محمود مسلم: الإعلام المصري في مرحلة انتقالية

القاهرة – هبة ياسين |

تنوعت مسيرة رئيس قناة «دي ام سي» محمود مسلم بين العمل الصحافي والإعلامي، إذ استهلها عبر بوابة صاحبة الجلالة متنقلاً بين صحف عدة منها «السياسي المصري» و»الأهرام» و»المصري اليوم» و»الوطن»، وتدرج في المناصب حتى شغل منصب رئيس تحرير «المصري اليوم» ثم «الوطن». وبالتوازي انخرط في العمل التلفزيوني عبر مجال الإعداد في التلفزيون المصري مع المذيع طارق علام، ثم مع مجدي مهنى. وتقلد منصب رئيس تحرير قناة «الحياة اليوم» ثم رئيساً لتحرير «شبكة الحياة التلفزيونية»، كما قدم عدداً من البرامج بينها «منتهى السياسة» على شاشة «المحور» منذ العام 2007 وعلى مدار ثلاث سنوات، «مصر تقرر» على شبكة تلفزيون «الحياة» في العام 2011.


الحياة التقت رئيس «دي إم سي» وحاورته حول مستقبل الإعلام والصحافة المصرية.

وعن انطلاق قناة «دي ام سي» انطلاقة قوية نافست خلالها الشاشات الموجودة على الساحة، فإن البعض يرى أن ذلك ليس النجاح المأمول بخاصة مع انصراف الجمهور عن الشاشة، وهو ما يجيب عنه محمود مسلم قائلاً: «لا يمكن القول أنه ليس النجاح المأمول، لكن لا أحد يكتفي بنجاحه، ولدينا طموح كبير في الحفاظ على ما حققته القناة ونتطلع للمزيد، عبر خطة برامجية لجذب المشاهد تضم مجموعة من البرامج الجديدة التي انطلقت بينها «صاحبة السعادة» من تقديم إسعاد يونس التي تعد إضافة قوية بهذا البرنامج المميز. واتجهنا إلى صناعة مجموعة من الأفلام الوثائقية التي عرضت اخيراً، منها «السندي» و»الجذور»، وهناك المزيد منها. وثمة مجموعة أخرى من البرامج الترفيهية التي ستنطلق قريباً، الى جانب برنامج جديد يتناول الشأن والمستجدات العربية من تقديم دينا يحيى».

ونفى مسلم الاشاعات التي طاولت «دي ام سي» في شأن الاندماج مع قنوات أخرى مؤكداً أنها قائمة بذاتها.

وعن الهجوم على الشاشات والصحف المصرية في الفترة الماضية سواء من السلطة أو النخبة أو الجمهور لضعف المحتوى وسيادة ثقافة الصوت الواحد واتباع سياسة تحريرية واحدة، قال مسلم: «ثمة اتهامات عكسية تتراوح بين كون الإعلام مقصراً من وجهة نظر السلطة ورأي آخر أنه يسير في ركاب السلطة، ونحن نمر بمرحلة صعبة، وزادت حدة الانتقاد من قبل الجمهور بفعل انتشار مواقع التواصل الإجتماعي، ولكن يمكن القول أن هناك إعادة تنظيم للمشهد الإعلامي، وهو ما يصاحبه دائماً مشكلات وعقبات قد لا يتقبلها البعض.

فعند القيام بعملية التنظيم من الطبيعي أن يسري اللغط والغضب والرفض، ولا أنكر أننا عشنا مراحل من الفوضى الإعلامية والتي ارتبطت بعدم المهنية، وثمة خلاف حول دور الإعلام في ثورة 30 حزيران (يونيو)، ولا شك في أنه لعب دوراً رئيساً، واستطاع أن يعبر بشجاعة عن غضب الناس، لكنه لم يخلق حالة الغضب لديهم، فلا يمكن خلق حالة من العدم». واستطرد مسلم: «اعتقاد بعض الإعلاميين بأنهم زعماء سياسيين يمكنهم تحريك الجماهير سواء بالإيجاب أو السلب هو فكرة خاطئة وغير مقبولة، وارتبطت بفترة اعتراها الفوضى لم يعد يتقبلها المشاهد الذي تنامت درجة وعيه بفعل التجارب التي مر بها خلال السنوات السبع الأخيرة، إضافة إلى تعرضه للخذلان من قبل شخصيات كثيرة، لدرجة بلغت معها الصورة الذهنية للإعلام أدنى درجاتها منذ فترة طويلة. فلم يعد الجمهور ينظر إلى الإعلام بوصفه الصادق المعبر عن رأيه والناقل لنبضه بسبب الأخطاء التي وصلت حد الجرائم، فما قبل ثورة 30 حزيران (يونيو) كانت الجماهير ترفع الإعلاميين على الاعناق، ولكن تغير الوضع ولم يعد هناك الاهتمام ذاته أو الثقة ولا الصدقية وذلك يعود إلى أخطاء كثيرة في الوسط الإعلامي ناتجة عن سوء أداء وافتقاد المهنية والتدريب، الى جانب سعي بعضهم إلى مكسب سريع عبر حلقات مدوية، من هنا فإن الوسط الاعلامي في مرحلة تقويم الذات».

