيات القرن الماضي تسير جنباً إلى جنب مع طرز أخرى حديثة. هذا التباين في طرز السيارات لا يمثل السمة الوحيدة لأشكال السيارات المصرية، فهناك سمة أخرى مميزة، تتمثل في طبيعة التدخل والإضافات المحلية لأصحاب هذه السيارات، فثمة رسومات وكتابات وعناصر مقحمة على هيكل هذه السيارات، تتساوى في ذلك السيارات القديمة والمتهالكة مع غيرها من السيارات الأحدث. هذه التفاصيل الصغيرة التي ربما لا تلفت الانتباه تساهم بلا شك في إضفاء هذا الطابع البصري المميز للشارع المصري. في متحف الجبس يضع راشد أمامنا تلك الصورة العشوائية والمتباينة لخريطة السيارات في شوارع مصر كأننا نراها أو نستكشفها للمرة الأولى.

الفنان هاني راشد من مواليد عام 1975, وهو يعيش ويعمل في القاهرة. يعتمد الفنان في أعماله عادة على الفوتوغرافيا والصور المطبوعة، يعيد صياغتها ويتدخل في سياقها من طريق اللون والتركيب والتوليف بين العناصر المختلفة ليشكل عالماً مثيراً يجمع فيه بين الدهشة والمتعة البصرية. وقد تعود متابعوه على الجديد الذي يقدمه في كل معرض من معارضه المختلفة. من معارضه السابقة البلدوزر، وأصاحبي، والجزمة، والثلج الأسود، والوداع الأخير.