كيف تتأقلم الشركات السعودية مع قوى العمل الناشئة؟

سوق الوظائف الحالية في المملكة العربية السعودية (تويتر)
برنارد مارتيريس |

ثمة ثلاثة عناصر تحدد معالم سوق الوظائف الحالية في المملكة العربية السعودية، وهي النسبة العالية من سكان السعودية تحت الثلاثين عاماً، ومعدلات الوصول إلى الإنترنت فوق المتوسطة، وبروز اقتصاد جديد ومنوع تدعمه رؤية 2030 السعودية. وهكذا أصبح لدينا قوى عمل شابة ومثقفة رقمياً تسعى بشكل حثيث إلى إعادة تشكيل ثقافة العمل في المملكة. والسؤال المطروح هو: كيف ستؤثر أجيال الشباب السعوديين (أو ما يسمى بجيل الألفية) على سوق العمل والوظائف في البلاد؟

لقد أصبحت السعودية دولة فتيّة بحق في عصرنا الحاضر في ظل وجود ثلثي نسبة السكان من الشباب تحت الثلاثين عاماً. كما أن معدل الوصول إلى الإنترنت، الذي يبلغ 91 في المئة في المملكة، يعد أحد أعلى المعدلات في العالم. وقد نضج شباب الألفية الذين ولدوا في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، في عصر أصبحت فيه الإنترنت عريضة النطاق قابلة للنفاذ من خلال الهواتف المتحركة وأجهزة الكمبيوتر المحمول وغيرها من الأجهزة، وهم يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي بكثافة للبقاء على اتصال واطلاع دائمين. لذا، يحق لنا أن نسمي هؤلاء بالمواطنين الرقميين المسلحين بكافة الأدوات العملية لاستخدام التكنولوجيا بشكل يربطهم بالعالم على الدوام.

ومع استعداد المملكة للتوسع وتنويع اقتصادها بعيداً عن القطاع النفطي، يدخل شبابها من جيل الألفية سوق العمل وهم يتمتعون بإمكانات هائلة لم تُستغل بعد. إنهم جيل متعطش للتغيير والتصدي للتحديات. وفي حين ما زالت الأجيال الأكبر سناً تحاول التكيف مع أدوات الأعمال الرقمية، يتمتع الشباب بفهم تلقائي لمنافع عملية الأتمتة في العديد من القطاعات.


ويُتوقع أن تشكل قوى العمل من جيل الألفية نسبة 75 في المئة من إجمالي الموظفين حول العالم بحلول عام 2025. ويُعرف هذا الجيل عالمياً بأنه يولي الأولوية لمسألة التوازن بين الحياة والعمل، لكنه مع ذلك يتمتع «بطموحات عالية لا تضاهى في التطور والارتقاء المهني»، بحسب استبيان ديلويت لجيل الألفية لعام 2018. ويتوقع المنتمون إلى جيل الألفية الحصول على آراء مستمرة، وهم لا يتأثرون بالهياكل المؤسسية الجامدة، ويطمحون إلى التطور السريع والاستمتاع بمسيرة مهنية متنوعة وشيقّة. وهم ينتقلون إلى موقع أو شركة أخرى ببساطة إذا كانت هذه التوقعات والطموحات غير قابلة للتحقيق.

وأورد تقرير خاص صدر أخيراً عن البنك البريطاني للشرق الأوسط، أن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تعدّان موطناً لأعلى نسبة من رواد أعمال جيل الألفية على مستوى العالم، متفوقتين بذلك على الصين وهونج كونج. كما سجلت المملكة ودولة الإمارات متوسط ساعات عمل بين أفراد العاملين من جيل الألفية يصل إلى 12.5 ساعة، بزيادة قدرها 2.5 ساعة عن المعدل العالمي لهذا الجيل.

وبالنظر إلى ما سبق، إضافة إلى القدرات الرقمية الاستثنائية لدى أفراد جيل الألفية، يصبح من الضروري على الشركات إعادة ترتيب استراتيجياتها المتعلقة بتوظيف أصحاب المواهب من هذا الجيل، والحفاظ عليها.

وتحتاج الشركات السعودية الراغبة بالتقريب بين الأجيال إلى التركيز على تغيير استراتيجياتها على مستويات عدة، واعتماد نهج أكثر شمولاً، وأقل تدرجاً بين الأعلى والأسفل، مع الأخذ بعين الاعتبار رغبة أفراد جيل الألفية بأن يكونوا جزءاً من عملية صنع القرار، واعتبار التعلم والتطوير جانباً أساسياً من جوانب النمو الوظيفي.

ويتطلب إشراك القوى العاملة الألفية، والمحافظة عليها أيضاً، تغييرات هيكلية في الأنظمة القائمة لدى الشركات، التي يقوم العديد منها حالياً بإدخال مزيد من القوى العاملة النسائية، واعتماد ساعات العمل المرنة، وتمكين خيارات العمل بعيداً عن المكاتب، وحتى التساهل في أنظمة الزي الرسمي للعمل، بصورة متزايدة يوماً بعد يوم. ومن ناحية أخرى، تعد الحوارات المتواصلة حول الأمور التنظيمية، ومجالات العمل التعاوني، وسائل أخرى لتوجيه طاقات الموظفين نحو تحقيق الأهداف المؤسسية للشركات.

ومع مساعي الشركات المتزايدة نحو تمكين تقنية المعلومات ضمن خدماتها، يمثل أفراد جيل الألفية البارعون في المجال الرقمي خياراً طبيعياً يساعد الشركات على البقاء متحفزة وملتزمة بتحقيق تلك المساعي. كما يمكن للعلامات التجارية أن تستفيد أيضاً من الطريقة التي يعمل بها جيل الألفية في المجال الرقمي، من خلال دمج استخدامات التكنولوجيا اليومية ضمن الفعاليات التسويقية المعتادة لدى الشركات.

ويحرص أفراد جيل الألفية السعودي على تحديث مهاراتهم باستمرار. ولذا، يعدّ توفير الفرص التعليمية والتدريب والتعليم الصناعي لهم مفتاحاً لاجتذاب المواهب المتكاملة والمتحفزة.

وقد يكون من السابق لأوانه أن نتوقع ما سيكون عليه التوازن الصحيح لتضافر الجهود بين الأجيال، إلا أن الواقع حول القوى العاملة لجيل الألفية يشير إلى حاجة الشركات لإعادة ابتكار أسس انخراط الموظفين الجدد ومشاركتهم، للإبقاء على استعداد الأجيال الجديدة من الموظفين وحماستها والتزامها بالدخول ضمن القوى العاملة السعودية، وإضفاء مزيد من القيمة على الأهداف المؤسسية للشركات.

* خبير الموارد البشرية