وأشار مسلم الى أن «الإعلام يمر بمرحلة إنتقالية كحال مصر وكل مؤسسات الدولة بمفهومها الواسع، إذ شهدت خلال السنوات السبع الماضية تطورات ومؤثرات كثيرة، ومن المؤسف أن الوقت الذي توجب أن يكون الإعلام فيه ملاحقاً للتطورات والتحديات والتكنولوجيا، كان منشغلاً رغماً عنه في القضايا والمشاكل اليومية ففاته كثير من التطورات عالمياً، ومازال يعاني لأنه وسط تحديات ضخمة لها علاقة بتراجع سوق الإعلام والتحديات التكنولوجية، فالعاملون في الحقل الإعلامي يفتقدون التدريب، وغابت المؤسسات التنظيمية إذ مرت سنوات قبل أن تصدر قوانين التنظيم الإعلامي ثم تشكيل هيئاتها، فكانت الأوضاع كأنها تبنى من جديد.»

زخم سياسي

تولى محمود مسلم شبكة «الحياة» قبل ثورة كانون الثاني (يناير) وبعدها وهي الفترة التي صاحبها زخماً سياسياً وثورياً، بينما يتولى في الوقت الراهن إدارة « دي إم سي» خلال فترة هادئة نسبياً استقرت خلالها الأوضاع العامة والأمنية في مصر، ما يستدعي المقارنة بين الفترتين والصعوبات على مستوى إدارة المؤسسات التلفزيونية، وهو ما أوضحه مسلم قائلاً: «تتسم الفترتان بالصعوبة البالغة، وأرى دائماً أن لدينا مشكلة إحداهما تتعلق بالجمهور، فما تقبله المشاهد قبل العام 2011، لا يمكنه ان يتقبله في الوقت الراهن، وثمة موضوعات طرحت عقب ثورة طرحها خلال 2011 والسنوات القليلة التالية لا يمكن تكون محور الحديث الآن.»

وعن القلق الذي يعتري العاملين في الحقل الصحافي والإعلامي حيال مستقبل الاعلام في مصر بخاصة في ظل إغلاق كثير من القنوات وتسريح العاملين فيها، قال رئيس قناة «دي ام سي» بأن المنصات الرقمية هي المستقبل وبعض الشركات الكبرى متعددة الجنسيات التي كانت تطرح إعلاناتها عبر الصحف والشاشات اتجهت إلى المنصات الرقمية التي أصبحت عنصراً فاعلاً في الوقت الراهن في الوصول إلى المشاهد وجذب المكاسب». لكنه أكد أن الصحف والشاشات يمكنها الحفاظ ولو موقتاً على وجودها عبر المهنية والتنوع وتقديم منتج ومحتوى يحتاجه المشاهد عبر العودة لأساسيات المهنة، غير أنه نوه أيضاً أن المواطن لديه مشكلة لكونه لديه حالة من التشبع من وسائل الإعلام فقد ظل الجمهور ملتفاً حول التلفزيون لسنوات طويلة، كما ان القلق والأحداث المضطربة التي جذبت الناس الى الشاشات لم تعد موجودة بعدما أصبحت مصر أكثر استقراراً وأمناً. وأضاف: «يمر الإعلام بمرحلة صعبة والتحديات هي الاخطر التي تواجه المهنة في التاريخ الحديث، آملا تجاوزها قريباً».

الصحافة الورقية لن تموت

يعمل مسلم رئيساً لتحرير جريد «الوطن»، وهي واحدة من كبريات الصحف اليومية المصرية، ما يجعله يعايش الأزمات التي تمر بها الصحافة الورقية التي تعيش أيامها الاخيرة بيد أن الكاتب الصحافي المصري له رؤية أخرى إذ قال: «لا يمكن القول أن الصحافة تشهد آخر ايامها، فرغم أن بعض صحف العالم قد أغلقت، لكنها لم تصبح ظاهرة كبيرة وأعتقد ان تغيير وتطوير المحتوى من شأنه التغلب على جزء من المشكلة التي تحمل ابعاداً أخرى تتعلق بطبيعة القارئ والتطور التكنولوجي وزيادة أسعار الورق والطباعة وتراجع الإعلانات التي لجأت الى الصحافة الرقمية، فيما المواقع الالكترونية متاحة مجاناً في مصر. هذه المشكلة وعواملها تحتاج إلى العمل عليها ودراستها، لكن الصحف الورقية لن تختفي بين عشية وضحاها بل سيستغرق ذلك سنوات». واشار إلى أن الامر يتعلق أيضاً بالقدرة الشرائية للمواطن المصري، وزيادة المعروض من الصحف. «لدينا ما بين 9 و10 جرائد يومية، فمن يمكنه شراء كل هذا العدد او يخصص له موازنة من دخله في ظل الظروف المعيشية التي نشهدها حالياً بخاصة ان البديل هو المواقع الإلكترونية التي تقدم خدمة مجانية». ولفت الى ان ارتفاع اسعار الورق وتضاعفه بنسبة 100 في المئة رفع أسعار الصحف ما ساهم في تقلص التوزيع. لكنه عبر عن آماله بتجاوز هذه المرحلة عبر بحث الحلول التي تناسب القارئ خلال هذه المرحلة، وبحث إمكان تقنين المواقع لتكون نظير اشتراكات».